من أعلام الحضارة الإسلامية

جورنال الحرية

  كتب أ.د. محمد البخاري
    من المعروف أن أوزبكستان المعاصرة ومنذ أقدم العصور كانت من مهود الحضارة الإنسانية القديمة، وعلى أرضها جرت عملية توحيد الثروات الثقافية والعلمية العالمية، وتعتبر أرضها الخيرة موطناً لعلماء ومفكرين عظام، أمثال: الخوارزمي، والبيروني، وأبو علي بن سينا، وميرزة ألوغ بيك، وغيرهم من علماء ومفكري الحضارة الإسلامية العظام الذين أضيفت إنجازاتهم العلمية وإلى الأبد إلى مخزون العلوم والثقافة الانسانية العالمية.
   وشكل أبو ريحان البيروني وبحق انتصاراً لعلوم الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، ولهذا قيم رئيس جمهورية أوزبكستان الراحل إسلام كريموف في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر الدولي “التراث التاريخي لعلماء ومفكري الشرق في القرون الوسطى، ودوره وأهميته في الحضارة الحديثة” عالياً الأعمال العظيمة التي قام بها الموسوعيون البارزون الذين عملوا وأبدعوا على الأرض الأوزبكية. وأشار القائد الأوزبكي إلى أنه ليس صدفة أن يطلق مؤرخي العلوم الطبيعية في جميع أنحاء العالم على القرن الحادي عشر الميلادي “قرن البيروني”.
    وقد ألف العالم الخوارزمي العظيم أبو ريحان البيروني نحو 150 عملاً أساسياً باللغة العربية في: التاريخ، والجغرافيا، والعلوم اللغوية، وعلم الفلك، وعلم الرياضيات، وعلم الجوديسيا (فرع من الرياضيات)، وعلم المعادن، وعلم الصيدلة، والجيولوجيا، وغيرها من المجالات العلمية. وكعالم مارس دراسة العلوم الحية قدم إسهامات وسعت فهم العدد، ونظرية المعادلات التكعيبية، وعلم المثلثات الكروية، ووضع جداول للمثلثات.
واعترف تاريخ العلوم العالمي بالعالم البيروني كمؤسس لاتجاهات جديدة في العلوم، وهي علوم: قياس الأرض، وسطح الأرض – الجيوديسيا. كما وتمكن ولأول مرة في مجال دراسة علم المعادن من قياس وزن المواد الصلبة والسوائل بمساعدة جهاز خاص صممه لذلك، ومن خلالها اقترح تصنيف جديد للمعادن، وأعد نظرية عن منشأ المعادن وقدم شرحاً وافياً عنها.
ومما ساعد البيروني على ذلك أجادته للغات: العربية، والفارسية، واليونانية، والسريانية، والسنسكريتية. واسهامه في إعداد مبادئ ترجمة مصطلحات العلوم الحية من لغة إلى لغة أخرى.
    وقال المؤرخ الأمريكي جورج سارتون، عن هذا العالم الموسوعي البارز: أن تاريخ علم الفلك والرياضيات، وعلم الفلك والجغرافيا، والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا، وعلم الآثار والفلسفة، وعلم النبات والمعادن، غدت يتيمة دون إسمه العظيم”.
كما وأكد البيروني أن كل شيء في الطبيعة موجود ويتغير وفق القوانين الطبيعة، ولا بد من التأكد منها من خلال القوانين العلمية. كما وكرس أعماله لعلم الرياضيات وعلم الفلك، وكان متمكناً من المعارف العملية الضخمة للحياة الاقتصادية في خوارزم، ومن ضمنها أعمال ري الأراضي الزراعية، والتبادل التجاري.
وفي مؤلفه الأول “التسلسل الزمني للشعوب القديمة” جمع العبقري وأضاف وصوفاً لكل نظم التقاويم المعروفه، التي استخدمتها مختلف شعوب العالم آنذاك. وأورد خلاصة أبحاثه الفلكية في كتابه “تفسير المبادئ الأساسية لعلم الفلك” وغيرها من مؤلفاته العلمية القيمة.
    وفي كتابه “الهند” قدم البيروني وصفاً دقيقاً لحياة وثقافة وعلوم الشعوب الهندية، وأوجز نظمها الدينية والفلسفية. ووضع نظاماً للنسخ على أساس الكتابة بالحروف العربية، وتفوق هذا النظام كثيراً حتى على النظم الحديثة المعروفة لنقل الكلمات الهندية إلى لغة الأردو.
   وفي كتابه “الصيدلة” وصف المفكر العظيم وبالتفصيل أكثر من ألف نبتة علاجية، و150 نبتة عادية، وأكثر من مائة حيوان.
وجمع العالم معلومات كتبت باللغات: العربية، واليونانية، والهندية، والفارسية، والصغديانية، وغيرها من اللغات وشملت نحو 4 آلاف نوع من النباتات، والحيوانات، والمعادن، والمواد المشتقة منها، وقدم إسهاماً ضخماً في مجال تنظيم المصطلحات الصيدلانية.
    وحتى اليوم تمت ترجمة 31 عملاً من أعمال البيروني من اللغة العربية إلى اللغات: الألمانية، والإنكليزية، والروسية، والأوزبكية، وتمت دراسة 24 مؤلفاً من مؤلفاته، وصدرت ثلاث مؤلفات له بنصها العربي الأصلي. كما وأطلق اسمه على معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم، وجامعة طشقند التقنية الحكومية، ومركز المخطوطات الشرقية التابع لمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وعلى مناطق، وشوارع في أوزبكستان وغيرها من دول العالم. وبالإضافة لذلك ووفقاً لقرار الرئيس الأوزبكستاني “عن إجراءآت تشجيع الدارسين الشباب في أوزبكستان” أسست منحة دراسية تحمل اسم البيروني لطلاب السنوات الدراسية المتقدمة في الكليات التقنية، الحاصلين على درجة ممتاز في التحصيل العلمي والمشاركين في الأعمال الإبداعية.
    كما وتم تخليد اسم هذا العبقري العظيم بإطلاقه على حفرة تقع على سطح القمر. وأطلق على كوكب صغير في المنظومة الشمسية اكتشف عام 1986 وتم تسجيله باسمه في مركز هارفارد تحت رقم 9936.
وعلى هذا الشكل نرى أن مؤلفات البيروني العلمية الخالدة حظيت وتحظى بأهمية بالغة في تطوير الفكر العلمي العالمي. وأن عظمته كأحد علماء العالم الإسلامي الموسوعيين في القرون الوسطى انعكست بشكل واسع النطاق في التراث العلمي العالمي، وفي إسهامه الكبير بتطوير الكثير من العلوم ليس في عصره فقط بل وخلال السنين اللاحقة حتى يومنا هذا.

لقراءة المزيد من الأخبار اضغط هنا

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design