قبل منتحرة ؛ الحب في زمن الحرب والثورات

كتبت سماح بني داود من تونس
قبل منتحرة ؛ الحب في زمن الحرب والثورات
بعد اصدارها لديوان شعر نار حطبها ثلج ” تدخل الفنانة التشكيلية التونسية سماح بني داود عالم الرواية حيث انتحرت القبل في زمن الحرب التي التفت على فرح شعبين لهما نفس المصير ..وهذا ما قاله الإعلامي والروائي مصطفى بوغازي في تقديمه لروايتها :

ينبثق استهلال النص من نهاية مؤجلة تدفع بحيرة السؤال،وبواعث الترقب فتتشكل ديناميكية تواتر بين مد وجزر يشغلان مسافة فارقة بين ذاكرة متعبة يتربص بها النسيان، ومخيلة تتشبث بصور باهتة راحت تلملمها مخافة انفلاتها بين مسامات الوجع ،لتضعنا الروائية سماح وجها لوجه مع فورة فضول ملح مشحون بقلق لافت ، ورغبة تؤجج نار الاندفاع فهي توحي لنا من الوهلة الاولى، بأن الوقائع على حافة التاكل والاضمحلال ،وفعل الكتابة بات عصي المنال ويعلن التمرد ممتنعا على الاستجابة “يراوده قلمه المنكوس الاخرس الذي فقد قدرته على الكاتبة منذ أعوام ،دفن وطنه بين المقابر المنسية ما من شيء بين أنامله غير كومة من الأوراق ”
تتماثل التهيئة بشحن عاصف يخدم غايته بلا استئذان ، لتمهد الطريق نحو مسار من الحكي يدرك قمة شاهقة ليطل على سهول منبسطة تتكشف على أفق لا ترى نهايته ” لا تحدق في دفترك أخشى عليك من غدره يوم المطر حين تتبلل صفحاته فتتلاشى ذكرياتك لما يلتحم رذاذه الكاذب الذي تنكر للعاشقين، أكتب وعيناك ترافقني في سفري الطويل” تأخذ بيد القاريء بلطف تحيله من حالة اندهاش إلى سياقات مبهرة هادئة فتزج به إلى تخوم تلامس. الحقل الحيوي للنص عبر تموجات تبحر في مكوناته التخيلية والفنية واللغوية لتبدأ الحكاية، فالحكاية لم تعد تجد الدفء على صقيع الشفاه المتورمة من وجع الأوطان ،لتبحث لها عن حضن بين طيات الورق وحفيف القلم.
” قبل منتحرة ” تنطلق على نهايات استهلال جمع بين البداية والنهاية في توليفة متعمدة ،فتكون الحياة الاجتماعية محطة أولى برعت في وصف تفاصيلها ،كيف لا وهي من عانقت الفرشاة قبل القلم فتضعك في موقع من يتحسس مكانه في هذا الفضاء ،ويدقق في التفاصيل والملامح ، حضر دور المرأة بصورته الطاغية في تحمل أعباء الحياة والذي يندرج في سياقات الموروث ، فحملها ما تطيقه وما لا تطيقه، ما تتقبله عن طيب خاطر وما هو يندرج في الثنائية المربكة بين أنوثة عزلاء و ذكورة مستغلة،

فعمدت إلى تسليط الضوء على حقبة صورت فيها الحياة الاجتماعية بقسوتها بعاداتها وتقاليدها ، ببساطتها وقناعة العيش بالجهد والنزر القليل الذي تبقى عن جشع الاستغلاليين والمغتصبين للكرامة والحرية والأرض، تحيلنا الروائية على نهايات الحقبة الاستعمارية ،مبرزة صورا من النضال والكفاح التي لم تقتصر على شريحة معينة بل شاركت فيها جميع فئات المجتمع ، لتقدم نموذجا للمرأة التونسية المشبعة بقيم الاصالة والاعتزاز والانتماء ، رافضة كل مغريات الاندماج التي راح يسوقها أفراد انسلخوا عن مجتمعهم وارتموا في احضان المغتصبين ، الذين انتهجوا سياسة فرق تسد ، وأقاموا الحدود بين شعوب مصيرها واحد ،وفي غمرة هذا السرد ، تنشأ علاقة حب إنسانية راقية مفعمة بكل الأحاسيس والعواطف الجياشة ، فأعطت للعمل رمزية كبيرة من خلال صور الكفاح المشترك بين التونسيين والجزائريين وتلك العلاقات الاجتماعية والعاطفية وعرى الإنتماء المتجذر في هذه الأرض ، كلها عوامل دحضت مخططات المستعمر ، وشلت جهوده في احداث شرخ بين الشعبين وتكريس واقع حدود اقامها وهو يعتقد واهما أنها كفيلة بقطع شريان الدم الذي لا تكتمل دورته إلى من خلال تلاحم بينهما ، حالة حب وأسطورة عشق تنشأ في زمن الحرب وتعيش إلى استقلال البلدين ، قصة تستمر وتتكرر على مدار الايام والسنوات لتجمع حبيبن ،وتقرب ضفتين ،وتؤكد على تلاحم شعبين في ظلال الحب الذي توهج بساقية سيدي يوسف وارتوى بالدماء الطاهرة لشهداء من الشعبين ، وبقي يزدهر في ظل التناغم والألفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وبهذا تكون الروائية سماح بني داود قد أضافت منجزا فكريا وقيمة مضافة للإنسان في هذه البقعة ، من خلال صور التلاحم والرغبة في التواصل والعيش المشترك ، وكيف يكون الحب هو اللبنة القوية والرهان الأمثل والجامع بين الأفراد والجماعات، هي بعض القيم التي تضمنها هذا المنجز السردي ، الذي لا نريد أن نختطف حب الاكتشاف من القارئ او نسلب منه متعة القراءة، والتي لا محالة سيجد نفسه مشدودا بأسلوب الكتابة بلغتها الجميلة من خلال احاءاتها وافكارها وصورها ، ببصمتها وتميزها ، لنهنيء في الاخير الكتابة والقارئ أينما كان .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design