غصة .. في عيد الصحافة العراقية الـ (150)

 

علي إبراهـيم الدليمي

قبل أيام صعدت سيارة (باص كيا)، من مكان ما إلى مكان أخر، وفي يدي أحمل صحيفة وفي داخل طياتها مجلة بارزة، بعد أن أخذت مكاني ودفعت الأجرة.. كان جالس أمامي شاب يتعدى سنه على الثلاثين عاماً، فقال لي: أستاذ منذ زمن بعيد لم نشاهد مثل هذا (المنظر)!؟
إنتبهت إلى ملابسي وتلمستها لعل هناك شيء أثار إنتباهة فيَّ فعلاً.. فقلت له بإندهاش: أي منظر؟!!
فأشار إلى ما أحمله بيديّ (الجريدة والمجلة)!! فقال كنا نشاهد فيما مضى من السنون الجميلة.. مئات الشباب المثقف من الأساتذة والطلبة وغيرهم، وهم يحملون بأيديهم نسخ من الصحف اليومية ومجلات.. ومنهم من يقرأها وهو يمشي في الطريق، وأحياناً يقرأها في الباصات والأخرين من حوله يبصبصون على محتوياتها.
وحالياً للأسف الشديد، قد انتهت هذه الحالة الثقافية الرائعة التي كنا نألفها، بل كانت من صميم تقاليدنا في المجتمع، آنذاك، التي أخذت أجهزة (الموبايلات) مكان الصحف والمجلات في أيدينا جميعاً.. لنثرثر فيها ما نشاء.
فقلت له حتى لا يشعر بالآسى: لكل زمان ومكان أجياله.. بما تمليه عليه الظروف الآنية التي يمرون فيها.. فتأسفنا، ومن كان معنا في (الباص) أسفاً شديداً بما آلت به الظروف السياسية اللعينة علينا.
نعم.. هكذا كان ديدنا اليومي والمتواصل مع (الصحف اليومية) و(المجلات الإسبوعية) و(مجلات الأطفال والشهرية).. فضلاً عن ما تصدره دوائر وزارة الثقافة والإعلام من مطبوعات عامة في جميع أجناس الثقافة والفنون والأدب.. كان من يحمل هذه الصحف والمجلات بيديه خليط عام من أبناء المجتمع.. كباراً وصغاراً.. طلبة وعمال وكسبة وموظفين وأساتذة جامعات.. وغيرهم.. كان مجتمعنا العراقي أكثر الدول العربية في القراءة.. وصدق من قال (مصر تؤلف ولبنان تطبع وبغداد تقرأ).
كانت (ثقافة) إقتناء وقراءة الصحف اليومية، والمداومة عليها بشكل منتظم ومتواصل، والتي لم نفرط فيها، لا تقل أهمية من إنتظام وجبات طعامنا الثلاث اليومية.. إن لم تكن (القراءة) نفسها هي الأهم.
على أية حال هي (غصة) فينا نحن (المتخصصين) في الصحافة والقراءة والثقافة.. التي تقع على عاتقنا إشاعة روح ومبدأ (ثقافة) القراءة العامة، نؤكد عليها كثيراً، بما فيها الصحف اليومية.. وهذه المأساة بالتأكيد.. قد إتسعت رقعتها كل جغرافية الوطن العربي… وكل عام وأنتم بخير.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design