تراث علماء الإسلام ينير الطريق

جورنال الحرية 

كتب : الدكتور محمد البخاري

 إحياء التراث الروحي والثقافي الغني الذي خلفه الأجداد العظام من الحضارة الإسلامية كان ولم يزل من أولويات السياسة التي اتبعتها أوزبكستان منذ الإستقلال في عام 1991 وحتى اليوم.
ومن أبرز الأمثلة على تلك القرارات التي أصدرها رئيس جمهورية أوزبكستان كان قرارات الإحتفال وتخلد ذكرى: الأمير تيمور، وميرزة ألوغ بيك، وبهاء الدين نقشبندي، وأبو القاسم الزمخشري، ونجم الدين كبرو، والإمام البخاري، وأحمد الفرغاني، والكثيرين الكثيرين غيرهم من أبرز قادة ومفكري وعلماء الحضارة الإسلامية.
وفي نفس الوقت أقامت المؤسسات العلمية الأوزبكستانية تعاون علمي وثقافي واسع على المستوى الدولي، أثمر عن تنظم لقاءآت علمية كرست لتخليد ذكرى قادة ومفكري وعلماء الحضارة الإسلامية، ومن بينها المؤتمر الدولي “التراث التاريخي لعلماء ومفكري الشرق في القرون الوسطى، ودورهم وأهميتهم في الحضارة المعاصرة” الذي نظم بمدينة سمرقند خلال يومي 15 و16/5/2014.
والأعمال والأبحاث الدؤوبة لفلاسفة، وأطباء، وعلماء، ماوراء النهر اطلعت العالم على مفاهيم واضحة عن علوم القرون الوسطى. وعلى سبيل المثال مؤلفات: أبو نصر الفارابي، والبيروني، وابن سينا، وأحمد يسوي، وعلي شير نوائي، وبهاء الدين نقشبندي، ونجم الدين كبرو، وغيرهم من العلماء الذين أضحت مؤلفاتهم بمتناول الإنسانية كلها مترجمة إلى اللغات الأخرى.
ونتيجة لحرص علماء الدراسات الشرقية، والمؤرخين، والناقدين الأدبيين، جرت في أوزبكستان خلال السنوات الماضية أبحاثاً محددة شملت مجالات دراسات التراث الثقافي للشعب الأوزبكي. ولم يزل المعاصرون حتى اليوم يدرسون تراث أجدادهم التاريخي، ومع ذلك لم يزل هناك الكثير من الأعمال التي يجب القيام بها في هذا المجال الهام، لأن صفحات كثيرة من تاريخ ما وراء النهر لم تزل غير مدروسة. ومن بينها على سبيل المثال قضايا نشأة العلوم وتصنيفها، وتحديد دورها في حياة المجتمع المعاصر، وتاريخ الثقافة بشكل عام.
وتشير المراجع التاريخية إلى أنه كان في القرون الوسطى بما وراء النهر إنتاج زارعي متقدم واقتصاد مدن قائم على الحرف اليدوية المتنوعة. ودول قديمة، ازدهرت فيها الثقافة المادية والروحية الغنية. ومما يثبت ذلك الكتابات، ونماذج الفنون التطبيقية والسيراميك، والمباني، واللوحات الجدارية، ومختلف الآلات الموسيقية: الصغديانية، والأورخانية، والخوارزمية، المنتشرة حتى اليوم في أنحاء آسيا المركزية.
ومن المعروف أنه ازدهر منذ بداية القرن التاسع الميلادي في بغداد بيت الحكمة الذي أسسه الخليفة المأمون، وبيت الحكمة يعادل في أيامنا هذه أكاديمية العلوم. وكان بيت الحكمة آنذاك مزوداً بمكتبة ضخمة، وخزائن كتب متنوعة، ومرصد لأبحاث علم الفلك. وورد في المراجع العلمية أنه دعي لممارسة النشاطات العلمية والترجمة فيه عدد كبير من علماء مختلف مناطق الخلافة الإسلامية آنذاك، وأن العلماء أعاروا فيه اهتماماً كبيراً لدراسة الإنجازات العلمية التي حققها علماء اليونان، والهند. وكان من بين العاملين في بيت الحكمة آنذاك كوكبة من العلماء جاؤا إليه من ما وراء النهر، ضمت أبرز عقول تلك المرحلة ومن بينهم: محمد بن موسى الخوارزمي، وأحمد بن محمد الفرغاني، وحبش الحاسب الماروازي، وغيرهم.
وإسهامات كبيرة قدمها كبار علماء ما وراء النهر آنذاك للتطوير الروحي، وتطوير العلوم الإسلامية، ومن بينهم كان: الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والأشعري، والمعترضي، وبرهان الدين المرغيناني. وتطورت العلوم الدينية جنباً إلى جنب مع تشكل وتقدم العلوم الطبيعية، والأفكار الفلسفية، والأدب، والفنون، وعلم الأخلاق. وتشير المراجع إلى أن المرحلة الإسلامية بدأت بشكل مبكر، وحصلت على تقدمها وازدهارها في القرن العاشر الميلادي.
وطور علماء ما وراء النهر آنذاك علوم اللغات وقواعدها (وخاصة اللغة العربية)، والمصطلحات الفلسفية، ووضعو أسساً للفقه والشريعة الإسلامية، وأغنوا أهم المنجزات الفكربة في الرياضيات، وكانوا آنذاك ينظرون إلى الجبر كعلم قائم بحد ذاته. كما أبدوا اهتماماً كبيراً لقياس محيط الكرة الأرضية بدقة بالغة، ووضعوا حلولاً جديدة لمسائل تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية. بالإضافة للأبحاث الإيجابية التي أغنت اتجاهات علمية مثل: التاريخ، والأدب، والموسيقى، وغيرها من المعارف الإنسانية.
ورافق التقدم السريع للحياة الروحية في المنطقة آنذاك ظهور عدد ضحم من المقالات التي طورت مختلف الإتجاهات العلمية. مما يسمح لنا بتسمية هذا العصر وبحق عصر العلماء الموسوعيين العظام، وعمالقة الفكر، والشعر، ومن بينهم كانت أسماء لامعة، مثل: محمد بن موسى الخوارزمي، وأبو يعقوب الكندي، وأبو بكر الرازي، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وأبو علي بن سينا، ومحمود القشقاري.
ومن مقارنة لثقافات القرون الوسطى في أوروبا بتلك المرحلة التاريخية نرى أن نجاحات العلماء الموسوعيين العظام في العالم الإسلامي وعمالقة الفكر والشعر كانت كبيرة جداً.
وكتب العالم الإنجليزي ج. بيرنال في مؤلفه “العلم في تاريخ المجتمع” أنه في الوقت الذي كان “القسم الأكبر من أوروبا يعاني من الفوضى، الناتجة عن سقوط الإمبراطورية الرومانية…، كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة رائعة من الإزدهار”.
وفي معرض إشارته إلى منجزات العلماء المسلمين في العلوم الطبيعية، كتب: أن “العلماء المسلمين… أقاموا علوماً حية متطورة… واستخدموا باستمرار خبرات الدول المتقدمة الأخرى، فارس، والهند، والصين، وتمكن العلماء المسلمون من توسيع الأساس الضيق للعلوم اليونانية في الرياضيات، والفلك، والطب. وتمكنوا من وضع أسس علم الجبر وعلم المثلثات، والبصريات. وتوصلوا إلى نجاحات علمية هامة في الكيمياء. وفي هذه المجالات توصلوا إلى نتائج أساسية من خلال التعامل مع النظريات القديمة، مضيفين إليها خبرات جديدة مكنتهم من وضع علوم جديدة وتقاليد علمية جديدة”.
والنهضة الثقافية العظيمة في ما وراء النهر، بدأت خلال القرن التاسع الميلادي على أرضية تقدم الاقتصاد، والزراعة وفنون الري، والتجارة، وازدهار بناء المدن في العالم الإسلامي. ولهذه الأسباب وتحت تأثير التقاليد العريقة التي اتبعها العلماء الذين عاشوا خلال الفترة الممتدة من القرن التاسع وحتى القرن الحادي عشر الميلادية، توصلوا إلى حدود متقدمة على المستوى العالمي. ويكفي أن نذكر أعمال الخوارزمي الأساسية في الجبر، والألغاريتم؛ وأعمال الفرغاني عالم الفلك ومخترع أحدث جهاز لقياس مستوى المياة في نهر النيل “مقياس النيل” آنذاك؛ وكتاب الفيلسوف وعالم الطبيعة الكبير الفارابي الذي درسه دانتي مترجماً إلى اللغة اللاتينية؛ والجغرافي البخاري جيهاني مؤسس إتجاه كامل بالجغرافيا في الشرق الإسلامي؛ وابن عراق عالم الفلك والرياضيات من خوارزم؛ وتلميذه النابغة أبو ريحان البيروني، الذي كان أول من صمم كرة أرضية في العالم.
ونعتقد أن الجميع يوافقونا في أن العلماء الذين نشأوا وترعرعوا على أرض ما وراء النهر حملوا شعاع نور المعرفة إلى الشعوب الأخرى في جميع مجالات العلوم في تلك المرحلة التاريخية الهامة في حياة البشرية، ولم تزل أهميتهم الكبيرة باقية حتى اليوم.

من هو الدكتور محمد البخاري ؟
مواليد دمشق 1948. يحمل دكتوراه في العلوم السياسية (DC)، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور ومحاضر بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وجامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية، وهو متقاعد حالياً.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design