” رحلة فتح الله الصايغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية”

كتبت الباحثة والكاتبة سها شعبان من الإمارات أبو ظبي

مذكرات فتح الله الصايغ ابن أنطوان … تحقيق الدكتور يوسف شلحت ..
من منشورات درا طلاس عام 1991 ميلادي ..
وصل الفرنسي جيل تيودور لاسكاريس دي فنتيميل 1767-1833.. (Jules Théodore Lascaris de Vintmille) إلى حلب في بدايات عام 1810 والتقى بالشاب فتح الله الصايغ العائد من قبرص بعد خسارة تجارية جسيمة هناك … وعرض عليه أن يعلمه اللغة العربية وفيما بعد يصطحبه في رحلته شرط أن لا يعترض على ماقد يراه أو يستفهم عن أغراض الرحلة .. وطلب منه أن يسجل يومياته على أوراق لتكون رديفاً لمذكراته فيما بعد حين انتهاء المهمة المسندة اليه … أما عن المهمة فقد جاء على لسان لاسكاريس في سياق المذكرات :
” قال: اعلم ياولدي أن سفري هذا مقسوم الى عشر نقاط مرتبة من حين خروجي من باريس :
اولا الوصول من باريس الى حلب بالسلامة ، ثانياً الحصول على إنسان موافق لأوامري ومطيع لأقوالي مثلك، ثالثاً تعلمي اللغة العربية وتقويتي بها، رابعاً الوصول إلى تدمر، خامساً الدخول عند العرب بطريقة مناسبة تغطي أهدافي ، سادساً كشف أحوال العربان وأمورهم ومعرفة كبارهم واكتساب صحبتهم، سابعاً رمي الاتحاد والوفق والمحبة بينهم حتى يكونوا جميعهم برأي وعمل وقول ويد واحدة،ثامناً إبعادهم عن محبة العثماني وعشرته، تاسعاً معرفة كافة الصحاري ومياهها ومنازلها والمسالك الملائمة إلى حدود الهند‘ عاشراً الرجوع بالسلامة إلى بلاد سورية .”
كان هدف فرنسا من توحيد القبائل العربية :
أولا خلق قوة مناهضة للعثمانيين ..
ثانياً قطع الطريق البرية على بريطانية لمنعها من الوصول براً الى الهند .. وتهيأتها لاستقبال جيش بونابارت العظيم ..
لتسهيل دخولهم الى عرب البادية اتخذ لاسكاريس “الشيخ ابراهيم القبرصي” اسماً له … بينما أسمى فتح الله الصايغ نفسه عبد الله الخطيب .. أطلقا لحاهما ولبسا لباس العرب وسافرا الى مضارب البدو على أنهما تاجرا مال عرب .. استمر ترحالهما خمس سنوات … حضرا فيها وقائع وغزوات وصلح بين العرب وتم لهما ما أرادا .. وتنقلا ما بين سوريا والعراق وصولا الى الهند وعودة الى الأراضي السعودية .. ولدى عودتهما سافرا الى اسطنبول وهناك علم لاسكاريس بهزيمة بونابارت بروسيا فخاف من العثمانيين ووضع نفسه تحت الوصاية البريطانية وسافر الى مصر حيث توفي فيها … أما فتح الله الصايغ ( فيذكر خير الدين الزركلي في أعلامه أن فرنسا كافأته على خدماته فعينته وكيلاً في قنصليتها ) ..
مع أن المذكرات تعرضت لنقدٍ شديد من حيث دقة التواريخ ونقل الوقائع … إلا أنها كانت دقيقة في وصف البدو وعاداتهم وتقاليدهم وطبائعهم وترحالهم و فنونهم القتالية وتأتي أهمية مذكرات التاجرالرحالة فتح الله الصايغ من كونه عاش تجربة المستشرقين شاهد بعينهم لكنه سجل كل مارآه بعفوية وتلقائية ، فقد وصف الأماكن وصفاً دقيقاً و وصف عادات وتقاليد البدو في الحل والترحال في الحرب والسلم .. وقد وصف الوهابيين وأفكارهم وغزوهم لعرب بادية الشام منذ نشأة دولتهم.
لا يعد الكتاب من الناحية اللغوية كتاباً أدبياً فقد كتبه الكاتب الأصلي باللهجة الحلبية لكن المدقق تدخل في لغة الكتاب وصاغها بطريقة أقرب للعربية الفصيحة وحافظ على الكلمات الحلبية القديمة في هوامش الكتاب .. لكنه يدعو الى رسم خرائط جديدة …. نقاط علام في الزمان والمكان … خريطة لتوافد المستشرقين ( حيث التقى – في سياق المذكرات الشيخ ابراهيم القبرصي بالحاج ابراهيم – الرحالة السويسري البريطاني بوركهارت وبالليدي استانوب بنت أخت رئيس وزراء انكلترة التي جاءت لسورية وزارت تدمر والتقت بالعشائر في محاولة لتعطيل مهمة لاسكاريس ) وخريطة للاماكن التي مروا بها .. كما يدعو إلى دراسة هؤلاء المستشرقين تنوع غاياتهم وأحياناً تضارب مصالحهم … وأثرهم على البلاد وعلى الاقوام التي مروا عليها ..

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design