فن الشذرة وولادة النص بعد الموت في “يوميات الحداد “رولان بارت

بقلم : سماح بني داود – تونس

حين فتحت ” يوميات الحداد ” وتصفحت صفحاته قبل قراءته جال بذاكرتي ما قاله الفيلسوف الشهير نيتشه: ان مرماي ان اقول في عشر جمل ما يقوله غيري في كتاب …”
صفحات توحي بالفراغ لما فيها من بياض تتخلله نصوص وأحيانا جمل قصيرة موزعة بطريقة منتظمة مع مجموعة من التواريخ ، فيها من الإقتضاب والتكثيف والتبئير ما يجعلها نبذة أو شذرة متقشفة من حيث الكلمات غنية من حيث المعنى .
لطالما اعتبر رولان بارت النص كائنا فهو بالنسبة له ليس مجرد أحرف تكوِّن كلمات فجمل فنصوص بل هو كائن ينبض بالحياة يحاول في كل مرة اكتشاف أغواره فيجعلنا كقراء نتحسس كلماته ونستمتع بقراءته وهو ما التمسناه في مؤلفاته السابقة ك ” لذة النص ” وغيرها ..انه فيلسوف يتحاور مع نصه و يجعلنا نتعلق بكلماته ، نتحسس معانيها لندخل معه حالته التي من خلالهايكتب النص سواء كان تأملا،حلما، فرحا أو حزنا و شجنا كما هو الحال في يوميات الحداد هذا الكتاب الذي يختلف من حيث الاختصار و ارتباطه بحادثة موت أمه التي مثلت نقطة انبعاث لنصه و من هنا يمكننا الجزم بعدم وجود هذا المؤلف لو انه توفي قبلها .
يوميات الحداد لم يكن اول مؤلفات رولان بارت التي وقع تعريبها ولكنه أحدثها ويندرج ضمن إصدارات دار زينب للنشر من إعداد وتقديم ‘ ناتالي ليجي ‘ ومن تعريب الأديب الشاعر والروائي والمترجم التونسي عبد الوهاب الملوح الذي تناول النص تناولا جميلا من حيث اللغة و الالفاظ المرادفة لما يقابلها من معنى في اللغة الفرنسية فبدا النص وكأنه من كتبه وليس من قام بالتعريب..
كان بارت يكتب بالحبر وأحيانا بقلم الرصاص على بطاقات كان يقصها بنفسه من أوراق ذات قياس موحد ويحتفظ بها على منضدة عمله وقد حررت في باريس وبعضها في المغرب حيث كان يقضي بعض أوقاته في التدريس ، ذكرت ناتالي انه أثناء كتابته اليوميات قام بارت بتحرير الأوراق الخاصة بمشروعه ” فيتا نوفا ” الحياة الجديدة كما قام بتحضير دراسته المزدوجة عن ” اعداد الرواية ” لتشمل هذه الأعمال الكبرى معنى موت الأم( يوميات الحداد ) ..
كيف لبارت الذي قال عن نفسه ” هوية بلا تحديد ، ولا جوهر ثابت ، إشارة حرة ، دال عائم بلا مدلول …” ان يقع في فخ الشجن هذا الكاتب الذي يرى أن الكتابة ليست الا بقايا هزيلة لأشياء عظيمة موجودة داخلنا وهو ما اكتشفناه عند انبثاق ” يوميات الحداد ” من وراء كتلة جافة من الأحاسيس الحزينة التي ارتداها بارت بعد موت والدته ليباشر فعل الكتابة في اليوم التالي من ذلك..وهنا نقف على جدلية الموت / الحداد ، الفرح / العرس وهو ما استهل به يومياته فكانت جملة مختصرة يسبقها تاريخ :
26اكتوبر 1977″ ليلة عرس ، إنما هي الليلة الأولى للحداد ”
فهو يعلن عن حداده مع صمت و صدمة تجسدت عبر بياض كسى القصاصة الأولى صدمة سلبت منه الفرح و رمت به في بؤرة الحداد
تحدث بارت عن جسد أمه الذي تعرف اليه وهي مريضة وعند موتها ، عن غده المجنون ، عن صباحاته الحزينة في غيابها ، عن ضجيج صناديق القمامة وارتطامها المعدني ، عن ليله المنتهي ووحدته، عن الأثاث الذي تغير وتغيرت أمكنته، عن اللاموت الذي لم يسبق له ان سمع به ، عن الموت الذي لم يدمره بشكل نهائي، عن الخوف الذي سكن قلبه ولم يتزحزح ، عن لوحات فقدت عمقها…
فعاد للحجارة كي يعبر عن حزنه المفرط ” الحزن مثل حجر …معلق في رقبتي وفي اعماق نفسي ”
اكتسبت الام بعد وفاتها قيمة انطولوجية لا سبيل إلى تعويضها، فموتها لا يعني أبدا غيابها بل لقد تعمق حضورها من خلال نصوصه و ذكرياته التي يستحضر من خلالها طيفها هذا الحضور الولاّد الذي أنجب كتابا تناوله القارئ و الكاتب والناقد في أمكنة وأزمنة مختلفة …
استمتعت كثيرا بقراءة يوميات عربها الاستاذ عبد الوهاب الملوح الذي يبدع في كل مرة فيمتعنا…هنيئا له ولنا هذا المنجز الأدبي القيم .
سماح بني داود

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design