الأديب الأوزبكي الكبير عبد الله قادري

الأديب الأوزبكي الكبير عبد الله قادري
كتبها: أ.د. محمد ألبخاري –  طشقند
تحتفل الأوساط الأدبية الأوزبكية سنوياً بذكرى ميلاد الأديب الكبير عبد الله قادري الشاعر والأديب والكاتب المسرحي الأوزبكي المشهور في وطنه وخارجه، وهو مؤسس فن الرواية في الأدب الأوزبكي الحديث، التي تناول فيها دقائق حياة الشعب الأوزبكي. وكان مؤلف المسرحية الشهيرة “طائر اللقلق الأبيض والأسود” التي كتبها خلال فترة ثلاثينات القرن العشرين العصيبة.
وعبد الله قادري ولد بمدينة طشقند عام 1894 في أسرة تاجر طشقندي ثري. وعاش سنوات طفولته ومراهقته وسط التجار الأغنياء والفلاحين الفقراء، وكبار الحرفيين المهرة، والحرفيين الصغار، وووسط الفلاحين المعدمين الذين جاؤا إلى طشقند تحت وطأة الفقر بحثاً عن مصدر للعيش والرزق.
ولعب عالم الكادحين والمثقفين الذي عاشه بمدينة طشقند دوراً هاماً في نمو آفاقه المستقبليه كأديب أوزبكي. ولم يتعرف على حياة الشعب الذي ينتمي إليه عن طريق السماع أو عن طريق قراءة الكتب، بل تشبع بخصائصه عن طريق التعامل المباشر مع الناس من حوله.
وبعد تخرجه من مدرسة النظام التعليمي القديم، التحق للدراسة في المدرسة الروسية المحلية. وخلال دراسته اهتم بمطالعة مؤلفات كلاسيكيي الأدب الأوزبكي.
وتشكلت أصالة هذا الأديب في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، اللذان كانا بمثابة مرحلة تبدلات إجتماعية جذرية في المجتمع الأوزبكي الذي عاش فيه، وهو ما أثر على نظراته الأدبية وزاد من تعقيدها وتناقضها، وورافقت مرحلة غير مستقرة كثرت فيها الهزات الإجتماعية والسياسية والأخلاقية، وتركت بصماتها على مؤلفاته وآراءه التي كانت بحد ذاتها متناقضة، ولم تخلو من الأفكار الإجتماعية والحياتية المتحيزة لأبناء وطنه.
ومن لآلئ إبداعات عبد الله قادري الروايات التاريخية:
– “أيام زمان” التي كتبها عام 1926؛
– و”العقرب من المذبح” التي كتبها عام 1929.
وكانت من المؤلفات الأولى التي تناولت مواضيع تاريخية في الأدب الأوزبكي الحديث.
– ورواية “الأيام الماضية”؛ وهي رواية تناول فيها الواقع بالكامل، من صراعات إجتماعية وأخلاقية صعبة، والتداخلات الإجتماعية العميقة آنذاك.
ووصف في مؤلفاته النواحي الجمالية للتقاليد الشعبية، والطقوس الدينية، وتناول القوانين غير المكتوبة المتداولة والتي تنتهك حقوق وكرامة الناس.
وكان الصراع الرئيسي في رواياته “الأيام الماضية”، صراع اجتماعي وأخلاقي يعارض التناقضات الحاصلة بين الأب والإبن، فالإبن الفتي، إنسان يتمتع بنظرة تقدمية ويسعى نحو “بناء أسرته” ويكافح ضد التقاليد المتوارثة، وخاصة عند قيام الوالدين بتزويج ابنهم من فتاة لا يحبها، فالوالد هو حامي التقاليد السائدة، والنظام الأبوي، والعادات الأسروية القديمة. وفي هذه الحبكة قام عبد الله قادري وبمهارة بالغة بوصف الصراع الدائر ضمن الأسرة، ليس كصدفة عابرة، بل كظاهرة عامة.
وصور عبد الله قادري في الصراع الدائر الإبن والفتاة التي أحبها، كظاهرة جديدة لم يعتد عليها الأدب الأوزبكي. فالإبن منحدر من أسرة غنية وهو إنسان متعلم ويفهم الحياة بطريقة مغايرة لمفهوم الجيل السابق، ويملك أحاسيس مشبعة بالعدالة. ومن خلالها فضل محبوبته التي تمتعت أيضاً بتربية وتعليم جيد إضافة لتمتعها بذكاء حاد وجمال وحسن معاشرة، وتحبه بصدق، ولكن هذا الحب حرمها من السعادة، لتبقى أسيرة للتقاليد القديمة التي لا يحترم الأهل فيها مشاعر ابنتهم.
وصور الفتاة وهي مدينة بصفاتها الروحية والجمالية وغنى عالمها الخاص لأمها، التي جسدت في شخصيتها الأحلام الطيبة للمرأة الأوزبكية الأصيلة. والإبنة الذكية والهادئة والمحافظة أحبت أمها، وأحبت بصدق إنسان أبعدته عنها ربة البيت. لتبقى أسيرة للعادات القديمة ولتقوم بتحقيق رغبات زوجها وتطيع آراءه وتحافظ عليها.
ووظف عبد الله قادري مواهبه الأدبية لإعطاء صور متعددة لجوانب الحياة التاريخية الواقعية في تركستان الروسية آنذاك، وعكس من خلالها وبسطوع الأحداث التي جرت من خلال طبيعة أبطال تلك الأحداث التاريخية الحقيقية. وأكد من خلالها على الحرية الشخصية للإنسان، وحرية أهدافه الحكيمة، وحب الشباب النقي. وسعى للكشف عن تميز وجوهر تركيبة حياة الشعب الأوزبكي، مظهراً طبيعة “قوانين” العادات والتقاليد الشعبية. من خلال المصير الصعب الذي واجهه أبطاله في حياتهم. ومثل بطله الصورة الدرامية التي عكست رغبة الأهل بإخضاع الفتاة، ومجد الحب الصادق، والاستعداد لإنشاء أسرته الخاصة به.
وصور سعي بطلته نحو كل شيء جميل ونقي ونبيل، وقدمها في الرواية كفتاة رائعة تتمتع بخصائص نابعة من الطبيعة الشعبية الأوزبكية، وتتميز بالصدق ونقاء الأفكار والبساطة الروحية والإنفتاح، وصور سطوع حب بطلته الطاهر والمفعم بالصدق والإخلاص. وكان حبيبها يجسد بالنسبة لها الرجولة واحاسيس العدالة والإخلاص بلا حدود. وهكذا رأت بطلة الرواية حبيبها كما هو بالفعل جريء وذكي ويحسن الكفاح للفوز بحبيبته التي تتلوع روحه من دونها. وهو وبكل بساطة لا يتصور حياته دون محبوبته، وبفضل ذكائه وحنكته وموهبته وخفة ظله، وهو الذي نشأ يتيماً محباً للعمل ليصبح شخصية هامة في مجتمع قصر الخان الذي أعطاه منصب ميرزة (أي أمين السر)، ليتمتع بشخصية متميزة بين نبلاء القصر. وما ميزه عن الكثيرين من المحيطين به بالفعل أنه لم يفقد صلته الروحية بالشعب الذي ينتمي إليه، وحافظ على حسن علاقاته الإنسانية، ووقف ضد العنف والإستبداد، وبقي إنساناً صادقاً ومخلصاً. ولهذا عانى من صعوبات كبيرة في خدمة الخان الحاكم الذي تجاهل كل القوانين وفضل رغباته الشخصية فقط، وأحياناً حتى “دون الرجوع لضميره”.
وألف عبد الله قادري روايته الضخمة “مجرفة عابد”، وكتب مقالات أدبية أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية، مثل: “ماللابوي آكا من غيروان”، والكثير غيرها من المقالات الأدبية والقصص، التي قدم من خلالها إسهامات ملحوظة في تاريخ الأدب الأوزبكي. مما دفع بالأديب عزت سلطانوف للكتابة عنه مشيراً إلى أن “عبد الله قادري دخل الأدب الأوزبكي مثل الرعد والبرق وكضوء البرق الساطع وجذب لنفسه إهتمام الجميع”. ومثل هذه الشهادة العادلة جاءت أيضاً في كلمات الأديب القازاقي مختار أويزوف الذي أشار خاصة إلى: “نحن قرأنا في أيام شبابنا روايات عبد الله قادري. وأذهلتنا مهارته في نحت الطبيعة الإنسانية، ونقله لعاصفة من المشاعر الإنسانية إلينا… وكلها كانت تسمو بحب أبطالها”.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design