هكذا تعلموا القراءة

كتب : عاطف البطل

في البداية لابد أن ندرك أن مهنة التعليم ، وتعليم القراءة والكتابة بشكل خاص ،تحتاج  لإخلاص وصبر كبيرين ،فهما أساس نجاحي في تلك التجربة عندما كنت أعمل معلما للغة العربية ، في المرحلة الابتدائية قبل 15 خمسة عشر عاما مضت ، والذي ساعدني فيها – بشكل كبير –  حب الطلاب لي  .

فقد لاحظت ضعف معظم الطلاب في القراءة ، حتى الطالب الجيد فيهم كان لا يقرأ بصورة سليمة ،رغم معرفته بالحروف ، وكان أغلب الطلاب لا يميزون بين الحروف بشكل جيد ، فدائما يخلطون بينهاسواء في النطق أم الكتابة ،ولقد عرفت ذلك من خلال تكليفي لهم قراءة بعض العبارات القصيرة  ،كما لاحظت أن  هذا الضعف أثر على الطلاب وجعلهم غير واثقين من أنفسهم ، فعندما أسأل سؤالا ، لا يبدي أحد منهم الاستعداد على الإجابة ، وكانوا غالبا ما  يفضلون  الإنصات .

ولابد أن أشير إلى شيء مهم في هذا السياق  ، وهو أني لاحظت أن بعض الطلاب  بمجرد الانتهاء من الدرس يأتون في اليوم التالي وقد استطاعوا قراءة الدرس  كاملا قراءة ممتازة  ، قراءة مشكولة وتراعي مخارج الحروف، فاندهشت جدا ، فأوقفت أحدهم وطلبت منه قراءة جملة معينة في وسط الصفحة ، فلم يستطع وهكذا فعلت مع بقية الطلاب ، فأيقنت أنهم يحفظون الدرس كاملا ، دون علمهم بالقراءة ، نعم هم استطاعوا فعل ذلك ؛ لأننا كنا نقرأ قراءة جهرية والكل يردد في وقت واحد وبوتيرة واحدة ، ثم عند الذهاب إلى المنزل يقومون  بنسخ الجزء الذي كلفتهم به في الدفتر ، فمع تكرار القراءة في المدرسة والقراءة أثناء النسخ ، استطاعوا الحفظ .

ولأني أعلم جيدا أن أي لغة  في العالم ، لابد لها من مهارات أربع : الكتابة والقراءة والاستماع والتحدث ، قررت أن أركز على ذلك بصرف النظر عن الكتاب المقرر ، رغم جودة الكتاب في ذلك الوقت  .

أخذت على عاتقي بيني وبين نفسي أن أعلم الجميع القراءة والكتابة ، وحمدت الله أن هؤلاء الطلاب مازالوا في سن مبكرة ، أستطيع أن أنقش ما أريده في أذهانهم فيما يتعلق بلغتنا العربية الجميلة ، فقمت بتعليمهم الحروف حرفا حرفا  علي السبورة ، من حيث النطق والكتابة ، وكنت أفرق مثلا ، بين السين والثاء ، الطاء والتاء ، القاف والكاف ، الدال والطاء ومثلت ُبالكلمات التالية : ( سلاسة – ثلاثة ) ( طين – تين )  ( قلب – كلب ) ( دلال – ضلال )  وهكذا…

كنت أقرأ كثيرا ويقرؤون مثلي  ، أكتب ويكتبون مثلي ،ثم أمسح ما كتب على السبورة ، ثم أكتب بعض الكلمات وأطلب إليهم قراءتها ، ثم أملي عليهم بعض الكلمات فيقومون بكتابتها ، وكل هذا العمل على السبورة ، وقمت بعمل دائرة حول السبورة أسميناها دائرة القراءة والكتابة ، والكل كان سعيدا بها ، ومن لا يستطيع قراءة أو كتابة ما كلف به على السبورة ، كنا نخرجه من الدائرة ، ويعود إلى مقعده وطاولته ؛ فيغضب جدا وقد يصيح .

كنت  أكلفهم قراءة ونسخ بعض الفقرات بشكل يومي  في المنزل ، وفي اليوم التالي أتابع ذلك بشكل جيد ؛ لأتأكد من إنجاز ذلك العمل ، وفي اليوم التالي مباشرة أطلب إليهم القراءة ، ثم أملي عليهم بعض العبارات في ورقة خارجية كنت أوزعها عليهم  ،و كنت أصحح الأوراق  وأعمل تغذية راجعة مكتوبة لكل طالب على حدة ،وكنت أشجعهم دائما ، حيث كنت أكتب  كلمة ممتاز ،رائع ،أبدعت ….وأضع نجوما للجميع  مهما كانت درجته .

أما الطالب الذي أشرت إليه آنفا،وهو من أصحاب الهمم ، فكان في البداية لا يتحدث معي مطلقا ،ولا يقوم بأي عمل سوى النظر إلينا والاستماع لما نقول ،  فسألت عنه فعرفت بأنه ذو  إعاقة ذهنية و لا يتحدث أبدا  مع أحد  ، فحاولت التقرب منه والحديث معه وهو لا يرد علي ، كنت دوما أفعل ذلك دون جدوى .

وفي أحد الأيام وجدته ينظر إلي ويهمهم بأصوات غير مفهومة فقلت له أتريد شيئا يا علي وأعطيته ورقة مخصصة للإملاء وقلت له اكتب أي شيء ، فكتب بعض الحروف ، ومن هنا بدأ يتحدث معي ، وبدأ يندمج ويبذل مجهودا بسيطا وكان كلما قرأ أو كتب أشجعه ،  وأكلف الجميع بتحيته والتصفيق له ، وفي نهاية المطاف استطاع الحصول على 7/10 في الإملاء وفوجئت بعدها  بقدوم والديه فرحين شاكرين .

كانت التجربة ناجحة أتذكرها بكل تفاصيلها ، فقد استطاع الطلاب جميع الطلاب إجادة القراءة بطلاقة خلال شهرين ، وكان صفهم هو الوحيد الذي يستطيع كله أن يقرأ بشكل جيد ، وعندما كنت أراهم هكذا ، كانت الدمعة تسيل من عيني .

وكان ذلك له أكبر الأثر على الطلاب ، حيث وجدتهم سعداء جدا بذلك ، فالبعض منهم يفتخر بأنه استطاع القراءة ، في حين أن أخاه الأكبر لم يستطع قراءة العنوان الذي جاء في الجريدة أمس ، وجدتهم واثقين من أنفسهم ، يريدون الاشتراك في برامج الإذاعة ، و بعضهم ذكر بأنه سوف يعمل مذيعا  عندما يكبر ، و بعضهم كان يقف ، ويناقشني ويتحداني أنه يستطيع القراءة بالفصحى .

ومن وجهة نظري أن الطريقة الصوتية هي الأفضل،نقوم بتعليم الحروف ثم  المقاطع ثم الكلمات ، على أن يقوم المعلم بعمل تلك الخطوات ببطء أمام الطلاب ، فينطق ببطء ويكتب ببطء رويدا رويدا ،  وكل هذه الخطوات على السبورة ، وبعد إجادة الطلاب ذلك يمكن أن نستخدم كل الوسائل الحديثة الممكنة التي تحبب الطلاب في ممارسة القراءة وتركيب الكلمات أو تحليلها .

توصيات مهمة

أولا :  أن يتولى تعليم اللغة العربية في المرحلة الأولى  أكفأ وأخلص المعلمين ، وأن يستمر معهم في الصف الأول ثم الثاني ثم الثالث ، على أن  يتم عمل امتحان شامل في مهارات اللغة العربية المتنوعة في نهاية الصف الثالث الابتدائي دون تدخل مباشر من معلم الصف ؛ ليتم تقييم عمل المعلم ومعرفة مستوى الطلاب الحقيقي  .

ثانيا : إدراج نشاط كتابي يقوم الطلاب فيه بنسخ بعض العبارات أو الفقرات في المنزل ؛ لأن ذلك يؤدي إلى تحسين الخطوط ، وإجادة القراءة ، فهم عندما ينسخون يمارسون مهارة القراءة .

أخيرا : من المهم جدا أن تكون العلاقة بين المعلم وطلابه قائمة على الحب والاحترام والرحمة فيما بينهم  ،وأن يكون المعلم بشوش الوجه،مبتسما دائما في وجوه طلابه، فإن  تحقق ذلك ، فإننا سوف ننجح  – بإذن الله – في إزالة معظم العقبات والحواجز التي قد تعترض طريقنا أثناء عملية التعلم .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design