قرأتُ إليكم “هروبي إلى الحرية”

عاطف البطل يكتب :

    لا شك أن تلك الفكرة راودتني منذ فترة ، وهي فكرة قراءة كتاب ثم أعرض ما جاء فيه أمام أعينكم ، وعلى مسامعكم ، فلعل فيه الفائدة المرجوة ، والهدف المنشود ، في وقت قد نزعم فيه أننا لا نجد متسعا من الوقت للقراءة ، رغم أنها تعطينا أكثر من حياة كما قال أستاذنا العقاد -رحمه الله :((لستُ أهوى القراءة لأقرأ وإنما أهوى القراءة لأنها تعطيني أكثر من حياة )).

     ولا أجد نفسي مبالغا أبدا ، إذا قلت أن القراءة صارت عند بعضنا كالطعام والشراب بل  عند بعضنا الآخر كالهواء الذي يتنفسه ، ولا عجب ولا غرابة في ذلك ، فكيف لا ، وأول كلمة نطقها الوحي هي كلمة اقرأ ، موجهة إلى رسولنا العظيم – صلى الله عليه وسلم .

وموعدنا اليوم مع كتاب ” هروبي إلى الحرية ”  من هو مؤلف كتاب هروبي إلى الحرية؟؟

     مؤلف هذا الكتاب هو  علي عزت بيجوفيتش  المولود عام 1925، وقد سجن بين عامي 1946 و1949، ثم حكم عليه بالسجن عام 1983 لمدة 14 عاما، ولكنه أفرج عنه عام 1988، وأنشأ عام 1989 حزب العمل الديمقراطي وكافح لأجل استقلال بلاده ،  وكان أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك .

مصدر الإلهام : كان السجن هو مصدر الإلهام  حيث تناول الكاتب في كتابه ماحل به في الفترة التي كان يقبع فيها في السجن وما تعرض له من شدائد ، حيث مكث في سجنه خمسة أعوام من 1983/1988، كانت تتوارد عليه الخواطر والأفكار  ومن ثم كانت نواة لكتابه ((هروبي إلى الحرية ))

، حيث جمع علي عزت بيجوفيتش  خلاصة أفكاره فيه، بل قام بحشد كثير من الأفكار والتأملات والاعتقادات في موضوعات منفصلة ، تحدث فيها  الحرية والناس والدين ..إلخ

فكرة الكتاب : يعالج الكتاب عدة موضوعات من مثل   :الدين و الديمقراطية و الشيوعيةوالأدب و الفلسفة ، كما سوف نرى في محتواه والذي جاء في ستة فصول كالتالي :

الفصل الأول :عن  الحياة والناس والحرية.

الفصل الثاني : عن الدين والأخلاق .

الفصل الثالث : خواطر سياسية.

الفصل الرابع :على هامش كتاب الإسلام بين الشرق والغرب .

الفصل الخامس :الشيوعية والنازية .

الفصل السادس : أفكار حول الإسلام.

ثم ملحق بعنوان : رسائل من أبنائي .

الفصل الأول :عن  الحياة والناس والحرية ، ذكر الكاتب فيه أن قلبه لا يحمل الكراهية لأحد وأن الحياة غاية في ذاتها ولذاتها .

  • ثم تحدث عن هيجل وحديثه السيء عن الهنود والصينيين والسود ، ويرى الكاتب أن ذلك عنصرية واضحة ، كما أنه يرفض مبدأ التعميم .
  • قام بكتابة تعليقات وتلخيصات على شكل عناوين ذات حس انطباعى أو حدوتة أو حكمة أو ملاحظة ، وظهر من خلال ذلك ثقافته العلمية والدينية والسياسية .الفصل الثاني : عن الدين والأخلاق  ، في هذا الفصل نجد أن الكاتب استرسل في الحديث عن الدين والأخلاق، حيث نجده قد ذكر أن : أي دين له جانبان : العلم باعتبار أنه من عند الله ،  والتطبيق باعتبار أنه يحتاج للتطبيق من قبل الإنسان . فكل ما يتصف بالعظمة فهو من الله وكل ما هو خطأ وغير لائق فمن الإنسان والأخلاق لها فائدة كبيرة تتجاوز تحقيق النفع ؛ لأن مفهوم الأخلاق يتنافى مع النفعية ، فالأخلاق ترتبط دوما بالتضحية والمكابدة .ويرى المؤلف أن الأخلاق غير الحقيقية هي مجرد بلاهة ونفاق وعندئذ لا نجد أية تضحية .     ظهرت ثقافة المؤلف  واضحة من خلال إيراده لكثير من المقولات والنصوص المنقولة لعدد من المشاهير والعلماء في فنون مختلفة كما لم يغفل القرآن الكريم أو الكتاب المقدس حيث أورد بعض الآيات القرآنية التي تؤكد بعض أفكاره التي يؤمن بها  ، ويرى المؤلف أن الإخلاص لله هو الذي يحقق للإنسان كرامته الإنسانية  الفصل الثالث : خواطر سياسية: كتب بيجوفيتش عبارات سياسية عن أوضاع العالم من بينها : “الاختلافات الحقيقية بين الناس والمجتمعات والأنظمة السياسية ليست في الغايات، وإنما في الوسائل، ولذلك لا تسألوا كثيراً عن الغايات، لأن الغايات المعلنة ستكون دوماً رفيعة وحسنة، اسألوا عن الوسائل، أو تأملوا بها فهذا لا يخدع أبداً” .

    بدأ  المؤلف في هذا الفصل حديثه عن المذاهب الدينية السائدة في الأمريكتين وأوربا  حيث المذهب الكاثوليكي في أمريكا الجنوبية والمذهب البروتوستانتي في أمريكا الشمالية .

    ثم تحدث عن عقوبة الإعدام والعقوبات الجسدية بين مؤيد ومعارض ، ثم بين أنه يؤيد كل ما جاء به الله من أحكام رادعة للإنسان غير الملتزم. وذكر المؤلف أن قراءة كتب التاريخ لا تكفي في الحكم على أمة ما بالإيجاب أو السلب . أنه قد تنشأ أحيانا نتائج إيجابية من دوافع أنانية وتنشأ نتائج سلبية عن دوافع أكثر نبلا وضرب مثالا على ذلك بإنشاء الولايات المتحدة لدولة ليبيريا  .

      وأكد أن الديكتاتورية شيء لا أخلاقي حتى عندما تمنع الشر ، والديمقراطية شيء أخلاقي حتى عندما تسمح بحدوث شر ، فالسلوك الحر وحده هو السلوك الأخلاقي .وفيما يتعلق بالقوانين ذكر المؤلف أن مبادئ الدولة أو النظام يجب أن يستمد من روح الناس .

        ثم تحدث عن  عدة أمور من مثل : التغييرات الاقتصادية بعد الثورة الصناعية و تحقيق بعض الشركات أرباح معينة وخسارة البعض ثم عمل المرأة خارج المنزل وإدخالها في عملية الإنتاج وإدمان المواد الكحولية في بعض البلاد مستشهدا في ذلك كله بالأرقام والإحصاءات وبعض آيات القرآن الكريم التي استشهد بها في سياقها المناسب .

    الفصل الرابع :على هامش كتاب الإسلام بين الشرق والغرب.

  • ذكر المؤلف أنه يوجه حديثه في هذا الفصل للقارئ الذي لم يقرأ شيئا عن كتاب الإسلام بين الشرق والغرب وقد قدم مضمون الكتاب باختصار كالتالي :
  • الأفكار الأساسية في ذلك الكتاب تدور حول ثلاث رؤى للعالم : الرؤية الدينية والرؤية المادية والرؤية الإسلامية ، ثم تطرق للمنهج العلمي الذي يؤدي إلى إنكار وجود الله والإنسان ثم تحدث عن حقيقتان في العالم الغربي حول الإنسان يمثلهما داروين ومايكل أنجلو وكلاهما مختلف عن الأخر
  • تحدث عن قضية الإجهاض والخلافات التي أثيرت حولها ما بين مؤيد ومعارض .
  • تحدث عن الثقافة والحضارة وعرض أراء هيجل حول ذلك ، كما لم يغفل أن الثقافة الإسلامية بدأت عندما نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
  • تحدث عن المسيحية وكيف رفعت الإنسان إلى مقام الله (( الإنسان الإله )) وكانت مهمة الإسلام هي إبطال ذلك الإثم والإلحاد حيث تعتبر المسيحية عيسى النبي إلها وحاشا أن يكون ذلك بل هو نبي مرسل .
  • تحدث عن إسهام الثقافة اليونانية والرومانية في ظهور الكنيسة التي أصبحت ذات طبيعية عقلانية وأصبحت القيم المسيحية مقلوبة في مؤسسة الكنيسة .
  • ذكر المؤلف أن الإسلام وحده هو الذي جمع بين الدين والدنيا وأن النبي محمد نجح في رسالته ثم تعرض لرفض القرآن لألوهية المسيح .
  • ذكر أن الفن ذو طبيعة دينية ولو لم يكن الفنان كذلك ، وضرب أمثلة على ذلك من مثل : بيكاسو وشاجال .
  • ثم ذكر أن الوسطية ليست دونية وأن الإسلام دوما يقف في الوسط وضرب مثلا لذلك بموضوع الزواج الأبدي عند الهنود الأمريكيين الحمر في حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم (( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ))الفصل الخامس : بين الشيوعية والنازية  ، وفي هذا الفصل نجد أن المؤلف ذكر بعض الحقائق التي لا يمكن أغفالها ، وأورد عناوين عدة لمقالات في صحف عالمية وغيرها تبين مدى قسوة الشيوعية السوفيتية والنازية الألمانية والذي راح ضحيتهما ملايين البشر نتيجة للحروب والقتل والدمار . ذكر أن الثورة الثقافية في الصين كانت مصحوبة بأشكال غير مسبوقة من الإرهاب والقتل وحظر الكتب غير المجازة رسميا وأنه كانت هناك نزعة تدميرية ما بين عام 1966و1976 .      ثم تحدث عن أدب المعتقلات في القرن العشرين في معسكرات هتلر وستالين  حيث كانت معسكرات هتلر غاية في الوحشية قائمة على علم شيطاني حيث التعذيب في أقصى صوره في حين كانت معتقلات الروس تمارس الوحشية من أجل الوحشية لذلك وجدنا المعتقلين يلحقون الأذى بأنفسهم رغبة في دخول المشفى والهروب من هذا الجحيم .وكل هذه المعتقلات وغيرها تمثل إهانة بالغة للحضارة الغربية.

         أورد الكاتب كثير من الأرقام والإحصاءات من مصادر متعددة تبين ضحايا النظام الشيوعي في الصين والاتحاد السوفيتي وكذلك في الغرب وتحدث عن الاحتكار الحزبي للوظائف في الاتحاد السوفيتي وما يتبعه 

    الفصل السادس : أفكار حول الإسلام ،قام الكاتب في هذا الفصل بعرض عدد من الأفكار حول الإسلام وملاحظات تاريخية ، بادئا كلامه بأنه يجب أن نتحدث عن الخسائر التي ألحقناها بأنفسنا فهذا هو بداية الطريق الصواب .

       تحدث عن الصوم والنظافة والصلاة وربط ذلك بالوقت واحترامه حيث قال : ((لماذا لا تكون الشعوب التي تقوم صلاتها على النظافة والوقت، مثالا للنظافة والدقة ))

         ثم ذكر أن القرآن والإسلام هما الوسط الذي يعيش فيه العالم كما يعيش السمك في الماء وذكر أن الإجماع في الإسلام هو الاتفاق الجماعي في الرأي ،تحدث عن عتاب القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم في سورتي عبس والتوبة الآية 43

         ثم تحدث عن الشريعة والتشريع في فترة الأمويين والعباسيين ثم تحدث عن التيار العقلاني والصوفي والكلامي والفقهي ، تحدث عن بعض الطرق الصوفية التي أقامت نظاما للأولياء وقدست الأضرحة، ثم أتبع ذلك بقوله أن الإسلام السني هو دين الإجماع بينما الإسلام الشيعي هو دين السلطة (( الإمامة ))

    ثم وجدناه يتحدث باستفاضة عن تاريخ الإسلام وما مر به ، والتحديات التي واجهته وما قامت به الحضارة الإسلامية من دور رائد عبر تاريحها المشرف ، وقال  عن الحاكم : “يجب طاعة الحاكم المخطئ طالما لم يصدر أوامر خاطئة” ، وقال : ” من الضروري إبراز أهمية الدين للحداثيين، وأهمية العلم للمحافظين” .

           وعن تاريخ الشعوب نقل المؤلف قول الجزائري عبد القادر محداد: عندما لا يكتب شعب تاريخه الخاص، فسيفعل ذلك الآخرون ولكن بطريقتهم الخاصة.
    و  أخيرا قال مؤلف هذه المذكرات : “عقيدة الطاعة المطلقة للحاكم قادت تدريجيا إلى انهيار الحضارة الإسلامية”
    رسائل من أبنائي: جاء هذا العنوان الأخير من بين عناوين الفصول،حيث أورد الكاتب الرسائل التي كان يتلقاها من أبنائه الثلاثة خلال فترة السجن ، هذه الرسائل إنما تؤكد حب الأولاد لأبيهم وتبين مدى المشاعر بينهم وبين أبيهم ، حيث ظهر ذلك جليا من التفاصيل التي عرفناها ونحن نقرأ تلك الرسائل   .
    وتبقى كلمة أخيرة بخصوص هذا الكتاب الذي بين أيدينا  حيث إننانجد أن مؤلفه :

  • سعى إلى الهروب الروحي والفكري حيث تحرر من همه الشخصي ليصبح هما عاما ،  ولهذا نستطيع أن نقول أن الكتاب موجه لجميع البشر .
  • الكاتب شخص مثقف واع حيث نجد الكثير من خواطره تستدعي الكتاب المقدس والقرآن الكريم والأحاديث النبوية ومأثورات التراث الإسلامي وغيرهم .
  • الكاتب يقدر الحياة جيدا ويربطها بأداء رسالة ولهذا نجده يلوم هيجل على عنصريته الواضحة
  • الكاتب يرى أن احترام فردية الإنسان وكرامته هو جوهر الدين والأخلاق .
  • كشف الكاتب كثير من المفارقات في أحكام الناس على أنفسهم وعلى غيرهم وظهر من خلال ذلك ثقافته الواسعة .

       لهذا كله وغيره أنصحكم بقراءة الكتاب وقراءته بتمهل أكثر من مرة . خالص التحايا لكم.

لقراءة موضوعات الكاتب عاطف البطل اضغط هنا

 

 

 

 

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design