الفنان التشكيلي الأوزبكي المبدع نياز علي خال ماتوف

كتبها: أ.د. محمد البخاري طشقند
قدم الفنان التشكيلي نياز علي خال ماتوف خلال مسيرته الفنية أعمالاً شملت سلسلة واسعة من الأعمال المنفذة بأسلوب فن المنمنمات جمعتها مواضيع دينية وتاريخية. كما ويعتبر من الفنانين التشكيليين الذين حملوا راية تطوير فن المنمنمات في المرحلة الحديثة من تطور الفنون الجميلة في أوزبكستان. وهو عضو مؤسس في أكاديمية الفنون الجميلة الأوزبكستانية وحائز على لقب “حرفي الشعب الأوزبكستاني”.
ومن المعروف أن سبعينات القرن الماضي شهدت مولد حركة عفوية شملت الأوساط الثقافية الأوزبكية بكل ألوانها واتجاهاتها، وركزت تلك الحركة العفوية على إحياء وتجديد التراث الثقافي الأصيل للشعب الأوزبكي، ذلك التراث الذي خضع في تلك الحقبة التاريخية لسياسة طمس رسمية للمعالم الثقافة للشعب الأوزبكي كغيره من الشعوب الإسلامية التي كانت خاضعة آنذاك للحكم السوفييتي البائد، وما رافقها من إجراءات كادت تؤدي إلى فرض ثقافة غريبة على تلك الشعوب.


ومن بين تلك الاتجاهات التي مثلت تلك الحركة العفوية كان تأسيس رابطة “أسطى” التي شكلها جماعة من الفنانين التشكيليين الأوزبك الشباب، وعبرت عن نفسها من خلال تطلعاتها نحو إحياء الأصالة القومية للفنون الشعبية الأوزبكية، ولم يخف اتحاد الفنانين التشكيليين الأوزبكي وهو الخاضع للسلطة آنذاك دعمه لتلك الحركة، لأنه كان بدوره أيضاً يسعى للمحافظة على الفنون التشكيلية والتطبيقية القومية المميزة للشعب الأوزبكي وإحياءها وتطويرها.


ومن الفنانين الذين حرصوا على متابعة تقاليد رسم المنمنمات الذي سار عليها أساتذة الرسم القدماء، في الفن التشكيلي الحديث، الفنان التشكيلي الموهوب نياز علي خالماتوف. الذي تميزت تجربته في البحث عن أشكال فنية واضحة من خلال استخدامه المتوازن للألوان الدافئة والباردة. والألوان الصافية في الرسومات المنفذة بأسلوب فن المنمنمات عنده نشاهدها دائماً سميكة ومنصبة ومحاطة بالورنيش، بسيطة وصارمة. وفي نفس الوقت نرى أن تكويناته متواضعة بكتابات خالية من أي سواد. إضافة للتكوينات المعبرة، المبنية على الإيجاز في التصوير.
ونرى أنه كان يفرط بتقيده بالموضوع، ويصب جل اهتمامه دائماً على طريقة عرض الموضوع. فنراه يكرر المنظر الطبيعي في رسومه وأعماله ويهتم بالدقائق الثانوية التي كثيراً ما يكررها، وتظهر معها عناصر التكوين التي تلعب دوراً معيناً في الإطار العام للوحة (الجبال، الأنهار، البحيرات، الأزهار.. الخ)، ومع ذلك تميزت لوحاته بأسلوب خاص عكس من خلاله ملامح الوجه، في سعي منه لتحديد صورة معينة للأبطال الذين يرسمهم، ولو أنه اختصر عدد الشخصيات المشاركة في التكوين العام. ونلاحظ تركيزه على الأجسام من حيث توزيعها على المساحة مع تفاوت شديد بين الأشكال وطبيعتها.
وفيما يتعلق بأسلوبه الفني نرى أنه يتميز بالدمج السريع بين الحركة الواسعة والكبيرة التي تضفي الشجاعة على ملامح أبطاله، وكلها تعكس من خلال الأوضاع المميزة التي اختارها لشخصياته، وبأسلوب مميز انفعالات أبطاله وأحاسيسهم، بالحزن، والسعادة، والأهوال، والبهجة، والخيبة كما نراها في لوحاته (“الاحتفال الشعبي”، و”إحراق الحجاب” وغيرها (عام 1982).
وحاول خالماتوف بعث أساليب وأشكال الرسوم المنمنمة في القرون الوسطى، وفي نفس الوقت نرى تركيزه على تحريك الأفكار لتعكسها لوحته من كل الجوانب الإبداعية. وهو ما نستطيع مشاهدته في أعماله الجدارية، التي أبدع فيها وبروح من المعاصرة من خلال إضافاته وأسلوبه الفني وابتكاراته الجديدة التي أخذت مكاناً لها في تقاليد فنون المنمنمات القومية المعاصرة، إضافة لنجاحه بتقديم حلول جريئة عرضها في تجاربه التقنية المختلفة. وهي التي مكنته منها على ما نعتقد أحاسيسه الفنية الرقيقة، وسعيه الدائم للمعرفة واكتشاف الجديد في أعماله الصعبة وغير المألوفة للناقد المحلي، والمميزة بالرموز الملونة، والأشكال المستعارة التي ساعدته دائماً على اكتشاف العمق الفلسفي للتكوين. وهو ما ساعده على تكوين الأسلوب الخاص المتميز لأعماله الفنية التي عكست بشكل خاص روح الفكاهة الشعبية، وأساليب حياة الناس، والعادات المحلية. ونستطيع أن نراها كلها في أعماله “عيد الحصاد”، و”به زاد”، و”عازف الدوتار”، و”عازف السورناي”، و”ضارب الدف”، و”نصر الدين أفندي”، وغيرها من اللوحات الجميلة التي رسمها خلال الأعوام 1982 – 1985، وانعكست فيها الألوان بشكل معبر تحاكي الأجسام البشرية، وتعكس كلها الألوان الزاهية والطبيعة البشرية، المتميزة في الفنون التطبيقية القومية الأوزبكستانية.
وفي الجداريات التي نفذها بتقنية وأساليب فنون المنمنمات الكلاسيكية استخدام الألوان المائية في عام 1984، عندما نفذ رسوماً جدارية في مسرح عالم حجاييف بمدينة غولستان بولاية سرداريا، مستخدماً فيها أسلوباً غير مألوف من قبل. فقد استخدم في لوحاته الألوان المائية، ونشارة الخشب، والورنيش، وتطلب العمل منه الرجوع إلى مراجع مختلفة، وتجربة خلطات ألوان مبتكرة، مستفيداً من نصائح أستاذه الفنان التشكيلي الراحل تشينغيز أحماروف. وكل ذلك تم أثناء الأعمال التحضيرية، وقبل أن يبدأ بإعداد مخططاته اللازمة لتنفيذ مشروعه الجريء، الذي اعتمد فيه قبل كل شيء على التراث الشعبي الفني وعلى تقاليد وتقنيات فن المنمنمات التي أبدعها الفنانين الكلاسيكيين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه نجح في ابتكار أسلوب جديد، استوعب فيه كل تقنيات المنمنمات الكلاسيكية، ووصل بها إلى مدخل فريد يعتمد لغة الفن التشكيلي الحديث للتعبير، الذي اكتشفه أثناء دراسته للتجارب الفنية السابقة.
كما ونفذ الفنان التشكيلي خال ماتوف وبالاشتراك مع الفنان التشكيلي كمالوف مجموعة لوحات جدارية في صالتين من صالات مطعم “أوزبكستان” بموسكو عام 1984، وفق التقاليد واللغة التعبيرية لفن المنمنمات المطلية. وضمت كل صالة سبع لوحات جدارية استمدت مواضيعها من قصائد الشاعر علي شير نوائي، ومن نوادر الشخصية المحبوبة في الأدب الشعبي الشفهي حجي نصر الدين، داخل إطارات أعدت خصيصاً لتلك اللوحات ضمن السياق العام لجدران الصالة التي غشيت بنقوش الـ”غانتش” (غانتش: نقوش وزخارف قومية تنفذ على الجبصين (جبس) الأبيض).

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design