الفنانة التشكيلية السورية نجلاء دالاتي بقلم الفنان والباحث عبد القادر الخليل.

 

الفنانة التي تحلق بين الماضي والمستقبل, الفنانة الصامدة، الفنانة التي تُساهم في تقديم الابداع بأسلوب الاسطورة, الفنانة التي وضعت في كل لوحة قصة ومن كل صمود لوحة. الفنانة التي تُظهر الابداع وكأنه بديهي وتجعل من الواقعية قراءة في المستقبلية وحقول واسعة من سحر الخيالية .
لم يستطيع الظلاام تدمير عزيمتها ولم تستطيع القساوة الارهابية تغيير مسيرتها، ولم تسطيع كل انواع العنف ان تقضي على ابداع الفنانة . تهتز الافئدة حين نشاهد الاضاءة في لوحات الفنانة نجلاء دالاتي, لوحات اللون النقي ولوحات جمال الابنية التاريخية التي تُحدثنا عن اصالة سوريا وشعبها العريق. لم تنسى حلب وحمص, كما لم تنسى الشمال والغرب والشرق والجنوب. تبني بلوحاتها الابنية الدينية من كنائس وجوامع, وكذ الابنية الشعبية والحارات القديمة التي تُعبر عن اصالة الفن المعماري, وايضا تجسد قصور الصمود وهي رمز مرور التاريخ وتبقى على اقدامها صامدة.


ما هو الذي اوقفني عند منجزات الفنانة نجلاء دالاتي؟ وما هي الاشياء التي يجب ان يراها المتلقي؟ ليست الابينة غامضة عن المتلقي السوري. بينما الشيء الذي اوقفني امام لوحات الفنانة نجلاء دالاتي, هو التغيير الكبير في مسيرتها الاخيرة. ومن المحتمل ان يكون غير واضح على عامة الناس؟ لقد كانت الفنانة نجلاء دالاتي تسير في اسلوب الواقعية , وهكذا عرفَ الناس عن اسلوبها ومسيرتها. لكن في السنين الاخيرة, سنين المأساة السورية ارى تغيرات هامة تجذب احساس الناقد التشكيلي الذي يعرف عنها, فأين هو التغيير؟ لقد اشاهد في تصميمها الجديد بعد 2010 انها فنانة تُصمم مختلف لوحاتها بين عصرين.

عصر الماضي بما حمل في طياته من جمال، وعصر المستقبل الذي تأمل ان يكون وتثق بذلك مهما طال امد الإنتظار. لا ترغب ان تُسيطر على ذاكرتها مناظر الوقت الحاضر, وليس لأجل النسيان، بل تنقلنا الى فلسفة روحية داخلية. وهو ان نقفذ من الماضي الى المستقبل كي لا نغوص في عالم الألم ونبقى في بحيرات من الطين. تأخذنا مباشرة الى المستقبل الذي سيكون افضل. تعصر احساسها وروحها كي لا تشغفنا مناظر الدمار وتُلقي علينا من خيالها الشاسع لوحات هامة مليئة من جمال المستقبل.


كثيرا ما اشرت للاخوة الفنانين في مقالات سابقة بأن الابداع لايعني تحطيم كل أسس الفن كي نقول عنه ابداع. وليس الفن هو الذي يفرض على كل فنان ان يأتي بمدرسة جديدة. قالوا كبار الناقدين عن سيزان أنه وضع اسس التجريدية في اعماله, وأن الفنان فان جوج هو الذي فصل بين الانطبالعية والحداثة ووضع اسس التعبيرية؟ كلاهم من مخلصين المدرسة الانطباعية, ولم يخرجوا كثيرا عن اسلوب زملائهم، لكن تحليل منجزاتهم من قرب, وقراءة اسلوبهم بإخلاص يجعلنا ان نرى الفرق بينهم وبين علماء الأنطباعية، وهنا اجد ايضا روح الابداع في تصميم الفنانة نجلاء دالاتي في استخدام الاضاءة بإسلوبها الخاص,.
اعمال الفنانة نجلاء دالاتي تتمتع في نقاوة الالوان ويجذبنا اهتمامها في المدن السورية وهذه صفات تحافظ عليها في المرحلة الثانية من مسيرتها, لكن ثقافتها الواسعة اعطتها تأثير في الفلسفة اليونانية , وهكذا نراها ترسم قلعة حلب على اجنحة طائر الفينيق, وهذا تأثير بأسطورة روما واليونان. وتعني أنً هذا الطير هو الحيوان الوحيد الذي يبدأ حياة جدية بعد ان يُرمى جسمه بكل حريق. هو الحيوان الذي يعود الى الحياة بعد ان يُحرق ويكون رماد. تعبير كبير امام مايحدث في سوريا, وهناك اساطير في الغرب تشير الى ان طير الفينيق هو طير حضارة الفينيقين وهكذا نهضت مدن تلك الحضارة بعد كل دمار. فليس غريب ان تستخدم الفنانة نجلاء دالاتي هذه القصص لتقاربها مع الشعب السوري واصل الفينيقيين يعود الى سوريا. هذا تعبير اخلاقي وكبير امام حلب وامام سوريا عامة, وأنه سيتم بناؤها من جديد.
ليس التغيير نراه جميعه من ملاحظة واحدة. بل التغيير هو بين الماضي وبين المستقبل, وتشير الى المستقبل من خلال الاضاءة والنور. أرى تأثيرها في نور الله الذي هو محطتها الكبرى, وبهذا النور وضعت فاصل بين الامس وبين المستقبل. هناك من يرى الحياة في لونين، اللون الاسود وإما في اللون الابيض, فهنا تقول الفنانة ؟ ليست كل الاشياء من الاسود وليست من الابيض بل هناك لون الامل ولون المستقبل ولون الصمود ولون الشمس.
لون استتخدمه فنانين الفراعنة, وكثيرا في عهد الروكوكو. وهذا المذهب قيل انه من مدارس الشرق الاوسط. لهذا تصنع الفنانة نجلاء دالاتي لوحات مُغببة بهذا اللون لانه لون الاصل ولون الصمود. ومن الوان السماء. ايضا رأينا في الماضي ان روبنز الفنان الهولندي تاثر بلون جوبيتر حين رسم لوحته الكبرى بإضاءة من ذلك الفلك، بينما رامبراند الهولندي وكلود لي ناين كانوا يصنعون اجواء مُشعة كي يعطوا لمنجزاتهم مظاهر الانارة, ورأينا ان الفنان وليام تارنير استخدمة انارة الحركة الرومنسية. وأما فنان المناظر العمرانية كما كان الفنان كانتالتوا استخدم انوار المدينة لإنانرة منجزاته, ورأينا ان الفنان الاسباني فرانسيسكوا جويا استخدم نور الانسان في لوحته اعدام البريئ, في 3 ايار 1808 ونور البراءة اضاءت ليل مدريد وأضاءت على الحقول المجاورة وجميعها اضواء مستعارة.
من هذا المجال ارى الابداع والحداثة في استخدام الفنانة نجلاء دالاتي للإضاءة. وليس كما استخدمها عامة الفنانين من رامبراند الى تارنير ومن جويا الى روبنز, بل استخدمت الاضاءة ليكون رمزها الخاص، الذاتي الى مستقبل بلدها, وهو تحدٍي ايضا لكل انواع الظلم ، وتقول لهم لن اهتًم بكم مهما كنتم من الظالمين. وهكذا استعملت الوانها لتكون مصدر التعبير ومصدر الخيال لكل مُهتم. ووضعت الالوان انارة كي لايمنعنا الضباب ان نرى الجمال
كذلك لن يشوه الضباب تعبيرالفنانة نجلاء دالاتي في لوحتها الأم الباكية السورية. اسم مستعار من لوحة الفنان الاسباني بيكاسو, الي رسمها في 1937,، هنا اشاهد تأثير روحي وليس شكلي. ايضا بيكاسوا تخيل الم مجتمعه وهو بعيد عنه حين كانت الحرب الاهلية في اسبانيا . الفنان بيكاسو وضع شعور قوية في تلك اللوحة , وهي صورة ام تبكي على طفلها القتيل حين هجوم طائرات النازيين على جيرنيكا بينما الفنانة نجلاء دالاتي تختلف في محافظتها بكل جسمها على سلامة الطفل في هذه اللوحة, اشارة الى الصمود وهي في ملجأ الدراما الشديدة. تُظهر في لوحتها الخوف, العذاب والقلق, لكن تشير في حفاظها على الطفل حفاظ على المستقبل.
الانارة والظل, الجنة والنار, السعادة والمصائب, الحقيقة والخدعة كلهم مناظر البانوراما في كل يوم لكن الفنانة نجلاء دالاتي تعتز بنور الله وجماله. رأينا ان الفنان الايطالي ساندرو بوتيشيلي تأثر في قصيدة شاعر يوناني حين جسد لوحة فينوس, فهل تاريخ سوريا قليل امام الخيال والبصر؟ كم من مرار نهضت من جذورها وحافظت على صِفاتها. السيت دمشق وحلب هم اكبر المدن العالمية في التاريخ, فليس غريب وليس عجيب ان تنهض من جديد كما تراه الفنانة نجلاء دالاتي.

من اسبانيا كتب لكم .. Abdul Kader Al Khalil
25/4/2019

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design