متحف “قلب كيب تاون” بجنوب أفريقيا

جورنال الحرية 

كتبت : نسمة سيف 

    تشهد زراعة الأعضاء البشرية يوميا تطورات متلاحقة ، ولكن بداية النجاح في هذا المجال والفضل في نجاح هذه العمليات المعقدة يعود إلى تجارب الأطباء الأوائل الذين خاضوا مغامرة إجراء هذه الجراحات ، التي لم يكن يؤمن بها مجتمعاتهم في ذلك الوقت،  ولعل أدق هذه العمليات هي جراحات زراعة القلب وكانت من أهم قصص النجاح في مستشفى كيب تاون في جنوب أفريقيا عندما نجح الطبيب كريستيان نيثلينغ برنارد في إجراء أول عملية زراعة قلب بشرى في مستشفى كيب تاون.
     وقد شكّل ذلك  لحظةً محوريةً في التاريخ الطبي، وحدثاً استحوذ على العناوين الرئيسة  في مختلف صحف العالم، مما  حوّل برنارد إلى واحدٍ من مشاهير الكرة الأرضية بين عشية وضحاها.

والآن، تُروى ببراعةٍ ودقةٍ قصة الجهود التي أفضت إلى حدوث هذا الإنجاز،  وكذلك ما تلاه من أحداث، في الأماكن عينها التي شهدت ذلك الحدث، في المستشفى الواقع بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا.

    فهناك وبين جدران هذا الصرح الطبي، الذي يشكل أحد أكبر المستشفيات الحكومية في جنوب أفريقيا، أُسِسَ متحف يحمل اسم “متحف قلب كيب تاون”، على يد هَني يوبارت الذي يتولى إدارته أيضا، ويصفه بأنه “ليس مجرد متحف، لكنه المكان الذي شهد حدوث كل شيء”.
  وإذا زرت ذلك المتحف اليوم، فلن يخلو الأمر من رؤيتك للممرضين المنهمكين في العمل ، والأشخاص القادمين لعيادة مرضاهم، فبجانب كون هذا المكان “موقعاً تراثياً”، فإنه لا يزال يمثل ساحةً محمومةً للعمل الطبي، ويمثل كذلك المستشفى التعليمي الرئيسي التابع لكلية الطب بجامعة كيب تاون.
      ولطالما خلب كريستيان برنارد وجراحته الشهيرة لزرع القلب لب يوبارت منذ أمدٍ طويل. فقد ارتبط والده بعلاقة صداقة مع هذا الجراح البارز خلال دراستهما معاً في جامعة كيب تاون. كما عملا مُمارسيْن عاميْن في بلدةٍ زراعيةٍ صغيرةٍ، قبل أن يدخل برنارد عالم الجراحة.

ولذا باع يوبارت في عام 2006 مؤسسةً كان يمتلكها وتتخصص في علم الأورام، وافتتح المتحف في العام التالي؛  لإحياء ذكرى مرور 40 عاماً على إجراء الجراحة. ويقول الرجل ضاحكاً: “قلت لزوجتي سأقيم متحفاً بأي وسيلةٍ ممكنةٍ”.

   وعلى مدار السنوات الماضية، أنفق هذا الرجل من ماله الخاص أكثر من ثمانية ملايين راند (ما يوازي 573 ألف دولار أمريكي) على المشروع، من أجل تجديد وترميم غرفتيْ العمليات المرتبطتين بذلك الحدث، وشراء تذكاراتٍ متعلقةٍ به، وتجهيز أماكن لعرض هذه التذكارات
وعبر سبعةٍ من أماكن العرض، يتتبع المتحف المسيرة التي قطعها برنارد وأوصلته في النهاية لدخول تاريخ الطب، كما يتضمن الأبحاث الطبية التي جرت في شتى أنحاء العالم حول مسألة زرع القلب البشري، والمنافسة التي دارت في هذا المضمار، وهي كلها عوامل مهدت الطريق نحو إجراء أول جراحة لزرع القلب في عام 1967.

  ومن الجدير بالذكر أن كريستيان برنارد لم يكن جراح القلب الوحيد الذي يرغب في أن يُسَطّر اسمه في كتب التاريخ عبر المضي في هذا الدرب.، ففي الولايات المتحدة، قضى الطبيبان ريتشارد لاور ونورمان شومواي سنواتٍ طويلةً في أواخر الخمسينيات وخلال ستينيات القرن الماضي، لإتقان جراحات زرع القلب للكلاب. وقد اعتمد برنارد بشكلٍ كبيرٍ على أبحاثهما والوسائل التي اتبعاها في التجارب التي أجراها على الكلاب أيضا في جنوب أفريقيا.

  وفي تناوله لهذه التجارب المبكرة التي حدثت في ذروة حقبة الفصل العنصري والعزل العرقي التي شهدتها جنوب أفريقيا، يتطرق المتحف إلى الدور الحيوي الذي لعبه سود البشرة والمنحدرون  من أصولٍ عرقيةٍ مختلطة في المساعدة على تحقيق هذا الإنجاز الطبي التاريخي.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design