“الزقاق ” قصة قصيرة

جورنال الحرية – سوريا

كتبت : ندى الدانا

  لم تكن المرة الأولى التي تعبر فيها “ساحة فرحات”الزقاق الضيق المظلم – حين تريد اختصار الطريق للوصول إلى بيتها -الذي يتفرع عن الساحة ،ويتجه إلى سوق الخضار، هو زقاق مخيف بسقفه العالي على شكل قنطرة،وأرضه المبلطة بأحجار صغيرة ملساء ،  وجدرانه المسودة ،والأبواب الصغيرة المتناثرة على أطرافه.
   بدأت رحلتها في الزقاق،كل مرة تعبر بشيء من الخوف،لكن هذا الخوف لم يكن ليمنعها عن المجيء من هذا الطريق رغم وجود طريق آخر،هذه المرة كان الخوف شديدا،وكان القلق يسيطر عليها.

 بدأت تتلفت حولها،اصطدمت قدمها بحقيبة مدرسية،أمسكت الحقيبة،فحصتها،كانت ممزقة،تفوح منها رائحة الجلد،فتعيدها إلى ذكريات المدرسة الابتدائية،تصاعد الخوف في أعماقها،بدأت تسرع في المشي،وتنظر بين الفينة والفينة إلى سقف الزقاق المقنطر،فانحنت على الأرض،التقطت منديلا مطرزا زهري اللون((هذا المنديل ليس غريبا عني،كأنه المنديل الذي أهدته لي خالتي حين كنت صغيرة)) هكذا قالت في سرها ، وكأن خيطا من الذكرى تسرب إلى الزقاق ،خالتها التي أحبتها كثيرا،وكانت تغمرها برعايتها،صار الثرى مأوى لها منذ زمن طويل.
   تتابع سيرها بخطاها المتسارعة،ترى امرأة قادمة باتجاهها،تلبس ثوبا أصفر اللون،تقترب المرأة منها((إنها جميلة الوجه)).تنظر المرأة إليها بتمعن وتتابع سيرها،تلتفت خلفها؛فترى المرأة قد التفتت أيضا.تلتقي نظراتها بنظرات المرأة،وجه المرأة يصبح قبيحا مترهلا،شعاع من اللؤم والخبث يخرج من عينيها،تشعر بالرعب،تدير وجهها((هذه المرأة لا تعرفني ولا أعرفها،لماذا تنظر إلي هكذا؟!)) تتابع سيرها وقد امتلك الرعب كيانها،لمع طيف في ذاكرتها،((هذه المرأة تشبهها،نعم تشبه صديقتي الغادرة التي تخلت عني حين احتجت إليها)).وبعد قليل ستصل إلى الباب الأسود الكبير،هذا الباب الذي طالما حيرها،وأثار فضولها،باب أسود من الحديد،أطرافه مزخرفة،كلما مرت كانت ترى الباب مفتوحا قليلا،وشعاع من الضوء ينفذ إلى الزقاق من خلال الفتحة.

  كثيرا ما خطر لها أن تفتح الباب أكثر وتمد رأسها،لكنها كانت تتراجع.تذكرت أنها نسيت أن تضع قليلا من الطعام في حقيبتها من أجل الكلاب الصغيرة الجميلة التي تقبع قرب الباب ،ثلاثة كلاب لها أطواق سوداء،وعيون وديعة،تتقافز فرحةً حين تراها،ولكن ما هذا الصوت ؟! صوت نباح شرس يصل أذنيها،تقترب من الباب الأسود،الكلاب الوديعة تنظر إليها بعيون محمرة،تتقافز حولها وتنبح،تهرب منها،تلاحقها،ماذا حصل لهذه الكلاب كي تهاجمها هكذا؟!

  هذه الكلاب التي طالما ربتت على رؤوسها وأطعمتها،تهاجمها ! تشعر أنها محاصرة،تنظر حولها،ليس هناك سوى الباب المفتوح قليلا،تقترب من الباب بسرعة،قبل أن تستطيع الكلاب الدخول،ترى أمامها باحة واسعة،محاطة بحديقة مزدحمة بأشجار النارنج والليمون والبرتقال،الأغصان كثيفة،أوراق الأشجار نضرة لامعة بعد ليلة البارحة الممطرة،تمشي إلى آخر الباحة،تدخل بين الأشجار،أقدامها تغوص في الطين،تزيح الأغصان بيديها كي تستطيع المرور،الأغصان تخدش يديها ووجهها،تصطدم قدمها بجذع شجرة برتقال،تشعر بالألم،تستند إلى إحدى الأشجار كي تستريح قليلا،ثم تتابع طريقها.

رائحة أزهار الليمون والبرتقال تنقلها إلى بيت جدتها بفنائه الواسع وأشجاره الكثيفة التي كانت تتسلقها حين كانت طفلة،وكانت جدتها تصيح بها: ((احذري أن تقعي!)). لكنها لم تكن تأبه بها،فكانت الجدة تركض إليها خائفة،عندئذ كانت تضحك بعبثها الطفولي،ثم تهبط عن الشجرة،وتؤنبها الجدة((كم مرة قلت لك لا تتسلقي الأشجار،أنا سأقطف لك ما تريدين من الليمون والبرتقال،لكنك عنيدة مثل أمك،تريدين أن تحصلي على كل شيء بنفسك)).وتعود الجدة إلى كرسيها المعهود،تمسك مسبحتها بيدها،وتراقبها خشية أن تصاب بمكروه،وحين تقترب منها وتقشر لها برتقالة،تضحك الجدة وتقول:” ماذا سأفعل مع هذه البنت الشقية”؟!
نباح الكلاب المتصاعد ينسيها جدتها،تنظر باتجاه الباب،تراه ما زال مغلقا.ألن تهدأ هذه الكلاب كي تفتح الباب وتخرج؟! ألن تذهب خارج الزقاق كي تستغل الفرصة وتهرب؟!
تنظر حولها،تمشي إلى نهاية الحديقة((ترى ألا يوجد باب آخر؟!)). في نهاية الحديقة ترى بيتا كبيرا له باب مغلق،ونوافذ كثيرة،تقترب من البيت،ترى نافذة مفتوحة يطل منها رجل ذو وجه أليف((أين رأيت هذا الوجه؟!))،تقترب من النافذة أكثر،تنظر إلى الرجل متسائلة،الرجل ينظر إليها بتأمل،نظرته تربكها،تدير وجهها باتجاه الباب الأسود،تنظر ثانية إلى الرجل،وجه نحيل فيه أخاديد وتجاعيد،مثل أرض محروثة لتوها،يشع بالطيبة والحنان،شعر أشيب يحيط بوجهه كهالة نورانية،تتأمل عينيه،نظرته النافذة تخفي كثيرا من الأسرار((هل ألجأ إليه كي أتخلص من الكلاب؟!))
تنتبه إلى أنها ما زالت تنظر إليه،وأنه لم يحول بصره عنها، أن نظرته أصبحت أكثر إصرارا،كأنه يقول لها: ((الطرق مسدودة،مهما هربت،مهما غامرت في كل الدروب،في النهاية ستعودين إلى هنا)).
تشعر أنها تعرف هذا الرجل منذ دهور،أنه فوق الزمان والمكان،تسمع صوت جدتها تقول لها: ((عنيدة أنت،تريدين أن تحققي كل شيء بنفسك،لا تريدين أن يساعدك أحد))
صوت الكلاب ما زال يتصاعد((لماذا أخاف من هذه الكلاب؟صحيح أنها تنبح،لكنها لم تؤذني أبدا)).

الرجل ما زال ينظر إليها،في نظرته شيء من التعاطف،تحاول أن تمشي باتجاهه،تقترب من النافذة،صوت النباح يتخافت في الخارج،تحول نظرها باتجاه الباب الأسود المغلق،فتراه قد فتح،لكن الكلاب بقيت في الخارج.شعاع من النور ينبعث من عيني الرجل،تنظر إليه للمرة الأخيرة بعينين مفعمتين بالحزن والحنين،ثم تمشي بخطوات واثقة باتجاه الباب المفتوح.

 

شارك هذا المقال: