التأليف الغنائي العربي بقلم / جلال جوبي ..استوكهولم .

كافة موسيقات العالم لها قوالب موسيقية وغنائية تبني عليها اسسها لتحفظها من الضياع والاندثار
ففي الموسيقا الغربية هناك السيمفوني والاوبرا والكونشرتو وغيرهم من القوالب وفي موسيقانا الشرقية ايضا لدينا قوالب موسيقية كالبشرف والسماعي واللونغه والدولاب والتقاسيم . وقوالب غنائية كالموشح والدور والقصيدة والموال والقدود والأغنية الشعبية والغناء الديني
وفي هذه العجاله سأستعرض بعضا من هذه القوالب وأبين خصائصها من الناحية الموسيقية وابدأ بالموشح
الموشحات:
التو شيح نمط من أنماط الكلام المنظوم انبثق بالأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري – التاسع الميلادي. وقد عرَّفه ابن سناء الملك فقال:
الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص
فهذا يعني أن الموشحات تختلف عن القصائد بخروجها على مبدأ القافية الواحدة واعتمادها على جملة من القوافي المتناوبة والمتناظرة وفق نسق معين وهي تختلف عن الشعر من ناحية أخرى في أنها تحوي في بعض أجزائها(وبخاصة خاتمتها) على العبارة العامية دون الفصحى كما تتصل الموشحات اتصالا وثيقا بفن الموسيقى وطريقة الغناء في الأندلس ، واغلب الظن أنها تُنظم لغرض التلحين ، وتصاغ على تهج معين لتتفق مع النغم المنشود
كل ذلك يعني أن الموشح فن أندلسي أصيل ابتدعه العرب في ظل ظروف اجتماعيه خاصة وعوامل بيئييه معينه 0
أول من اخترع الموشحه هو محمد بن حمود القبري الضرير على حين يقول ابن خلدون:
1. كان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله ابن محمود المر واني , واخذ عنه أبو عمر احمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عباده القزاز شاعر المعتصم ابن صمادح
بناء الموشح:
الموشحه في الأصل منظومة غنائيه لا تسير في موسيقاها على النهج العروضي التقليدي الذي يلتزم وحدة الوزن ورتابة القافية ، وإنما تبنى على نهج جديد متحررا نوعا ما ، بحيث يتغير الوزن وتتنوع القوافي مع الحرص على التزام التقابل في الأجزاء المماثلة.
مثال :
حارَ الغيدُ في أمري فالألحاظُ لمْ تُغْرِ
قالوا قُدَّ ِمْن صخرٍ قُلتَ النارَ في صدري
في عيونِ الغيدِ سِحْرُ الياسمينْ
لَمْ يَزَلْ يزهو على مَرِّ السنينْ
أيها المشتاقٌ لا تُخفي الهوى
إنَّ في عينيكَ آياتُ الحنينْ
زَادَ الغيدُ في وجدي جَاَزوا قلبي بالصّدِ
نَابَ الُسهدُ أجفاني والآهاتُ لَمْ تُجْدِ

نلاحظ في الموشحه تعدد القوافي واضح ،فضلا عن تغير الوزن في قوله :
في عيون الغيد0000 إلى أن يعود الوزن كما ابتدأ عند قوله:
زاد الغيد في وجدي000000
وفي هذا يقول ابن سناء الملك :
ما لها عروض إلا التلحين ولا ضرب إلا الضرب ولا أوتار إلا الملاوي ولا أسباب إلا الأوتار
وهذا يعني انه لا ضابط لهذا النمط من النظم من عروض او نحوه سوى التلحين عن طريق مد الصوت أو قصره وكل ذلك يؤكدا لتلاحم الوثيق بين الموشحه والغناء ويرجح إنما ظهرت لتلبية دواعي فنيه تتصل بالألحان والموسيقى.

يغلب الظن لن تسمية الموشح استعيرت من الوشاح وهو في تعريف المعاجم :
سير منسوج من الجلد يرصع بالجواهر واللؤلؤ تتزين به المرأة
ولهذا سمي هذا النمط من النظم بالموشح لمَ انطوى عليه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعه
أنواع الموشحات من الناحية الموسيقية
الموشحات الاندلسيه :
وهي الموشحات التي تؤدى اليوم في ليبيا والمغرب العربي كله تونس والجزائر ومراكش وموريتانيه كأغان للمجموعة حيث انتقلت هذه الموشحات الى المغرب العربي قبل المشرق لقربها واحتكاكها الدائم ببلاد الأندلس عن طريق الحرب والتجارة منذ ازدهار الموشحات فيها كنظم فريد وذلك في القرن الرابع الهجري
وبعد تقلص الظل العربي في الأندلس وانحساره عنها تابع الوشاحون العرب في تلك البلاد النظم فيه وعملوا على تحسينه كما أسهم أهل الموسيقى والطرب على الاستزادة منه فيما شمل الطرق الصوفية

الموشحات الحلبية:
ترجع نسبة الحلبية إلى مدينة حلب التي لا تزال المدينة الوحيدة إلى اليوم سيدة الموشحات على الإطلاق منذ أن انتقل إليها هذا الفن من غرناطة في الأندلس عن طريق القوافل التجارية التي كانت تأتي إلى حلب
اهتم الحلبيون بهذا الفن ولكنهم اتبعوا طريقة في غنائها دون الاعتماد على طريقة النظم فقطعوا الإيقاع الغنائي على الموشحات الشعرية وعلى الموشحات الأخرى التي لا تخضع في نظمها لبحور الشعر ثم طبقوا أسلوب الأندلسيين في تلحينها الا أنهم خرجوا عليها في المقامات بحين غدت الأدوار مطابقة في غنائها للحن الغطاء دون الخانة والتي يكون لحنها مخالف للحن الدور الأول والغطاء وبذلك اكتسبت الموشحات الاندلسيه التي لحنت على الطريقة الحلبية كثيرا من التحسينات التي أسهمت في تطويرها
بالعودة الى المثال السابق سأبين التقسيم الجديد للموشح والذي ابتدعه الحلبيين

الدور الاول
حارَ الغيدُ في أمري فالألحاظُ لمْ تُغْرِ
قالوا قُدَّ ِمْن صخرٍ قُلتَ النارَ في صدري
الخانه
في عيونِ الغيدِ سِحْرُ الياسمينْ
لَمْ يَزَلْ يزهو على مَرِّ السنينْ
أيها المشتاقٌ لا تُخفي الهوى
إنَّ في عينيكَ آياتُ الحنينْ
الغطاء

زَادَ الغيدُ في وجدي جَاَزوا قلبي بالصّدِ
نَابَ الُسهدُ أجفاني والآهاتُ لَمْ تُجْدِ

يكون الدور الأول والغطاء من نفس اللحن تماما أما الخانة فيكون لحنها مخالفا للحن الدور والغطاء وأحيانا يكون إيقاع الخانة مختلف أيضا عن إيقاع الدور والغطاء
كل هذا يصب في قناة تطوير الموشح وإبراز مقدرة المطرب في أدائه وخاصة مقاطع خانات الموشحات التي تزيد الموشح نشوة وطربا
أضاف الحلبيون على غناء الموشحات نوعا من الرقص عرف برقص السماح
الى ما قبل نصف قرن من الزمن كان مقصورا على الراقصين دون الراقصات لأسباب اجتماعيه . وكان الراقصون يؤدون هذه الرقصات على إيقاعات الموشحات المختلفة
وبفضل الفنان الحلبي الكبير والوشاح الأول في سوريه الحاج عمر البطش تطور رقص السماح فغدت حركات الأيدي والأرجل خلال الرقص تنطبق مع إيقاعات الموشحات بحيث يختص كل إيقاع إما بحركات الأيدي وإما بحركات الأرجل أو بالاثنين معا
وعلى هذا فان أهالي حلب يغنون الموشح ويضربونه ويرقصونه ويقصد بالضرب أي الوزن أو الإيقاع

الموشحات المصرية:
انتقلت الموشحات الى مصر عن طريق الفنان الحلبي شاكر أفندي الحلبي في عام 1840 الذي قام بتلقين أصولها وضروبها لعدد من الفنانين المصريين الذين حفظوها بدورهم وحافظوا عليها وأورثوها لمن جاء بعدهم وأهمهم كان محمد عثمان وعبده الحامولي
فقد استطاع عثمان الذي اخذ العلم على يدي محمد شعبان ومحمد المقدم أن يجدد ويطور فيها فأدخل عليها كثير ا من الألحان التي جاء بها خلال جولاته العديدة إلى ديار الشام
راعى محمد عثمان في تلحينه للموشحات تقليد عرب الأندلس في الأداء فالموشح كما هو معروف أغنيه جماعية وكان ينفرد عن المجموعة أداء الموشح من كان يملك صوتا جميلا وقويا فيؤدي من خلال ترديد المجموعة لحنا مغايرا للحن المجموعة بطريقة توافقيه ومن هنا استغل عثمان هذه الناحية فخص بعض الجمل اللحنية في الموشح ليؤديها المغني الرئيسي كما فعل في موشحه المعروف ملا الكاسات وسقاني
وبعد موت عثمان والحامولي ظهر الشيخ سلامه الحجازي الذي امتاز بصوته الجميل وأدائه الرائع فاهتم بها ولحن منها القليل غير أن الموشحات تدين بازدهارها وتطورها وديمومتها إلى عمالقة التلحين آنذاك كدا وود حسني وكامل الخلعي وسيد درويش الذين اثروا الموشحات بإبداعهم وغنوها في مجالس الطرب وعلى المسرح وحتى في الملاهي
غير ان الاهتمام بالموشحات ضعف بعد موتهم ولم يهتم بها من العاملين في الموسيقى والغناء منذ ثلاثينيات القرن الماضي
ولولا مدينة حلب التي حافظت على هذا التراث من خلال اعلامها كالشيخ علي الدرويش والحاج عمر البطش والحاج بكري الكردي ومحمد النصار واحمد الفقش واسعد سالم وصباح فخري ومحمد خيري ومصطفى ماهر ونديم الدرويش الذي يعود له الفضل بتدوين موشحات عمر البطش مع الفنان الكبير عزيز غنام وكتابتها بالنوطه الموسيقية منعا للضياع
لاضمحل هذا الفن في عالم النسيان

الترل في الموشح :
كثيرا ما نسمع عند غناء الموشح بكلمات لا وجود لها في نظم الموشحه مثل :
أمان عمرم جانم يالا للي
إن هذه الكلمات سميت يالترل وهي تركية الأصل استعملها العرب في تلحين الموشح .
فقد يضطر الملحن إن يستعمل هذه الكلمات لأن كلام الموشح الذي يلحنه يكون قد انتهى والجملة الموسيقية لم تنتهي بعد فيضع أمان يلا للي ياليل ليكمل الجملة الموسيقية ولتكتمل دورة الإيقاع ويوجد سببا آخر لاستعمال هذه الكلمات وهو السيطرة على الأحرف التي لا يجوز عليها المد كالباء والقاف والضاد 0000 الخ
ويستثنى من هذا الكلام الموشحات التي ميزانها الشعري يطابق الميزان الموسيقي فيأتي النظم على قد اللحن دون زيادة أو نقصان ومن أشهر الأوزان الشعرية التي ينطبق عليها الميزان الموسيقي هو بحر الرمل الذي يطابق تماما في تقطيعه ميزان ( الدور الهندي ) وعده سبعة حركات موزعه بين الدم والتك والسكته .

تلحين الموشح :
تلحن الموشحات من جميع المقامات المستعملة في الموسيقى العربية دون استثناء وطبعا يترك للملحن الحرية باستعمال المقام الذي يريده في تلحين الموشح .
هذا من الناحية الموسيقية أما من الناحية الايقاعيه فيستحسن استعمال الموازين الكبيرة كالمربع وعدده 13 – المحجر وعدده 14 – الأوفر وعدده 19- الفاخت وعدده 20 00 الخ
أو من أي وزن اخرر وافق النظم وتفاعيله
وسأسرد الآن أنواع الموشحات من حيث الأوزان الملحنة عليها وهي ثمانية:
1- الكار : وهو الموشح الذي يبدأ بالترل ويكون ايقاعه كبيرا كموشح
برزت شمس الكمال لأبي خليل القباني وعدده وحداته الايقاعيه 48
2- الكار الناطق : وهو الذي يكون إيقاعه متوسطا ولكن مع تورية في الشعر باسم المقامات كموشح عنت سليمة في الحجاز وأطربت أهل العراق فعند كلمة الحجاز يجب إظهار مقام الحجاز وعند كلمة العراق يجب أظهار مقام العراق وهكذا
3- النقش : وهو الموشح الذي يحتوي على ثلاثة إيقاعات إلى خمسه كموشح بدت من الخدر و نبه الندمان صاح
4- الزنجير العربي :وهو الموشح الذي يحتوي على خمسة إيقاعات غير محدده . ليوجد مثال سوى معزوفة موسيقيه اسمها نقش الظرافات للمرحوم الأستاذ نديم علي الدرويش وهي تحوي خمسة إيقاعات تبدأ من الأكبر حتى الأصغر وهم على التوالي إيقاع الظرافات وعدده13 – إيقاع السماعي الثقيل وعدده 10 – إيقاع الاقصاق وعدده 9 – إيقاع القتا قوفتي وعدده 8 – إيقاع الور الهندي وعدده 7
5- الزنجبر التركي:وهو الموشح الذي يحوي خمسة إيقاعات محدده وهم 32-28-24-20-16 ولا يوجد مثال لهذا البند
6- الضربان: وهو الموشح الذي يحوي إيقاعين غير محددين فيكون الدور من ايقاع والخانة من إيقاع آخر كموشح يا مالكا مني فؤادي لنديم الدرويش حيث ان الدور من إيقاع السماعي الثقيل والخانة من إيقاع الدور الهندي
7- المألوف : وهو الموشح الذي يكون مؤلفا من دورين وخانه وغطاء ويسمى سلسله ويكون من إيقاع واحد كموشح إملالي الأقداح صرفا

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design