التأثير المتبادل بين الإعلام والاقتصاد

جورنال الحرية

بقلم :  الدكتورالسيد عوض

  لم يعد الإعلام ذلك النشاط التقليدي المعني بنقل الرسائل الإعلامية من مرسل إلى مستقبل،  فيما أطلق عليه ( الاتصال الخطي )،  بل أصبح نشاطاً واسعاً ومؤثراً على المتلقي وموجهاً لسلوكه حتى عرف بـ ( الاتصال الدائري ) ، وبذلك اتسع المعنى ليشمل قطاعات المجتمع وأنشطته المختلفة ، وعلى رأسها النشاط الاقتصادي ، ولما تطورت تقنية الاتصال بفعل استخدام الأقمار الاصطناعية ( Satellites ) وشبكة المعلومات الدولية ( Internet ) ونشطت حركة المعلومات توسعت معها على قدم المساواة الاقتصاديات العالمية.

ويمكننا الجزم بأن الإعلام هو الداعم الأساسي لاقتصاديات العالم ، ومن جهة ثانية فإن الإعلام نفسه قد أصبح صناعة متكاملة في عصرنا الحاضر مثلها مثل الصناعات الأخرى ، وهذا يتأتى بسبب قدرة وسائل الاتصال على التأثير على حركة المجتمع بما تمتلكه من إمكانات تقنية ونفوذ واسع ، مكنها لأن تكون سلطة لها دورها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي .

ولكي تستمر وسائل الإعلام في أداء مهامها ، لابد لها أن ترتكز على قاعدة اقتصادية قوية ؛ لأن هذه الوسائل بحاجة إلى نفقات كبيرة ،تتمثل في الكادر البشري والمعدات وأنظمة الاستقبال والإرسال …إلخ .

  ونظراً لأن وسائل الإعلام تعمل في سوق مشترك وفق مفهوم تدفق  المعلومات ” “Flow of Information ” ،فعليها أن ترتقي إلى مستوى المنافسة ” وهذا يتطلب الكثير من الجهد ، الأمر الذي أضفى عليها الطابع التجاري ، وبالتالي أصبحت وسائل الاعلام في كل دولة تسعى لأن تتميز على مثيلاتها ، فكان عليها أن توفر الكادر البشري والتقنية المتطورة وتقدم نفسها للجمهور من خلال مادة مؤثرة تعرضها وفق منهجية علمية.

    أما الهدف من هذا المقال الذي بين أيدينا فقصدنا منه أن نعرّف القارئ بأن الإعلام صناعة تحتاج إلي اقتصاد قوي؛ حتي يستطيع أن يقدم مضمونا ومحتوي يجذب المشاهد، ويحقق الربحية التي تضمن له البقاء والتنافس ، ومن هنا لابد أن نتطرق  إلي الإنتاج والتوزيع والاستهلاك و القواعد الأساسية التي تربط الإعلام بالاقتصاد .

 فاقتصاديات الإعلام هي فرع من فروع الاقتصاد التطبيقي الذي يدرس : الإنتاج ،التوزيع والاستهلاك.
– أما عن الإنتاج ، فهو عملية تنظيم العمل في البرنامج والتنسيق بين العناصر الفنية المشاركة في التنفيذ، وتسهيل كل المعوقات والصعوبات في حدود الميزانية المقررة . ويدخل ضمن هذا المفهوم كل النفقات المادية والفنية والتقنية والبشرية ،وقد تتفاوت الإمكانيات حسب طبيعة الوسائل ،ووفق مايتوفر لها من موارد وبيئة عمل .
     أما عن التوزيع ، فهو قدرة القائم بالاتصال على توصيل المادة الإعلامية للجمهور ، ويدخل ضمن ذلك توصيل الصحف للقارئ عن طريق استخدام الوسائل التي تتمثل في السيارات والطائرات وغيرها ، وتوصيل الخدمة الإذاعية عن طريق الموجات الأثيرية والخدمة التلفزيونية عن طريق الأقمار الصناعية وإتاحة خدمة الإنترنت .
  وفيما يتصل بالاستهلاك ، فهو يعني مدى قبول الجمهور لمحتوى وسائل الإعلام ، وشكل الرسائل المقدمة ، وهذا ما يتطلب جهداً كبيراً يختلف باختلاف طبيعة الوسائل ،  وهذا هو الموضوع الأهم الذي يصعب اختزاله في مثل هذا المقال، فلكي يقبل الجمهور محتوى ماتقدمه الوسائل ،علينا الكثير من العمل ، ليس فيما يختص بالمضمون فحسب،  إنما بالنسبة لشكل وقالب المادة أيضاً ، وهذان هما أساسا المادة الإعلامية التي تتطلب فهماً واسعاً للوسائل ، فيرتقي الجمهور إلى مستوى الدراسة والتمحيص.

مشكلات تمويل وسائل الإعلام في مصر والبلاد العربية :
 شهدت الساحة العربية تطوراً كبيراً في قطاع الإعلام ( منذ بداية تسعينيات القرن العشرين ) ؛ بسبب تزايد القنوات الفضائية التي تبث برامجها للجمهور في الخارج ،وقد تطورت تبعاً لذلك البرامج من حيث الشكل والمضمون ، بالإضافة إلى ذلك برز القطاع الخاص كشريك مهم للقطاع الحكومي في تشغيل وامتلاك وإدارة المؤسسات التلفزيونية ، التي ظلت فترة طويلة من الزمن حكراً على القطاع الحكومي فقط ، ويظهر هذا بوضوح أكثر في دول الخليج العربية عنه لدى الدول العربية الأخري .

    ورغم هذا التطور الذي شهدته الساحة الإعلامية الفضائية في دول الخليج،  إلا أن هناك تحديات كثيرة ظلت تواجه هذه المؤسسات في كافة المجالات ،وعلى رأسها وأبرزها هو مصادر تمويلها ، ومدى قدرة تلك المصادر على تحقيق مشاريع تحقق مصادر تمويل مستدامة ، وسط تزاحم إعلامي لم تشهد المنطقة مثله في تاريخها الحديث .
    ولكي تحافظ على البقاء في عالم مشوب بهذا التنافس الشديد ، سعت القنوات الفضائية وبصرف النظر عن تبعيتها المؤسسية ( قطاع خاص أو عام ) إلى تأمين مصادر تمويل متنوعة ، ولا يوجد دليل قاطع على أن القنوات الفضائية بكافة أشكالها قادرة على سد تكاليف تشغيلها ، ولعلنا نصاب بالدهشة حينما ندرك أن الغالبية العظمى من هذه القنوات غير قادرة حتى على تغطية تكاليف تشغيلها ؛ وبالتالي فهي بعيدة كل البعد عن حالة الربحية التي تتمتع بها مثيلاتها في القطاع الخاص في المجتمعات الغربية،  وربما يحاول البعض التساؤل عن أسباب هذه الحالة وعن الأسباب التي تدعو المحطات الفضائية الخاصة بالذات للعمل في بيئة تعد الخسارة المالية أهم معالمها .

التجربة الأمريكية والترابط بين الإعلام والاقتصاد :
  إن نجاح الإعلام التلفزيوني في المجتمع الأمريكي منذ انطلاقه في أوائل القرن العشرين لم يأت من فراغ ،بل جاء نتيجة طبيعية لتضافر عدة عوامل تتعلق بالترابط الوثيق بين المؤسسات الإعلاميةالتلفزيونية، ممثلة في شبكات التلفزيون الأمريكية الثلاث، والمؤسسات الاقتصادية العاملة في المجتمع نفسه .

   وقد أثبتت الدراسات المتتالية التي أجريت حول التلفزيون في الولايات المتحدة ،أن هذه الشبكات إما أن تكون مملوكة للقطاع الخاص ، كما هو الحال في شبكة”NBC “المملوكة بنسبة 80% لشركة ( جنرال إلكتريك ) ،وإما أن تكون هناك مصالح مشتركة مع تلك الشركات ،كما هو الحال بين شبكة ( CNN ) وشركة ( مايكروسوفت ) وشركة ( تايم وورنر ) ،وهذا الترابط الوثيق يسهم بشكل أو بآخر في توفير التمويل الكافي للشبكات التلفزيونية ،من خلال الإعلان ورعاية البرامج ،أو حتى من خلال الدعم المباشر .      

  ولعل معدلات الإعلان العالية التي تظهر على شاشات التلفزيون في الولايات المتحدة ، تشير بشكل لا يقبل الشك إلى حجم تدفق التمويل الذي تتلقاه تلك الشبكات العملاقة التي ترتبط بها .
   وهناك سبب ثان يتعلق بكون عملية البرمجة في الشبكات التلفزيونية الأمريكية تتم بالتناغم مع العملية الإعلانية التي تستند إلى بث الإعلانات ، خلال البرامج الأكثر شعبية لدى الجماهير ، وهذا يعني أن موضوعات البرامج تخضع لأذواق الجماهير ، وذلك بناءً على نتائج دراسات ميدانية تقوم بها شركات أبحاث السوق لصالح المؤسسات الإعلانية ؛ لمعرفة مدى تغلغل برامج التلفزيون في أوساط الجماهيـر .
    أما السبب الثالث،فيتعلق بالاتساع الهائل لسوق الإعلانات الأمريكية ، حيث إن قوة الاقتصاد الأمريكي المستند إلى السوق الحرة في التعاملات التجارية ، ارتبطت تقليدياً بصناعة الإعلان التي هي جزء لا يتجزأ عن الصناعة الإعلامية .
      ومن هنا ، فقد أصبح هذا الثالوث ( الإعلام ، الإعلان ، الاقتصاد ) يشكل أرضية صلبة تستند إليها القنوات التلفزيونية المختلفة في عملها .
     وبناء عليه ، تظهر لنا ضخامة الإيرادات التي تحصل عليها وسائل الإعلام ، وما تحدثه من تأثيرات عميقة من قبل الشركات المنتجة في توجهات ومواقف وسائل الإعلام ، وذلك لما تشكله من مورد مهم لتلك الوسائل ،وبالشكل الذي يؤثر في حياديتها في نقل الأحداث وتناول القضايا المختلفة ؛ فأفرغت الكثير من وسائل الإعلام من المضامين التي تحمل الحقيقة ، وتنهض بواقع الجمهور وتخدم قضاياه ، وأصبحت أداة في خدمة الممولين والمعلنين والترويج لأهدافهم الربحية ؛ مما أثر سلباً في مصداقية الكثير من هذه الوسائل بعد أن تحولت إلى إمبراطوريات اقتصادية ضخمة .

شارك هذا العدد:

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook