“صراع موقوت”

جورنال الحرية

كتب :دكتور نور الدين عابدين

صراع موقوت 

       لم يكن راجحٌ من المهتمين بصلاة الفجر لأسباب مختلفة أهمها الكسل وانتصار الشيطان، ولكنه ذات يوم قرر أن ينفض عن عقله وقلبه غبار الكسل، وبيّت نيته على الاستيقاظ لأداء تلك الفريضة المهملة عند كثير من الناس، إلا من رحم الله ، موقنًا بقيمتها الروحية، وما كان يسمعه دائما من شيوخ المساجد والتلفزيون والإذاعة ، عندما كانوا يقولون : إن الإنسان في ذمة الله ومعيته من الفجر إلى الفجر، إذا انتظم في صلاتها ؛ ولأنه كان متمرسًا على روح التجربة وخوض غمار الحياة بتفاصيلها ، فقد قرر أداء تلك الفريضة ، وها قد حانت اللحظة الإيمانية التي أرادها، فاستيقظ في تلك الساعة التي ينتظر فيها صوت المؤذن لينادي إلى الصلاة ، ووقتئذٍ أنصت فإذا بصوتٍ طاريء ينادي من بعيد يقول “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” فاطمأن قلبه إلى دقة الاستجابة الوقتية وبأنه نجح في مقاومة شيطان تلك الساعة، وجالت بخاطره فكرة المواظبة على تلبية النداء الجوف ليلي، لعله يجد فيها ما يريح فؤاده، وفي تلك الأثناء القدسية اقتحم فكرَه منادٍ آخر من مكبر الصوت يقول من مكانٍ ليس عنه ببعيد : حتى يحين موعد الأذان سنستمع الآن لآيات من الذكر الحكيم بصوت القاريء الشيخ فلان الفلاني…وفي ذلك الآن ظن راجح أن الأذان قد رُفع، لأنه لم يكن يشهد تلك الاحتفالية الصوتية الخاصة بهذا الوقت وتلك الصلاة، فهمّ إلى الوضوء والذهاب إلى المسجد ، وفي لحظة قراره الحاسم صدر من هناك صوت قويٌّ يدوي الآفاق مُفتتحًا بالتكبيرة الأولى للأذان ، وهنا فكر مليا في الأمر ، وها قد وجد شيطانه ثغرةً يمرق منها إلى عقله وقلبه ،وبدأ يُجري معه حديثا نقاشيا موسعا ، سائلا إياه: لماذا كل ذلك الصوت الحنجوري الجهوري, ألم تسمع يا راجح العقل ذلك المنادي من بعيد ؟! فلِمَ ينادي عليك منادٍ آخر قريب ، ألم يكفهم أنك تركت نومك وضحيت پأفضل ساعات راحتك وقررت العودة إلى خالقك؟! واستطرد موسوسه الذي لا يكل ولا يمل قائلا: وبعزّته لو كنت مكانك لاعترضت على ذلك اعتراضا صارخا. رد راجح على الفور : وماذا تظن أني فاعل أيها الغريب؟ قال الموسوس : عاقبهم بعزلتك والانفصال عنهم حتى يستقروا على حال وتستقر أنت على رأي. رد راجح : لكنها المرة الأولى التي أنتوي فيها مشاركتهم… وهنا استدعت قريحته سؤالا من أحد البرامج التلفزيونية بعنوان: (الصائمون) كان يذاع في شهر رمضان المنصرم، وقد كُتب على الشاشة بخط كبير، اتصال هاتفي من الأستاذ (محتار) من الدقهلية، وهنا يُقر راجحٌ قائلا : لقد تعجبتُ من اسمه ، ولكنني لم أتوقف عنده كثيرًا لاهتمامي بجوهر سؤاله، وعندما قرأت المذيعة الاسم قالت مُصححةً: معنا الأستاذ (مختار)، تفضل بسؤالك للشيخ، فقال السائل : كنت أشرب وقت الأذان، ولم أكن أعرف أن وقت رفع الماء قد دخل لأنني سمعت مؤذنا آخر كان لم يزل يشرع في الأذان، فهل يجوز صيامي ذلك اليوم أم علىَّ القضاء أو كفارة إفطار ؟! وكان رد الشيخ بنبرة هادئة: المؤمن قلبه دليله ، فاطمئن إلى ما يدلك عليه قلبك. وهنا التفت راجح عائدًا إلى حواره الأول مع ذلك الغريب، وبين سؤالٍ وإجابة وتفصيل وتفنيد ، فإذا بمنادٍ يقطع حديثهما وجدالهما، وكأن المؤذن قد استمع إلى ذلك الحوار النفسعقلي بين المتجادليْنِ، وها هو قد علا صوته قائلًا : الصلاةُ خيرٌ من النوم …الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله …وحينئذ تيقن راجح أن الموسوس يريد أن ينأى به عن طريقه ، فقرر النزول والتغلب على نفسه مترددا وظل واقفًا أمام باب بيته مفكرًا في معنى كلمة (موقوتا) المذكورة في الآية ، وفي أثناء البحث في ذاكرته وجد أن الشيخ الشعراوي- رحمه الله- قد قال عنها في تفسيره : إنها من الوقت ، والموقوت أي المُحدد، أي أن الصلاة يجب أن تُؤدى في وقتها، وهنا عاد أدراجه الفكرية الأولى وهو يقف أمام البيت ناظرًا إلى السماء وذلك الظلام الدامس الذي لا يزال يغطي جميع الأركان ولا يرى خيطًا أبيضَ يهديه، فإذا بعم سعيد يلقي عليه التحية مستعدًا لفتح دكانه بعد أن أدى الصلاة : أعوذ بالله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وفي تلك اللحظة جاء من أقصى المكان صوت آخر جديد ، فظن أنها الإقامة ، وظل يهرول خشية ضياع الصلاة فإذا بمناد آخر يقول : الله ، الله، الله، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فظنها الإقامة من مسجد قريب، لأن صوت الميكرفون كان يتقطع ولم تكن الكلمات متصلة ، ( خلاص كده كويس يا حج إبراهيم، بس عاوزين نكلم عم سلكه الكهربائي بكرة – من دون قول إن شاء الله- يشوف لنا حل في الميكروفون اللي جنب الجامع اللي على أول الشارع عشان الناس مش سامعه صوت جامعنا من هناك ) فتبين له من ذلك الحوار المتسرب في خلفية الكلام من خلال الميكرفون أن صاحب المسجد تعود على تجربة الميكرفون قبل الأذان بتلك الكلمات لكي يطمئن على مكبر الصوت ، ثم ما لبث أن شرع في الأذان لصلاة الفجر … وبين هذا وذاك كان هناك صوت آخر يقول يبدو أنه دعاء القنوت : اللهم اهدنا فيمن هديت…وبين هذين وذاكين، خرج صوت يقول : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله…. ومازالت كلمة موقوت تتردد على أسماع راجح وظل يقول : إنه موقوت موقوت موقوت …
…..
د نور عابدين مدرس النقد الأدبي والبلاغة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ، مصر ، محاضر بمركز تعليم اللغة العربية للأجانب بمركز TAFL بالكلية ،مدير الدورة التدريبية لتأهيل معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها بالكلية ذاتها …

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design