الشاعرة زهرة الطاهري : الكتابة من برج عالي ، هو إقصاء للحياة الأجتماعية والاقتصادية والثقافية

الشاعرة زهرة الطاهري :
الكتابة من برج عالي ، هو إقصاء للحياة الأجتماعية والاقتصادية والثقافية
حاورها/ علي صحن عبدالعزيز / جورنال الحرية
تتمتع قصائد الشاعرة زهرة الطاهري ، بالحيوية والحداثة وتوظيف اللغة في أدق تفاصيل موضوع القصيدة ، ولذلك جاء بوحها من خصب ما تمتلكه من إحساس صادق ومرهف ، فليس من السهل عليها أن تتجاهل علاقتها مع ما يواجهها من معاناة شعبها ومخاطبته بلغة سردية مؤثرة وفعالة ، بالإضافة إلى إحساسها الوجدانية الخالصة .
* وجع الشاعر إن ينغمس في قصائده ، هل تمنحك قصائدك أسرار خاصة لا يمكن البوح بها ؟
– الشاعر ينغمس مع الوجع في كتابته ويتبادل الأسرار مع قصائده ، والأسرار التي تمنحها لنا القصيدة أو التي أمنحها للقصيدة لا تبقى خاصة عندما تصبح أمام عيون القراء لأن حتى القارئ ينغمس في وجع القصيدة واسرارها .
* الصور والإنفعالات التعبيرية ، كيف يمكنك تجسيدها وهي صور غير مرئية ؟
– كان إن تتشكل اللغة حتى تصبح بذاتها صورة ترى بالعين المجردة ، إذا فتجسيد الصور والإنفعالات يتم عن منحنا للغة صور بلاغية وحركات لغوية تتحول إلى مشاهد لغوية .
* توظيف الضربة الحسية المختزلة في قصائد الومضة أو الهايكو ، هل يعني بأن الشاعر أو الشاعرة لديهم كلمات جاهزة ومعلبة لزجها بالقصيدة ؟
، لا أعتقد أن هنالك كلمات جاهزة ومعلبة لزجها بالقصيدة سواء على مستوى قصيدة الهايكو أو القصيدة العادية ، فحتى شعر الومضة يحتاج إلى مؤهلات شعرية منها الثقافة الشعرية والتأمل والإنفعال ،لكن كون شعر الهايكو هو عبارة عن جمل شعرية مختزلة وقصيرة ،وأحيانا لا يستغرق في وكتابتها الكثير من الوقت .
* تقولين في إحدى قصائدك ،صمتك المقصود وقميص ذكرياتك ، إلا تخشين بأنه يمكن أن يرتدي قميصا آخر ويتركك ؟
-كل شئ يمكن فالفراق والهجر دائم الحدوث في العلاقة الإنسانية ، لكن نحن لا نكتب لنحافظ على حبيب أو لنجبر حبيبا على هجرنا ،بل نكتب لأن الكتابة هي تعبير نبيل عن الحب والإنسانية ولأننا من عرق البشرية كما يقول يقول( والت ويتمان ) فنحن نحتاج ان نقدم كل ماهو نبيل وجميل للحفاظ على البشرية والقيم الإنسانية.
* مملكة الشعر المعاصر ، تعيش إختلافات وإئتلافات شتى ، أليس من الضروري على الشعراء التخاطب مع الواقع عن قرب ؟
– بالفعل هناك إختلالات وائتلافات شتى ، وبما إن الشعر هو أداة تعبيرية صادقة فعلى الشعراء ان يقتربوا أكثر من الواقع وأنا عموما أحبذ الشعر الذي يتفتق من واقعنا المعاش ، لأن الكتابة من برج عالي عن الواقع هو إقصاء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية فيه .
* مسألة النقد الأدبي ، يتعامل بها البعض على أنها عملية هدم وليست بناء ، ماهو إنطباعك عن هذا الرأي ؟
– هنالك عمليتان هدم ومدح وعملية تهجم ،كما أن هنالك عملية، أما البناء فنادرا ما يكون والسبب هو كون حركة النقد لا تقوم بنقد النص نقدا ذاتيا ومع ظروف التي جاء فيها النص في نقدا موضوعيا ، خصوصا وأن النقد الذاتي والموضوعي هما أساس الحركة النقدية ،كما أن الناقد عادة لا يكون محايدا لذا فهو إما يلعب دور المدافع أو دور المهاجم والنقد هو دراسة مبنية على أسس علمية ولغوية ، هنالك أزمة نقد وليست على مستوى الشعر فقط بل على مستوى الرواية والسينما والسياسة وشتى المجالات الأخرى .
* إختراق القصيدة وتأنيثها للتغزل بحنس المرأة ، يمثل إيماءات لتشظي القصائد الشعرية ، هل بالضرورة التعامل بهذا الأسلوب لكسب ود القارئ ؟
– لا أعتقد ، فالجنس هو عملية ناتجة عن الحب التي خلقت لنا هذه البشرية ، وبالتالي التغزل بجسد المرأة أو بجسد الرجل هو ناتج عن حب وإعجاب وليس فقط من أجل كسب ود القارئ . نحن لا نحب من فراغ فحضور الجسد ضروري ،كما أننا نرى الجسد بعيوننا ونتغزل فيه بإحساسنا ونكتب عنه بأيدينا ، لذا فعلينا أن نحتفي بهذا التغزل لا إن نحتقره .
* تذوق طعم أول قصيدة ،ربما يختلف عن بقية القصائد الأخرى ، ماهي ذكرياتك عن هذا الرأي ؟
– تذوق طعم أول قصيدة مثل تساقط أول حبات المطر مثل نضوج أول فاكهة مثل تذوق أول حليب الأم وخبز الأم ،ودائما تظل لها ذاكرة تعتبر مثل الأصل ونشعر دائما بالحنين إليها ، وأول قصيدة لا ينسى طعمها بالنسبة لي هي قصيدة منتصبة القامة لسميح القاسم وقصيدة أحن إلى خبز أمي لمحمود درويش.
* حدثينا عن ملامح واقع الشعر عندكم ، وهل تتمتع الشاعرة خصوصا بمساحة أكبر في طرح قضاياها ؟
– واقع الشعر لدينا لازال مقيدا ، فبرغم أن الكتابة هي حق من حقوق التعبير ، إلا أن المرأة مازالت لا تعبر عن كينونتها ومشاعرها وأرائها بشكل مطلق ، نظرا لضغوطات المجتمع الذكوري من جهة ونظرا للقيود المفروضة من طرف سياسة الدولة ليس فقط على الشاعرات بل حتى على الشعراء فالتعبير فالمغرب مازالت تضع له أجهزة الدولة شروط والدليل هو إعتقال عدة معتقلين في الريف وجرادة فقط بسبب تدوينات فيكسبوكية ، وهنالك أيضا عقوبات غير مباشرة تفرض على الشعراء الذين يتجاوزون شروط حدود التعبير كما ترسمه الدولة، إما عن طريق إقصاءهم من دعم وزارة الثقافة وإبعادهم من حضور المهرجانات الشعرية واللقاءات الثقافية .
* إنتقائك لفاكهة عناوين الكتب ، على أي الأسس الفكرية والثقافية تتعاملين بها ؟
– “أثر الفراشة” لمحمود درويش ” مائة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز “العشب” لوالت ويتمان “البعيد ” ليانيس ريتسوس “ايسلانيجرا” لبابلو نيرودا “الحب كلب من الحجيم” لبوفوسكي” أصابع لوليتا “لواسيني الأعرج “مديح الطائر ” ل جيسواف ميوش ، “الجوع” لكنوت هامسون ، أختار الكتب الأدبية في الآونة الأخيرة أكثر من الكتب الفكرية وخصوصاً الكتب الأدبية العالمية ، لأن الشعر العالمي وظيفته هي التعبير عن الحياة الواقعية والسياسية والإنسانية والإجتماعية ، ولأن التعبير في الشعر العالمي هو تعبير ديمقراطي وعند ويتمان الشعر ليس تعبير عن السياسة والرأي بل هو السياسة ذاتها ،لذا يقول (والتمان) وظيفة الشاعر كوظيفة رئيس الجمهورية .
الرجل …ماهي أقرب مفرداتك التي كتبتيها إليه ، وماذا يمثل اليك ؟
– المفردة الأقرب لي التي كتبته للرجل ، هو أن يكون إنسان وهذا الإنسان يمثل لي الحب، الحياة، الوجود، لأن وجود المرأة والرجل معا هما ضرورة وجودية وعليهما إن يكونا متساويان في تبادل الحب والإحترام والثقة .
* لنتحدث قليلا عن قضايا المرأة في قصائدك ، هل كنت محامي عنها ؟
– أكتب عن المرأة أولا ، لأني امرأة في عالم لا زال يَحْرِمها من أبسط حقوقها ، فأكيد أني سأكون من المدافعين عن المرأة ليس كمحامية لأن المحاماة هي وظيفة داخل المحكمة وعادة تكون بالمقابل وتكون دفاعيا مقتصرة فقط على المظلوم الذي نصب المحامي ، أما أنا فحين أدافع عن المرأة أدافع حتى عن نفسي لأني أعاني من الإقصاء والتهميش، وأدافع عن المرأة بشكل عام لأنها تعاني نفس ما أعانيه من إستغلال وظلم وإضطهاد .
* أبرز مشاركتك المحلية والعربية ، وعدد قصائدك ودوواينك ؟
– إنا عادة نادرا ما أشارك في اللقاءات الشعرية والثقافية وأسمي ما أكتبه بالنصوص الشعرية لا بالقصائد ،ولا أعرف كم من نص شعري كتبته لحد الآن ليس لكثرة ما أكتب ،بل لأني نوعا ما فوضوية وجدا كسولة في جمع ما أكتبه، اما عن الدواوين فليس لي لحد الآن أي ديوان ، وعن قريب سأحقق ذلك المبتغى .
* أيهما أسبق على الاخر ، عنوان القصيدة ام كتابتها ومن ثم تسميتها ؟
– الإبداع عالم يختلف من شخص آخر ، وطريقة كتابتي قد تشبهني ، لذا فعن نفسي لم يسبق لي أن كتبت العنوان قبل أي نص شعري لأني حين أبدأ الكتابة أصبح كمن بدأ السير في طريق مجهول لا يعرف هل سيؤدي به إلى البحر أو نحو الهاوية .
* ما هو إنطباعك عن واقع الشعر العراقي ؟
– العراق كما هو معروف عريق في تاريخه الشعري، وهو أرض الشعراء والمتنبي والرصافي، وهو أيضا رائد الحركة والتغيير في تاريخ الشعر العربي الحديث والمعاصر ،وأنا دائما أفتخر بنازك الملائكة أولا ، لأنها شاعرة ثانيا لأنها أول من تجرأ وكتب اول قصيدة في الشعر الحرة وتتمثل جرأتها وشجاعتها أولا في القصيدة وفي قولتها بعد قصيدتها ،التي قالت فيها
(لقد قلت لكم إن الجمهور سيضحك مني ، ولكني مع ذلك واثقة أن هذه القصيدة ستكون بداية عصر جديد في الشعر العربي)
من قصيدة الكوليرا
في كهف الرعب مع الاشلاء
في صمت الأبد القاسي حيث الموت
دواء
استيقظ داء الكوليرا
حقدا يتدفق موتورا
هبط الوادي المرح الوضاء
يصرخ مضطربا مجنونا
لا يسمع صوت الباكينا
في كل مكان خلف مخلبه أصداء
في كوخ الفلاحة في البيت
لاشئ سوى صرخات الموت.
* بعض الدول العربية المطلة على البحر المتوسط ، ثقافتها وحتى لغتها باقية على الدول التي غزتها وإحتلتها ، متى ينهض المثقف العربي بدوره للعودة إلى اللغة العربية ؟
– الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط تعرضت فعلا للغزو الغربي والعربي ، لأنها في الأصل هي بلاد أمازيغية ،أما بالنسبة للغة فالإنسان العربي أو غيره من بلدان العالم الثالث يعتقد أن اللغة الأجنبية هي لغة العلم والفكر والتقدم وأن لغته الأصل كيفما كانت فهي في لغة متخلفة ، بينما التخلف في الأساس هو مقترن بألية التفكير والبحث العلمي والعقل ، واللغة هي مجرد وسيلة للتعبير والتواصل وليست وسيلة للتفكير.
* نبذه عنك ومعلومات أخرى ؟
– لا أعرف ماذا أقول عني ، سوى أني إنسانة من المغرب أحاول أن أكتب ، وأغني للحرية ،وأصرخ دائما للحب كما أنادي بإستمرار على عالم أقل رمادية وأكثر حبا وإنسانية .
* كلمة اخيرة ؟
-أتمنى أن تتلاشى الغيوم التي تغشى عيوننا والشفاه تصير وجوهنا صافية كالمياه ، ونعيش الحب بدل الحرب ونعشق أكثر مما نكره ،أن نعمل أكثر مما نراقب أكثر مما نحسُد ، وكذلك اتمنى أن نفعل أكثر مما ننتقد ،وأن نعطي الفرح والاحترام والحياة والحق والواجب والحب أكثر مما نصلي وندعي ونعبد ، فنحن
على الأرض لنَبْدُل ما في إنسانيتنا لا لِنَبْدُلَ ما في وحشيتنا ونحن على هذه الأرض لنتبادل الحياة لا الموت ، لذا أتمنى أن تحكمنا القلوب لا السيوف والحروب .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design