السارق

بقلم محمود شوبر

في احدى ليالي شتاء 2016 وكانت آخر يوم من اجازتي القصيرة جداً لزيارة العراق أصر صديقي وأخي الكبير دكتور عاصم الامير على دعوتي لعشاء في احد مطاعم الحلة الشعبية وكان برفقتنا شخص ثالث لا ارغب بذكر اسمه الان.
– [ ] بعد ان تمت الدعوة وهممنا بالخروج تذكر ابو صهيب انه يرغب بالمرور على احدى الصيدليات لشراء ادوية كان قد نسي شرائها وذهبنا برفقته في سيارته الخاصة على ان يتم ايصالنا فيما بعد لبيوتنا. ومن الجميل او المفيد ان اذكر هنا انني لمحت في (احدى محلات الملابس الرجاليه) الملاصق للصيدليه، ( قمصله عسكريه) معطف شتائي ،فأستئذنت من هذا الشخص الذي كان يجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وقلت له ؛ دقيقة واحده وارجع انتبه على السياره. واشتريت تلك القمصله العسكرية اللون ورجعت ، حينها اعجب هذا الذي كان معنا بما اشتريت وقال لي دكتور انت فعلاً فنان وذواق (شلون قدرت تشوفها من بعيد) فاردفته قائلاً هل اعجبتك؟ اجابني نعم انها جميله جدا ومن فوري رجعت جئت بواحدة اخرى واعطيته اياها مع جدال كبير وانه لايجوز هذا يادكتور وانا فقط حبيت شكلها ولونها وممكن تفيدني بأيام البرد القادمه، واجبته بمحبه ومالفرق بيننا حينما تكون انت دافيء اشعر بهذا الدفيء وأنا في بيروت وبردها القارس شتاءاً. وظل يتشكر مني طيلة الطريق الي بيتهم، ومن بعدها اوصلني دكتور عاصم الى بيتي توادعنا على أمل اللقاء.


وصلت بيروت في اليوم الاول وهو بالعادة يذكرني بأيام الالتحاق للجيش ، حيث يكون مزاجي معكرا افكر بالقادمات من الايام وكم سيطول بقائي في غربتي رغم حبي الشديد لهذه المدينة الآسرة بجمالها، نمت كالمغلوب على امره وصحوت باليوم التالي وذهبت الى شارع الحمرا اتفقد اصدقائي واعلمهم بقدومي وأطمئن عليهم.
تفاجأت باتصال احد المقربين قال هل قرأت ماكتبه فلان على صفحته الشخصية (( فلان صاحب القمصلة العسكرية)) قلت لا والله ولكننا كنا قبل يوم تعشينا سوياً وقد ذكرك بمحبة وخير. ضحك وقال اقرأ ما كتب ارجوك.

(السارق محمود شوبر يسرق اعمال (الفنان) فلان) طبعاً واضح الكلام السارق اني والفنان المسروق كان احد طلبتي والكاتب الذي تعشينا سوية واشتريت له معطف حتى اشعر انا بالدفيء حين يلبسه هو!!!!!!!😂😂😂

انتهت القصة ولا اريد الخوض في تفاصيلها لانها اصبحت هي ومن ذكر فيها بسلة المهملات . وبالتأكيد حاشى استاذي ابا صهيب وانا، ولكن لا اعلم لماذا تذكرتها حينما قرأت في جدار الصديق الفنان ( احمد البحراني ) عن احد الاساتذة في كلية الفنون الجميلة ، قد عاصر البحراني حينما كان يعمل معيداً بمعهد الفنون الجميلة وهذا الاستاذ طالباً عنده.
وجاء اليوم الذي صار يتهم استاذه بالسرقة متهكماً( حتى المخدة ماسلمت منكم) ويقصد به ( مشروع الوسادة ) الذي يروم تقديمه البحراني في معرض شخصي وبقاعة عرض مهمة.

يومياً ومنذ مايقارب العشرة اعوام يحرص احمد على الاطمئنان عني وعن وضعي سواء كنت في بيروت او في بابل. ونتذاكر بشتى التفاصيل الخاصة والعامة، وحين يضرب براسه مشروع فني يكون اتصاله اكثر من مرة ويتجاوز احياناً ساعات طوال، وهذه خصلة احترمها كثيرا بالبحراني فهو مستمع جيد ويصغي لكل شاردة وواردة وحينما يكون امام تحدي فني معين يحاول جمع الاراء حتى من اولاده ريم وابراهيم . وانا على اطلاع تفصيلي بذلك . وفي كثير من الاحيان يلغي افكار اعتقدت انا انه متمسك بها ولكن حصيلة النقاش المتعدد الاطراف يفضي الى تغيير وجهة نظره اقتناعاً بما سمعه من آراء، واحيانا اخرى يبقى متمسك برأيه للاخير.

وفي كثير من الاحيان يقول لي محمود انا اخشى ان يكون احداً ما في هذا العالم اشتغل على هذه المفردة!! وأراه يحاول الابتعاد بمبالغة عن مناطق يعتقد هو انها لاتمنح مشروعه الاسبقية او سمة الريادة بالبحث بهذه المفرده.
ودائماً ما كنا نتفق ان (لولا كلام الاولين ماكان الكلام )والمفردات الحياتية مفردات مشتركه في هذا العالم الذي تحول بفضل التكنلوجيا الى (قرية صغيرة) .
انا ارى الشمس من بابل الان والذي يسكن في باريس يراها وكذلك الحال مع الذي يعيش بالصومال . واجدادي منذ النشأة الاولى يرون هذه الشمس واولادي الذين سيحضرون (الانفجار الكوني الكبير) سيرونها للمرة الاخيرة.
استحلفكم بالله هل الشمس مختلفة ؟

بكل بساطة الجواب كلا ولكن رؤية الفنان هي التي تختلف بصياغاتها لرسم الشمس، ودليلنا على ذلك الشمس التي رسمها الفنان الاشوري لاتشبه الشمس التي رسمها الفنان الفرعوني بل لاتشبه مارسمه البابلين او الاكديين الذين هم كانوا على نفس الارض، وكذلك لاتشبه شمس بيكاسو في لوحته الشهيرة( الجورنيكا) الموجوده الان في الامم المتحدة، ولكن حينما جاء الراحل جواد سليم واخذ ( الشمس الاشورية) وجعلها شعاراً للدوله العراقية في وقتها لم يأتي بها كعملية سرقة ولكنه استفاد منها ك(ايقون) اصبح عليه اتفاق جمعي ان يرمز لشيء ما، مثلها مثل حمامة السلام التي رسمها (المرحوم بيكاسو) ، هل ان بيكاسو لم يسبقه احد لرسم الحمام؟

في الختام اتمنى أن نجعل من نجاح احدنا نجاحاً لجميعنا. فالبحراني الان لايمثل شخصه الان بل هو يمثل الفن العراقي وكل واحد منا يضع امام نصب عينيه سمعة الفن العراقي وسمعة رموزه الذين نفخر بهم.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design