المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي

جورنال الحريةطشقند

كتب/ أ.د محمد مختار

    أنشأ المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي، قبل أكثر من مائة عام، وقطع خلال تلك الفترة طريقاً غنياً قدم فيها عروضاً ناجحة، وقدم للجمهور ممثلين وممثلات ، تحولوا إلى أسطورة في مجال المسرح؛ لأنهم كرسوا حياتهم للفن وللنجاحات والإنجازات المسرحية، وكل هذه التفاصيل يمكن الاطلاع عليها اليوم في متحف المسرح القائم ضمن مبنى المسرح بقلب مدينةطشقند” بالقرب من الساحة الخضراء.
  ومن المعروف أن المتاحف تلعب دوراً هاماً في الحفاظ على التراث التاريخي والثقافي بأي بلد من بلدان العالم، ومن ضمنها متاحف التراث المسرحي، ويتمتع متحف المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي بخصائص تميزه عن غيره ؛لأنه يقوم إلى جانب دوره التعريفي والتثقيفي والتربوي بوظيفة هامة أخرى ، يمكن من خلالها عرض وتعريف بالديكورات والملابس التي استخدمت خلال الفترة الماضية من تاريخالمسرح الأوزبكي”  لتلهم المخرجين ومصصمي الديكورات والممثلين الشباب من خلال مشاهدتهم للوحات، والصور، والإعلانات المسرحية القديمة، ولتصل بهم إلى مستويات أعلى من المهارة الفنية التي وصل إليها أولئك الذين سبقوهم في العمل على خشبة هذا المسرح الأوزبكي.
   إن السنوات الطويلة من تاريخ نشوء وتطور المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي ، تشمل مراحل عدة تبين أقدم المعروضات في المتحف، و هناك مواد تتحدث عن تحول المسرح من مسرح للهواة إلى مسرح للمحترفين، وعن تلك المرحلة التي كانت فرقة المسرح تتنقل بين المدن الأوزبكستانية لتقديم عروضها.
    وقد ذكرت شريفة غازييفا ، المسؤولة في المسرح القومي الأكاديمي الأوزبكي أن : المعروضات المحفوظة في المتحف تستعرض تاريخ المسرح والحركة المسرحية. إذ يمكنكم هنا مشاهدة صور فوتوغرافية تحمل ذكريات أكثر المسرحيات المشهورة، وما جرى خلف كواليس المسرح، والتعرف على كوكبة كاملة من أساتذة الفن الموهوبين الذين أبدعوا على هذا المسرح ،كماتتحدث المعروضات عن الأحداث وفق تسلسلها التاريخي، وكلها مرتبطة بالأحداث الهامة التي تركت أعمق الأثر في تاريخ تطور المسرح الأوزبكي.
       ومن بين أبرز الممثلين في المسرح كان الفنان الكبير نبي رحيموف ، الذي ولد وترعرع بمدينة قوقند، المدينة المشهورة بالشعراء، والموسيقيين، وهناك فن المسخرة باظ (الفن الساخر)، ومهارة السير على الحبل، والأسكيا (فن كلمات النقد اللاذع (الزجل الشعبي))، وهناك الفنانون المحترفون و المهرة، والتجار والطباخون المهرة منذ القدم، وطبعاً كل هذا أثر على مستقبله الفني الإبداعي.
   وخطوات ” رحيموف”  المحترفة الأولى في الفن كانت على خشبة المسرح الدرامي عام 1929، وبفضل مواهبه الطبيعية وحبه غير المحدود للعمل المسرحي،  قدم إسهامات ضخمة لا تقدر بثمن،  على طريق تشكيل وتطوير مدرسة الفنون المسرحية القومية الأوزبكية.
وخلال سنوات أعماله الإبداعية الطويلة لعب نحو 200 دور كوميدي، وعاطفي، ودرامي. ومن بين أدواره كان:
– دور بوبو كايفي في الدراما التاريخية “ميرزة ألوغ بيك” من تأليف م. شايخزوده.
– ودور تروفالدينو في مسرحية “الأميرة تواندوت” من تأليف ك. غوتستسي.
– ودور ياغو في مسرحية “عطيل”، ودور لايرت في مسرحية “هاملت” من تأليف و. شكسبير.
– ودور بابوتشينسكي، ودور خليستاكوف في كوميديا “المفتش العام”، ودور كوتشكارييف في مسرحية “الزواج” من تأليف ن. غوغول ، كما لعب دور شخصيات مسرحية كثيرة غدت كلها من النماذج الكلاسيكية في الصندوق الذهبي للفنون المسرحية القومية الأوزبكية.
   وعن شهرته الواسعة ومواهبه التي حازت على قلوب المشاهدين، تشهد التسجيلات الصوتية التي سجلت في نهاية أربعينات القرن الماضي، والخاطرة التي كتبها أعضاء الوفد البرلماني الإنكليزي في كتاب زوار المسرح وأشاروا فيها إلى ذلك ، حيث ذكروا : ” نعتبر عرض مسرحية “عطيل” من أفضل العروض، فهي لون خاص أعطاه للعرض المسرحي دور نبي رحيموف. ونعبر له عن فضل انطباعنا وانبهارنا”.
    ويضم المتحف الكثير من المعروضات التي تتحدث عن أساتذة الفنون المسرحية الأوزبكية العظام ، ومن بينهم:لطف الله نازرو للاييف، وعابد جليلوف، وعالم خوجاييف، وشكر بورخانوف، وغني أعظاموف، وأمين توردييف، وحكمت لاتيبوف، وزاكر محمدجانوف، وزينب صدرييفا،وغيرهم الكثير . 

    ولم تزل الخبرات القيمة التي شاركت بفنون التمثيل والإخراج المسرحي محفوظة في المتحف حتى اليوم، وتضاف إليها الأعمال الإبداعية للفنانين المعاصرين.
  وتشغل الصور الفوتوغرافية الكثيرة واللوحات المتعلقة بأشهر المسرحيات التي قدمها المسرح خلال 100 عام من تاريخه مكانة لائقة بين معروضات متحف المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي، وهي شاهد على البرنامج الغني للمسرح، والحرفية العالية للمخرجين، وفناني الماكياج، والديكور، وغيرهم من العاملين في المسرح، وشاهد على التصفيق الحاد للمشاهدين.
     إن الاطلاع على هذه المواد يجرك بحنين لتلك الفترات البعيدة ؛ ليعيش المشاهد مع لمحات سريعة تصور الأبطال المسرحيين، وتدفعهم للتفكير بهم والإحساس بهم، لأنه لابد من أن يشعر كل مشاهد مع كل صورة من الصور الفوتوغرافية بمشاعر وأحاسيس الممثلين العظام في تلك الفترة.
وخلال التاريخ الدرامي للمسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي قدمت على خشبته مسرحيات: “المكر والحب”، و”المفتش العام”، و”فرهاد وشيرين”، و”هاملت”، و”عطيل”، و”يوليوس قيصر”، و”علي شير نوائي”، و”سوزاني الحرير”، و”ابنة الغانج”، و”ميرزة أولوغ بيك”، و”القيصر أوديب”، والكثير، الكثير غيرها من المسرحيات الدرامية.
      وفي نهاية سبعينات القرن الماضي قدم المسرح عدة عروض، عكست الطابع القومي للشعب الأوزبكي. ومن أشهرها كانت مسرحية “انتفاضة الكنائن” التي أعدت من النص الكوميدي الذي كتبه س. أحمد. واستمر عرضها بنجاح طيلة 18 موسماً مسرحياً على التوالي. واستمدت أسباب نجاحها من أهمية القضايا التي تناولتها المسرحية، وتميز شخصياتها من خلال عكس الظروف الحياة اليومية، واستخدامها لعناصر المسرح الشعبي.
      وبعد حصول أوزبكستان على الاستقلال، بدأت مرحلة جديدة تماماً في تاريخ المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي. وبموجب قرار رئيس الجمهورية الصادر بتاريخ 21/9/2001 حصل المسرح على اسمه الحالي مع صفة “قومي” وحصل في المرحلة الراهنة من تطوره على حرية في وضع برنامجه المسرحية، واستقلاله ، فضلا عن تعدد أشكاله التنظيمية، إضافة للجهود التي بذلت لتلائم تقاليد المسرح القومي الأوزبكي مع منجزات الثقافة المسرحية العالمية…
      وقالت فنانة الشعب الأوزبكستاني توتي يوسوبوفا: تاريخ مسرحنا، يمثل مرحلة كاملة من الفنون المسرحية في البلاد، ويقع على عاتق الشباب، الحالمين بالمسرح واجب دراستها، ودراسة أعمال أساتذة الفن الحقيقيين ،ودراسة الأدوار التي أدوها ،ودراسة تطور المسرح الدرامي خلال 100 عام ،وعندها فسوف يحصل الممثلون والمخرجون الدراميون الشباب على أجوبة لأسئلتهم الكثيرة، وليكونوا مستعدين للحياة والعمل من أجل الفن.
       وفي الألبوم الذي صدر بمناسبة مرور 100 عام على المسرح أشير إلى أنه : من دون شك تفتح خلال العام الجاري صفحة جديدة في تاريخ الفن المسرحي القومي الأوزبكي. وتنفيذاً لقرار قائد الدولة “الاحتفال بمرور 100 عام على تأسيس المسرح الأكاديمي القومي الأوزبكي” الصادر بتاريخ 22/1/2014 ، جرت استعدادات واسعة للاحتفال بهذه المناسبة.

وفي إطارها جرت أعمال ترميم وإعادة تصميم مبنى المسرح ومتحفه،كما جري تصوير فيلم وثائقي عن حرم الفنون المسرحية هذا، وستضاف للفيلم مقتنيات متحف المسرح، إلى جانب ما يحتفظ به حتى اليوم في أرشيف مؤسسة السينما الأوزبكية، وأرشيف التلفزيون الأوزبكي، وغيرها من المواد الجيدة لهذا الفيلم.


    الأستاذ الدكتور محمد البخاري مواليد دمشق 1948، يحمل دكتوراه في العلوم السياسية (DC)، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور ومحاضر بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وجامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية،وهو متقاعد حالياً.

شارك هذا العدد:

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design