من ” يوميات رحلة إيطالية “

كتبت سماح بني داود من تونس

كنت ومازلت قاتلة تحترف قتل المستحيل ، حققت جانبا من حلمي الذي طرزته ذات طفولة جميلة على مخدة بكماء أحدثها فتسمعني بصمت كل ليلة بعد هروبي من سهرات ليالي بيتنا الدافئ …لم يكن يشهد على ذلك غير ليل شتاء طويل و بحر صيف وعدته بشق أعماقه، وفعلت !
عشر ساعات قضيناها على متن الباخرة الايطالية العملاقة GNV حطت بنا الرحال في ميناء مدينة “باليرمو” الساحلية الجنوبية .. لم تبهرني شوارعها ولا بناءاتها ولا طريقة العيش فيها، لم أر فيها ذلك الجمال الأوروبي الذي عانقته خلال رحلتي إلى فرنسا .
وصلنا ليلا إلى جزيرة صقلية ” سيسيليا” الساحرة والتي سمعت عنها منذ أيام الدراسة من استاذ التاريخ ، شوارعها واسعة تكسو طرفيها بناءات ترابية الألوان عالية ذات تصاميم هندسية جميلة ، محلات ومقاهي منيرة تعلوها شبكات من خيوط مربعة الشكل فيها فوانيس متدلية بألوان مختلفة ..
قضينا ليلتنا بغرفة دافئة جمعتنا ..كنت و ثلاثة من صديقاتي بفندق قريب من البحر…اسلتقيت مغمضة عيوني مستسلمة لنوم عميق بعد ساعات طويلة من التعب .
أشرقت الشمس وعانقت خطوطها الذهبية شرفات الغرف منسجمة مع عطور ورد لذيذة ينساب عبيرها المنعش بين ثنايا أرواحنا الحالمة بيوم جميل …
لا شيء ينعش جسدي غير ماء دافئ يرتطم بحناياه المرهقة فأغرقته برغوة صابون بيضاء كالثلج رطبة تنبعث منها رائحة الجال دوش المنعشة . دب النشاط و استقيظت داخلي كل الرغبات في اكتشاف هذا المكان الذي أزوره لأول مرة ..
تشابكت اصابع يدي اليمنى بأصابع يدها اليسرى و سرنا سويا نحو البحر الذي فتح أحضانه لضحكاتنا وما رددناه من أغنيات عربية ربما لم يسمعها من قبل ، غنينا له ” كان لك معايا ” لأم كلثوم و أغاني أخرى خليجية و غربية تعرف عليها فأطلق موجاته المنتفضة بين زرقة وبياض مسجلة حضورها في لوحة طبيعية لها من الروعة ما تسجله الذاكرة …
أخذتنا خطانا إلى ساحة كبيرة فيها مقهى كتب عليه Wi-Fi فانطلقنا إليه في فرح لفتح نافذة على عالمنا الإفتراضي حيث سنجد أقاربنا وأصدقائنا . .سجلنا الرقم السري وجلسنا على أريكة قريبة من المقهى لنصف ساعة خضنا فيها مساحة من الدردشة الجميلة مع المقربين منا ..
رفعت رأسي في تأمل لمشهد جميل لقصر ” اسد بن الفرات ” الاثري الذي تموقع قبالة المقهى نهضت مسرعة واقتربت منه ، منبهرة بلون الحجارة الكبيرة التي بني بها ، كان نصفه مطمورا تحت الأرض جراء الزلازل .أخذنا صورا وتنزهنا بالسوق المجاور حيث الورود والعطور و الملابس والصناعات التقليدية التي يبيعها تجار من النيجر والمغرب والجزائر..
بينما كنا نتنزه إذ بصوت موسيقى جميلة يتدحرج إلى مسمعي أوقفني و جعلني أتراجع نحو مصدره ؛ إنه عجوز يتسول بطريقة مختلفة !
كان يعزف موسيقى تسر السامعين و تجلب المارة لمتابعة لوحة راقصة لرجل خشبي يحركه بخيوط مربوطة بمزماره وعلى يمينه طربوش زينته بعض القطع النقدية..
وقفت لوقت قصير اتابعه حتى شعرت بيد تحيط بخاصرتي وتجذبني نحوها بقوة انها صديقتي ، كانت متحمسة لتغيير المكان نحو لوحة موسيقية أثثها مجموعة من الشباب
– هيا بنا سماح …تعالي نكتشف ماذا يفعلون
– هيا
ركضنا مسرعين نحو حلقة من الشباب لاصطياد مكان قريب منهم يمكننا مع التعرف على نشاطهم ، كانوا يجلسون على الأرض غير مبالين ببرودة الطقس ..بعضهم يرقص و بعضهم يعزف وبعضهم الآخر يغني ..كانت أصواتهم شجية و عزفهم مميزا …جعلنا نتفاعل معهم دون معرفة معاني الكلمات التي يرددونها…
ألقيت نظري على الأرض فإذا بلافتة مستطيلة الشكل طويلة فرشت أمام الجمهور …اقتربت منها لقراءة محتواها فلم أفهمها..حروف ايطالية مكتوبة ب ” الماجسكيل” مع بعض الرسوم الصغيرة …دفعني حب الإطلاع الساكن في إلى اكتشاف معانيها فأنا لا أكتفي بتلذذ موسيقى أجهل كلمات ملتصقة بها . اتجهنا إلى امرأة كانت تتحدث الإنجليزية وسألناها فأجابتنا أنهم يجتمعون للتعبير عن رفضهم لجوع الأطفال في مناطق أخرى من هذا العالم ….

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design