الفنان الأوزبكي الكبير باطير كريموفيتش زاكيروف

كتبها: أ.د. محمد البخاري
باطير زاكيروف (1936 – 1985)، مطرب أوزبكي وسوفييتي بارز، وفنان تشكيلي، وأديب. حصل عام 1965 على لقب “فنان الشعب بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية. وغنى أغنيات من مختلف الفنون الغنائية: أغاني شعبية أوزبكية، وأغنيات من تأليفه الخاص، وأغنيات لملحنين ومؤلفين من أوزبكستان وروسيا، وأغاني استعراضية، وغنى أغاني أجنبية بلغاتها الأصلية.
وأطلق على معشوق الشعب الأوزبكستاني لقب “العندليب الأوزبكي”، وتجاوز عشق المستمعين له حدود وطنه، وأحبه كل من سمعه، ولم يزالوا يذكرونه حتى اليوم في أماكن بعيدة عن أرض وطنه. وهذا يعني أن المطرب لم يزل مع عشاقه، وسيبقى شاباً إلى الأبد. وسيظل عشاقه يستمعون لأغانيه، التي ستستمر بالحياة والتطور دائماً.
والفنان التشكيلي الشهير، والمطرب، والشخصية الأدبية، وفنان الشعب الأوزبكستاني باطير زاكيروف، ولد بتاريخ 26/4/1936. ودرس في المعهد الموسيقي العالي بطشقند، في قسم الصوتيات. ودرس في كلية الإخراج بمعهد أ.ن. أوستروفسكي المسرحي الفني بطشقند. وفي عام 1956 أنشأ فرقة للشباب أطلق عليها اسم “الشباب” والتي سرعان ما اكتسب شهرة وإعتراف في أوسع الأوساط. ويقال أن من سمع صوت المطرب مرة واحدة من الصعب عليه أن ينساه، وأن لا يقع في حب أغانيه. وأغاني باطير زاكيروف كانت مثالاً في النقاء الغنائي. وكانت تتميز بفرادتها. وصوت “العندليب” تميز بنبرة مخملية تدخل إلى أعماق الروح.


وفي المهرجان العالمي للشباب والطلاب الذي جرى في موسكو عام 1957، غنى المطرب باطير زاكيروف وللمرة الأولى “التانغو العربي”. وسجلت الأغنية على إسطوانات، لم تزل واسعة الإنتشار حتى اليوم، ويحبها الكثيرون من محبي موهبته الفذة.
وكان باطير زاكيروف مطرباً مشهوراً في الاتحاد السوفييتي السابق كمغني لأغاني من مختلف الأنواع الغنائة في نهاية خمسينات وستينات القرن الماضي. فقد أهدته الطبيعة الكثير من المواهب، وكان الأكثر سطوعاً بينها صوته الفريد. وغنى عملياً: أغاني فن الأوبرا، والأغاني الشعبية الأوزبكية، وأغاني الملحنين السوفييت، والأغاني الأجنبية. وكان صوته يسمع على موجات أثير الإذاعتين المسموعة والمرئية، وحصلت حفلات فرقته الموسيقية على نجاحات كبيرة، وكان من الصعب جداً حضور حفلاتها. وأذهل المطرب الجميع ببرنامجه الغنائي والموسيقي الفني، الذي ضم إلى جانب الأغاني الأوزبكية، غير القابلة للتقليد ولا يمكن لأحد أن ينافس جمالها وتعبيرها وأدائها حتى الآن، ضمت خلال ستينات القرن الماضي أغنيات أوزبكية إستعراضية، وإيطالية، وفرنسية، وإسبانية، وروسية، ويونانية، وعربية، بلغاتها الأصلية.
وكان باطير زاكيروف أحد منظمي الأوركسترا الإستعراضية الحكومية الأوزبكستانية. ومعها بدأ تطور فن الموسيقى الإستعراضية الأوزبكية، الذي تميز بخصائصه القومية، وبموضوعاته القومية. وفي عام 1972 أنشأ في طشقند أول فرقة للـ”ميوزيك هول” في وسط آسيا، وكان مديرها، ومخرجها، ومديرها الفني ومطربها المنفرد. وكان قادراً على إنهاض همة الموسيقيين والجمهور نحو الفلكلور الشعبي، وقام بتجميعهم حول الإتجاه الإستعراضي الحديث. ولم يكد المطرب يبلغ الـ 30 من عمره، حتى حصل في عام 1965 على لقب فنان الشعب الأوزبكستاني.
وكان باطير زاكيروف موهوباً في العديد من المجالات الإبداعية: الفنون التشكيلية، والإخراج، والخيال الفني.

وشارك في الأفلام السينمائية. ومن أشهر الأفلام التي شارك في بطولتها فيلم “شباب العبقري”، الذي أخرجه المخرج إليور إيشمحميدوف عام 1982. وقام ببطولته مع المطرب المحبوب: بختيار زاكيروف، وفرقت فايزييف، وآتو محمدجانوف، ورانو كوباييفا، وآخرون.
وأثناء حياته تجول باطير زاكيروف كثيراً في أوزبكستان وفي الإتحاد السوفييتي السابق، وهنا لابد من ذكر أن أسرة زاكيروف كانت كلها من الموهوبين ومنهم: والده كريم زاكيروف، وشقيقه نوفل زاكيروف، وشقيقته لويزا زاكيروفا، وشقيقه فاروق زاكيروف. ومع الأسف غادر باطير زاكيروف الحياة مبكراً، إذ كان يعاني من مرض عضال منذ صباه، ومع ذلك فقد تمكن من فعل الكثير مما كان يريد فعله. وودعت طشقند المطرب يوم 22/1/1985، ووري الثرى بمقبرة تشيغتاي.
وبقرار من الرئيس الأوزبكي حصل باطير زاكيروف على وسام “بيوك خيزماتلار أتشون” بعد وفاته. وهو الذي حظي بأعلى وسام وهو حب الشعب، والذكرى الطيبة. وبمناسبة مرور 75 عاماً على ميلاد باطير زاكيروف أحيت الفرقة الموسيقية للمعهد الموسيقي الحكومي العالي بطشقند حفلاً فنياً تضمن فقرات من برنامجه الفني يوم 21/4/2011.
وفي عام 1982 سعدت بالتعرف على هذا النابغة الأوزبكي عندما كنت أكتب مقالات عن الحركة الثقافية والفنية والأدبية في أوزبكستان لنشرها في الصحافة العربية، وذات مرة حملت له إلى بيته صحيفة عربية كتبت عنه وعن فيلم “شباب العبقري”، مع ترجمتها إلى اللغة الروسية، وهناك تعرفت حينها على والدته، وزوجته، وإبنته الصغيرة، وشقيقه فاروق زاكيروف، رئيس فرقة الفنون الإستعراضية “ياللا” الشهيرة، وإبنه بختيار زاكيروف الذي كان لم يزل يدرس فن التمثيل السينمائي في موسكو آنذاك. وبعدها وبدعوة منه حضرت حفلاً فنياً أقامته فرقة الفنون الإستعراضية “ياللا” على مسرح سفردلوفا بطشقند، غنى خلاله باطير زاكيروف بعض أغانية الجميلة ومن بينها أغنية التانغو العربي التي تبدأ بـ”يازهرة في سؤالي…”. وبعدها كان حلم المطرب الكبير أن يغني إحدى قصائد الشاعر العربي الكبير نزار قباني، وطلب مني آنذاك تعليمه نطق كلماتها بدقة، ولكن المنية سبقت حلمه وغادر الحياة قبل تحقيقه.
وبمناسبة مرور 80 عاماً على ميلاده كتب قادر جون نوصيروف، الأستاذ المساعد بجامعة نمنغان الحكومية، والفائز بمسابقة بوشكين الدولية. مقالة جاء فيها:
تبقى ذكرى المطرب الأوزبكي الكبير وأسطورة الموسيقى الإستعراضية الأوزبكية الحديثة الذي أذاع شهرة بلاده وشعبه في أيامه بعيداً خارج الإتحاد السوفييتي السابق، ولم تزل حية في قلوب ملايين المعجبين بمواهبة الفريدة رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على وفاته.
وأشار نوصيروف، إلى أن الأديب الأوزبكي المعروف عاشور علي جوراييف كتب في عام 1989 رواية وثائقية كاملة عن باطير زاكيروف تحت اسم “عاصفة في القلب”. وهذا الكتاب لا يمكن قراءته دون إضطراب، ودون ألم في القلب وأسف على وداع المطرب للحياة بشكل مبكر. وعلى صفحات الكتاب انتصبت أمامنا قامة إنسان رائع وفنان تشكيلي متميز، وبكل ما تعنيه الكلمات: فنان الطرب، والفنان التشكيلي، والشاعر، والروائي، وكاتب كلمات أغنيات الأوبرا.
وتحدث الكاتب في أحد فصول كتابه عن جولة باطير زاكيروف الفنية في باريس ضمن جولة ميوزيك هول موسكو. وعندها كان النجاح الضخم من حصة الفنان الأوزبكي. وقارنته الصحف الفرنسية بشارل أزنافور. وقالت عنه نجمة الموسيقى الإستعراضية الفرنسية لينا رينو، “فنان كبير”. وأثنت مارينا فلادي جيداً على الإستعراضات الفنية التي قدمها. وقدم له هناك اقتراح بتقديم استعراض غنائي فردي على مسرح “أولمبيا”. وكان تركيز الإنتباه عليه وحده شرف كبير له.
وقبل البدء بتحضير أغاني الشعوب الأخرى، كان المطرب يطلع على مراجع أدبية عن تاريخهم وحياتهم وثقافتهم وفنونهم. ولهذا بالضبط كانت كل الأغاني “الأجنبية” تقريباً تجلب له النجاح. وأسماه الهنود “هندي”، والروس “روسي”، والعرب “عربي”، والفرنسيون “فرنسي”. ولكنه كان مطرباً أوزبكياً.
ويمكن سماع أغنية التانغو العربي غناء باطير زاكيروف على الرابط الإلكتروني: https://www.youtube.com/watch?v=s0K_qlpO41A
*****
الأستاذ الدكتور محمد البخاري مواليد دمشق 1948، يحمل دكتوراه في العلوم السياسية (DC)، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور ومحاضر بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وجامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية، حالياً متقاعد.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design