“علي شير نوائي” شاعر ومفكر


كتب : أ.د. محمد البخاري
 الشاعر والمفكر ورجل الدولة في ماوراء النهر علي شير نوائي (1441-1501م)، اسمه الكامل: نظام الدين مير علي شير . كتب أشعاره بالاسم المستعار نوائي باللغتين الشغتائية (اللغة الأوزبكية القديمة)، والفارسية.
 وفي طفولته صادق حاكم خراسان وماوراء النهر حسين بايقره (1469-1506م). وأشار معاصره المؤرخ خاندامير (1476م-1534م) إلى أنه بدأ بكتابة الشعر وهو في سن العاشرة من عمره.

وذكر الشاعر الأوزبكي المعروف لطفي (1369-1465م) أنه التقى مع علي شير نوائي أثناء حياته وهو طفلاً وقيم مواهبه الشعرية.
 وخلال حياته تجول علي شير نوائي في العالم الإسلامي، والتقى بالشخصيات الشهيرة في عصره، وطور مهاراته الشعرية. وخلال عامي 1464 و1465م ، نسخت أول مجموعة شعرية له (ديوان)، وهو ما يثبت أنه كان شاعراً مشهوراً منذ ذلك الوقت. وفي عام 1469م ، ونتيجة للحروب الداخلية اضطر علي شير نوائي للابتعاد عن موطنه مدينة هيرات.
وفي عام 1469م احتل حسين بايقره مدينة هيرات وأصبح حاكماً لخراسان،لتبدأ مرحلة جديدة في حياة علي شير نوائي، أسهم خلالها بنشاط في الحياة السياسية لخراسان،وفي نفس العام عينه حاكم خراسان بمنصب حامل أختام الدولة (مهردار)، وفي عام 1472م عينه وزيراً،ومن خلال منصبه قدم علي شير نوائي مساعدات كبيرة لرجال الثقافة والأدب.


 وخلال ثمانينات القرن الخامس عشر شيد علي شير نوائي على نفقته الخاصة العديد من المدارس والمرافق العامة في هيرات ومناطق أخرى لصالح الشعب ، ولكن النشاطات الإيجابية التي قام بها علي شير نوائي لم تنال إعجابالمحيطين بالحاكم في القصر، وسعوا لإفساد العلاقة القائمة بينه وبين حسين بايقره، الذي قام بإعفائه من مناصبه وأرسله كحاكم إلى أستر آباد في عام 1487م، وبقي فيها لمدة عامين ، وبعدها سمح له بالعودة إلى هيرات، ورفض تولي منصب حكومي ،فمنح منصب المقرب من حضرة السلطان، ومن خلال منصبه هذا تمتع بحق المشاركة في جميع أعمال الدولة.
    ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة جديدة في حياة الشاعر علي شير نوائي، واهتم بالأعمال الإبداعية، وعاش وأبدع خلال سنوات عمره الأخيرة في ظل حكم التيموريين (1370-1506م) ،وقد امتازت مؤلفاته بالروح الاجتماعية، وتشبعت بمشاكل عصره.

    وخلال السنوات 1490م – 1501م ، كتب مؤلفاته العاطفية والاجتماعية والفلسفية والعلمية، ووصل حجم مؤلفاته إلى حد ضخم، لتبلغ ستة من مؤلفاته الشعرية نحو 60 ألف شطر شعري (ميسره).

وخلال السنوات 1483م – 1485م ، كتب مؤلفه الشهير “خمسة”، الذي ضم القصائد الشعرية: “خيرة الأبرار”، و”فرهاد وشيرين”، و”ليلى ومجنون”، و”سبعي سياري”، و”سدي إسكندري”. ووضع من خلالها أسساً لتقاليد كتابة الخماسيات الشعرية.
     وتعتبر “خمسة” التي كتبها علي شير نوائي باللغة الشغتائية ، أول عمل بهذا الأسلوب الشعري.

وفي الواقع كان يسعى لإثبات أنه من الممكن كتابة مؤلفات باللغة الشغتائية، تتساوى من حيث القيمة مؤلفات الأدب الفارسي، وهو ما أثبته فعلاً من خلال مؤلفه “خمسة”، وجرب مقدراته في جميع الفنون الأدبية الشائعة آنذاك في العالم الإسلامي، وأثبت أن له صوته وأسلوبه الخاص.

وقدكتب أكثر من 120 قصيدة شعرية تناولت موضوع “ليلى ومجنون” (مستوحاة من الأدب العربي)،وسعى من خلالها لوصف تلك المشاعر الإنسانية الشبيهة بوصف حب المتصوفين، حيث أظهر وجهات نظره الصوفية أيضاً في قصائده الشعرية “فرهاد وشيرين”، و”خيرة الأبرار”، مطوراً مواضيعه الصوفية إلى مستوى فلسفي شامل.
    وفي نفس الوقت تناول” علي شير نوائي” في قصائده القضايا الإنسانية الصعبة من وجهة النظر الإنسانية،وذكر أن السلام لا يدوم، وأن كرسي الحكم لا يدوم؛ وعلى الحاكم واجبات حيال شعبه..

وتميز أسلوبه بتقاليد كتابة الخماسيات الشعرية في قصيدته “خمسة” بطبيعة اجتماعية وسياسية وبالفرادة،وقد تمتعت “خمسة” بمكانة اجتماعية وأدبية عالية في وسط آسيا، ونسخت بنسخ كثيرة، وفي أوزبكستان حالياً تحفظ نسخ كثيرة من “خمسة” أو بعض قصائدها. ويحتفظ معهد أبو ريحان البيروني التابع لأكاديمية العلوم الأوزبكستانية اليوم بـ 166 مخطوطة نسخت خلال القرون الـ15 والـ20، تضمنت كل قصائد “خمسة” أو بعض قصائدها، منها 84 مخطوطة تضمنت كل قصائد”خمسة”.           

   وكتب علي شير نوائي خلال حياته عدداً كبيراً من الأشعار الغنائية، وفي عام 1498م أنجز مجموعة شعرية ضمت كل أشعاره، في أربعة دواوين جمعت أشعاره باسم “خزائن المعاني”، وبلغ مجموع الأشطر الشعرية للمجموعة 50 ألف شطر شعري. واستخدم علي شير نوائي لكتابة أشعاره 16 أسلوباً من الأساليب الشعرية الـ 21 المعروفة آنذاك.

وجمع أشعاره التي كتبها باللغة الفارسية في مجموعات أطلق عليها اسم “ديواني فاني”، ليتساوى مع الشعراء الفرس، ومن قراءة لمجموعته الشعرية التي كتبها بأسلوب الغزل في “ديواني فاني” التي تضم 3150 قطعة شعرية، يمكن التأكيد على أنه كان يتمتع بمكانة هامة من حيث عدد الأبيات الشعرية، وقد جمع قصائده الشعرية التي كتبها باللغة الفارسية في ديوانين شعريين أطلق عليهما اسم: “ستة ضروري” و”فصولي أربعة”.
  وقد أسهم علي شير نوائي برفع مستوى الأدب الأوزبكي إلى مستوى أعلى، وتضمنت أشعاره العاطفية جملة من الموضوعات وأساليب متنوعة ، تفوقت كثيراً على الأدب الذي كتب قبله،وفي أشعاره العاطفية كان يعبر عن أهمية المسائل الصوفية في الحياة والإيمان. ومن أشعاره الدينية: “رباعي” و”مناجات”.

وكانت “نسائم المحبة” أول نص كامل ينشر لشعره الصوفي، وتضمن معلومات عن 750 شيخاً صوفياً،كما كتب مؤلفات علمية باللغتين الفارسية والشغتائية، من بينها: “محاكمة اللغتين” (1499م)؛ وفي نظرية الأدب “مجالس النفائس”، وفي نظرية العروض “ميزان الوزن”، وفي نظرية أسلوب مهمة الـ”مفردات”.
     كما كتب مؤلفات تناولت موضوعات تاريخية منها “تاريخ ملوك العجم”، و”تاريخ الأنبياء والحكماء”. جمعها في رسالته الأدبية ديوان “منشآت”،وفي أسلوب المذكرات كتب : وصف عن حياة عبد الرحمن جامعي “خمسة المتخيرين” (1494م)، و”حالة سعيد حسن أرداشير”، و”حالة بهلوان محمود”.

      وكان مؤلفه “محبوب القلوب” (1500م) آخر عمل عرض فيه آخر أرائه الاجتماعية والسياسية.

شارك هذا المقال: