بسبب الإهمال الحكومي كيف تغيّرت تسمية سوق الصفافير إلى سوق العصافير

بسبب الإهمال الحكومي
كيف تغيّرت تسمية سوق الصفافير إلى سوق العصافير
تحقيق / علي صحن عبدالعزيز
كدالة تراثية عتيقة من العصر العباسي ، مازال سوق الصفافير في منطقة باب الأغا وسط العاصمة بغداد ، يقاوم إرهاصات الزمن وواقع الشيخوخة ، كل ما يحيط بالسوق يذكرك بنفحات وأريج التأريخ ، فالطراز المعماري المتميز به ،ودقات (المطرقة والسندان ) على مادة النحاس، ستعيدك إلى سبعينيات القرن الماضي ولغاية نهاية الثمانينيات منه ، لتختزل أمامك حضارة آلاف السنين من الإبداع والعطاء .
(جورنال الحرية) توجهت إلى هذا المكان لعلها تستمع موسيقاه الصاخبة في نسق وترتيب ، ولكنها وجدت حكايات ومعاناة أصحاب هذه المهنة أكبر من ضربة المطرقة ننقلها اليك عزيزي القارئ .
تأثير الإستيراد
يقول كامل كرادة / صاحب محل : بعد مرحلة عام (2003) في العراق ،دخل هذا السوق مراحل الإندثار وبدأ بالتراجع والإنزواء شيئا فشيئا ، لجملة أسباب منها ، أغلب الصفارين الحقيقين هاجروا هذه المهنة ،أو إنتقلوا إلى رحمة الله تعالى، كما إن غلاء بدلات الإيجار وقلة الدعم الحكومي عاملان رئيسيان في ضياع هذه المهنة التراثية ، لقد كان في الحكم السابق شارع الرشيد مغلق وأقصد هنا بالقرب من هذا السوق لنشاطه الكبير ، في حين كانت محلات الصفارين أكثر من (60) محل ،أما الآن فلا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ، ومن هؤلاء (الإسطوات) القدامى الذين مازالوا هنا ، أسعد الصفار والحاج زهير وعمو ناظم ، وكان عددهم في فترة الثمانينيات أكثر من (إسطة) ، ويضيف (كرادة ) قائلا : في الحقيقة العوائل العراقية دخلت مرحلة تطور وهنالك إقبال منها للتبضع ، من خلال الجلسات العربية (البدوية) في البيوت والتي تحتوي على (المنقلة ) وهو موقد النار مصنوع من مادة النحاس بالإضافة إلى الدلال .
طلبات مباشرة
ويوضح كامل كرادة ، بأن لكل مواطن إو مشتري له ذوقه الخاص ، فمنهم من يرغب بصناعتنا اليدوية إو المستورد منها، ونحن هنا تلبي جميع الطلبات ، وأود إن أنوه هنا بأن الصناعة اليدوية تمتاز بالمتانة والقوة ، كما أن هنالك طلبات مباشرة من قبل بعض المواطنين ننفذها أمامهم ، كأن تكون تلميع حاجة أو إضافة لمسة فنية تراثية عليها .
زيارات الوفود
وعن سؤالنا حول الشخصيات السياسية العالمية والعربية والمحلية التي زارت سوق الصفافير أجاب (كامل كرادة ) قائلا : بطبيعة الحال هنالك الكثير من الشخصيات العامة والسياسية التي زارت سوق الصفافير ، ومنهم (جاك شيراك /رئيس وزراء فرنسا وزوجته ، وياسر عرفات / رئيس دولة فلسطين ، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر ، وحسني مبارك ، والملك حسين ومعه صدام حسين ، مرتين متتاليتين ، وقد أخذ الملك حسين ، منارة مبخرة كبيرة ، وقد قدم لنا الكثير من المواد الأولية التي نحتاجها في هذه المهنة ، أما الآن فالوضع أختلف تماما وجميع قطع الغيار التي نتعامل بها ، تخضع لمضاربات البورصة العالمية ، فسعر كيلو النحاس ( 20) دولار ، وإذا ما نريد تصنيع (دلة) فإنها تكلفنا بحدود (59- 60) دولار ، والدلة المستوردة بحدود (10) آلاف دينار عراقي ، اي ما تعادل (8) دولارات هذا فيما يتعلق بالدلة ، أما (السيت الكامل ) والذي يتكون من الدلة الكبيرة وملحقاتها ، فيبلغ ثمنها (400-500) الف دينار عراقي ، اي ما يعادل (ثلاثة أوراق فئة المئة دولار أمريكي ، والمستورد منها يبلغ سعره بحدود (125) ألف دينار ، ومن المؤكد بأن المشتري يرغب بالسعر الأخير ، وتبلغ ذروة عملنا في شهر محرم الحرام ، حيث يزداد الطلب على (الزناجيل ) وقدور الطبخ الكبيرة ، والتي يستغرق فيها العمل أكثر من (سبعة أيام ) ويبلغ وزن القدر الواحد منه أكثر من (50) كيلو وسعره يتراوح ما بين مليون إلى مليونين دينار عراقي ، اي ما يعادل عشرين ورقة أمريكي ، لأن هنالك جهد وعمليات كبيرة تجرى عليه ، ومنها القص واللحيم والتقرنص ، ونحن نناشد من خلال ( جورنال الحرية ) الجهات الحكومية المعنية بضرورة الاعتناء بسوق الصفافير ، وللأمانة التاريخية فقد زار هذا السوق رئيس الوزراء الحالي الدكتور عادل عبد المهدي ، وطلبنا منه فتح شارع الرشيد ، وقد إستجاب لطلبنا، وهو الشخص الحكومي الوحيد الذي نفذ وعده .


سوق العصافير
توجهنا بسؤالنا إلى السيد إياد حميد عباس /صاحب محل داخل سوق العصافير ، هل مازالت تسمية سوق الصفافير قائمة إلى حد الآن ؟
– أجابني وبحسرة تقطع نياط القلب : ما تقوله صحيح ولكن في سبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ، أما الآن فنحن نضحك على هذا الإسم وقد أطلقنا عليه تسمية ( سوق العصافير) لأن حركة عمل السوق شبه ميتة ،بسبب الإستيراد العشوائي وليست هنالك أيادي عراقية يمكنها مزاولة هذه المهنة ،وبصراحة شغلتنا ومهنتنا ستلفظ أنفاسها الأخيرة ، مالم تقوم الدولة بالحفاظ عليها وأصحابها ، ونكرر مطالبتنا للحكومة بضرورة تشجيع الإنتاج الوطني .
إختفاء صوت المطارق
التقنية والمكننة الحديثة ، جاءت بضربات جمالية ومعاصرة ، ولكن لم تمسح نكهة التراث وخاصة في هذه المهنة ، هذا السؤال توجهنا به إلى نوفل أبو عبد الله :
– لا أخفيك سرا بأن سوق الصفافير تتميز بضاعته بالدقة العالية ، ولو جاءت بكل تفاصيل التصاميم الحديثة ، فإنها لن تستطيع الوصول إلى ما تصنعه أيادي هؤلاء (الإسطوات) بسبب إن هنالك تفاصيل تراثية وشعبية لا يمكن تقليدها تماما، وكانت أيضا علاقات اجتماعية وقوية بين الصفارين ، بدليل لو أحد منهم إنتقل إلى رحمة الله تعالى ، فإن بقية المحلات تبقى مغلقة لحين انتهاء الفاتحة ، ويضيف (أبو عبد الله ) قائلا : ما يحزنني أن أصوات المطارق بدأت بالتضاءل ، وأغلب الاسطوات هجروا هذه المهنة لأنها لم تعد قادرة على تسديد متطلبات حياتهم اليومية .
تسمية السوق
ماهر العزاوي / صاحب محل لبيع التحف الأثرية والنحاسية : تعود إطلاق تسمية سوق الصفافير قبل عام (1200) أي في القرن الثالث ، وكانت أصل بناءه عن اسطبلات تم إنشاؤها لمدارس الخليفة المسنتصر بالله ، وهكذا تغيرت إستخدامها حتى وصلت إلى وضعها الحالي ، وكانت هذه الأماكن تشتهر بصناعة الأواني المنزلية مثل أباريق الشاي والملاعق وغيرها ، ومع مرور الوقت بلغت إعداد هذه المحلات أكثر من (225) محل ، وما تشاهده الآن من تلك المحلات لا يتجاوز أكثر (6) محلات ، وربما يغادرون عرش مهنة الصفارين لتصبح أثر بعد حين .


قانون الضمان الإجتماعي
أمين العزاوي /صاحب محل ،وهو أخ ماهر العزاوي : كما تعرف بأن هذه أصحاب المهنة يتعرضون دائما للخطورة ، ولذلك فإن مناشدتنا إلى نقابة الميكانيك لتفعيل دورها ، من خلال تسجيل عضوية انتمائنا لها ، لا أن تكون إجراءاتهم مثل أمانة العاصمة مجرد جباية رسوم النظافة في السوق وهو يغص بالنفايات .
رأي الخبير الصناعي
سعد مهنا الكمالي / خبير في التنمية الصناعية : نقولها بصراحة بأن كل الحكومات المتعاقبة كانت تدعم هذه المهنة وأصحابها بكل ما يحتاجونه ،من قطع الغيار مادة النحاس المستورد وتبيعه إليهم بسعر الكلفة ، وكذلك كانت تمنع أصحاب هذه المهنة من تغير مهنتهم وهنالك ضوابط صارمة بهذا الموضوع ، أما الآن فالوضع أختلف تماما فأغلب المحلات غيرت مهنتها إلى مهنة البزازين الذين يتعاملون ببيع الأقمشة ، ولذلك نضع هذه المشكلة أمام وزارة الثقافة والسياحة وأمانة العاصمة ، لإنقاذ هذا السوق قبل إن يصبح في خبر كان ، ولنا مناشدة أخرى بأن يتم تدريس أصول مهنة الصفارين ضمن الكليات والمعاهد السياحية والمتعلقة في هذا المعنى ، وأضاف (الكمالي) قائلا : سوق الصفافير يمثل وجهة وملتقى سياحي إلى عهد قريب جدا ، وكان كان الكثير من الزوار والسواح الأجانب يقصدونه ، لأنه علامة تاريخية ولها بُعدها الحضاري ذو البهاء والرونق لحضارة وادي الرافدين .
لنا كلمة
ونحن نغادر سوق الصفارين ، طلبنا منهم بأن يسمعونا جزء من تلك الموسيقى المرافقة مع ضربة المطرقة ، وكأن قول حال السوق يقول : من يعيد تجديد شبابنا ، من يبحث عن الأصالة والفن والمهارة الأصيلة من …من …من .. وإلى جولة ميدانية ثانية أخرى إليه وعن قريب …
—————–
العناوين الفرعية
إسطوات المهنة : لا يمكن تقليد منتوجنا اليدوي ،لأنه مرتبط بأسرار شعبية وتراثية .
مناشدة عاجلة : ضرورة دعم أصحاب مهنة الصفارين بالمواد اللازمة وتخفيف نسبة الضرائب .
مطالبات أصحاب المهنة ،بتدريس مهنتهم في الكليات والمعاهد السياحية ذات العلاقة .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design