الشعر في المشهد العراقي

 جورنال الحرية

تحقيق /علي صحن عبدالعزيز

خمس أسئلة وأربع عشرة إجابة للشعر في المشهد العراقي ما الجديد فيها ؟ …. وما أثرها على المتلقي …وكيف تنظر إلى مستقبلها ؟ وما الذي يلفت نظرك في القصيده الآن ؟ وهل استطاعت أن تنقل هموم الناس والواقع والوطن بصورة واضحة وشاملة وتتفاعل معهم ؟

 

 كثيرة هي أصبوحات الشعر التي تقام في المركز البغدادي الثقافي في المتنبي وغيرها من الأمسيات الثقافية في بقية المحافظات ،وهي تحاول أن تحدد مسيرة ورؤية جديدة للمشهد العراقي ،  وخصوصا ما بعد عام 2003 .
 في هذا الاستطلاع حاول (جورنال الحرية ) أن يأخذ رأي أربع عشر شاعر ا وناقدا  لأجوبة تحمل في بعض جوانبها طابع النقد ،وآراء أخرى ترمي الكرة على الشعراء أنفسهم ، ومهما تكن تلك الآراء الواردة فإنها جاءت من نخبة شعراء معاصرين ، وكتاب أغنية لهم أثرهم البارز والمبدع في مسيرة الشعر العراقي .


السباحة على السطح :
الشاعر حسين جبار محمد : الشعر هو الشعر في كل عصر وإن إختلف الشكل  ، جديدهُ النزول إلى اليومي والمباشر،البعض نزل إلى الاستسهال حد الأذى ،والبعض حافظ على جمال اللغة الشعرية ورمزيتها ، والتشكيل في الصورة الشعرية ، والنحت في كيان اللغة ،وإن اختلف الشكل واستجدّ الرسم .
   فإنه منجز إنساني يسير مع هذا الإنسان في رفعته ونكوصه ، سيميل إلى الاختزال أكثر ،لكن الشعر سيبقى مابقيت الروح ،أما الملفت في الشعر المعاصر هو أقلُ القليل ،الأكثرُ الأعم يسبح في السطح أو قريبا جدا من سواحل جرداء ،وهناك قلةٌ مدركة تمسك شاعريتها المعلقة بسماوات الصورة والسائرة مشياً على الأقدام في دروب وطنها بكل غبارها وأدرانها ، بكل زهورها ،ملتقطةً من اليومي أبهى الصور وأبقاها .


كثرة الترميز :
  طاهر سلمان /شاعر وكاتب أغاني : بالنسبة للشعر الفصيح غُلب عليه قصيدة النثر ، وكثر شعراؤها بحالة ملفتة للنظر، أعتقد بسبب عدم التزامهم بقواعد العروض وبحوره ،مما سبب كثرة من يكتبونه ،  وهو مكتوب للنخبة ، وليس لعامة الناس، لأنهم لا يفهمونه لكثرة الترميز في القصيدة ، ولا أعتقد أنه أثر إيجابا في أغلب الناس، أما الشعرالشعبي فليس أوفر حظاً من الشعر الفصيح؛ لأن الشعراء على كثرتهم اتخذوا طريقة إكثار الصور في القصيدة مبتعدين عن الموضوع، وهذه مشكلة رغم كثرتهم وخصوصا جيل الشباب، وهناك الندرة منهم من يلتزم بالموضوع، والمشهد الثقافي بات لا يمت بصلة للناس ليس ما تعودنا سماعه من الرواد وقصائدهم الراقية؛ لأنها كانت ذات موضوع إنساني وواضح يؤثر في الناس .


قصائد غير مستقرة :
    حامد حسن الياسري /شاعر : لاشك بأن الشعر العراقي الآن يعاني من ضياع شعرائه الجيدين  في تشتت عام ،تشهده بلدان العالم ؛ نتيجة الظروف الأمنية و السياسية التي حلت بالبلاد، وأما ما نتوقع لمستقبله فهو غير مستقر الآن ، وربما يتغير في الزمن القادم ،وقد استطاع  قسم منه أن ينقل هموم الناس والوطن إلى مناطق أخرى أكثر أمنا واسقرارا ،أما القصيدة الآن فإنها لا تزال غير مستقرة ومتزنة ؛ لأن الموهبة الشعريه ما تزال تعاني القلق و التشظي في ظروف هموم الشاعر ،و طبيعة حياته القلقة والمتشعبة.

جفوة ما بين الطرفين:
 ثامر الخفاجي /شاعر : إذا كنا نؤمن أن الشعر رسالة إنسانية ، فيجب أن تصل هذه الرسالة إلى الجميع بلا استثناء ، وعلى محتلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية ،ورحم الله نزار قباني عندما قال:(إن لم يصل شعري إلى راعي الغنم ويفهمه علي أن أعتذر منه) .

  والسؤال هل الشعر اليوم – بكل أجناسه – جدير أن يوصل هذه الرسالة ؟

    أشك كثيرا في ذلك ، فالتطور مطلوب ، بل ضروري في كل مجالات الحياة وفي مجال الشعر تحديدا ،وكنا نتمنى أن يكون هذا التطور نحو كلمة جميلة معبرةهادفة ،و هذه الهوة الواسعة والجفوة بين الشاعر والمتلقي قد سببه هذا الغموض الذي يكتنف النص الشعري ، والذي يمعن الشاعر الاستغراق فيه باسم الحداثة.

  وتأكيدا لما نقول هل يستطيع شعر الحداثة وما بعدها اليوم أن يجاري الشعر الشعبي ، حيث تسيَّد الساحة وأنشأ هذه العلاقة الحميمية بينه وبين الشارع ، بلغة بسيطة تحاكي عقولهم وخلجات نفوسهم وصور مستنبطة من واقعهم الذي يؤكده هذا التفاعل الإنساني الاحتفالي بين الشاعر الشعبي والجمهور عندما يلقي قصيدته ولا نجده عند شعراء الحداثة في مهرجاناتهم الفقيرة ، أقول للمحدثين : رفقا بلغتنا الجميلة إنها لغة القرآن.

مؤثرات خارجية:
الشاعر نوري مهدي الأعرجي : لقد أصبح الشعر المعاصر محاولة للخروج عن النمطية ومشاكسة ماهو سائد في اللغة التواصلية ، عن طريق مراوغته والفكاك من ناحية مستوى الأداء،  حيث يعمل على إذكاء فاعلية الخطاب الشعري وأنعاشها بالكثير من المفاجآت والتنويعات في أفانين القول الشعري، ومهما غامر الشاعر من خلال تقنيات جديدة ، ومهما نوع في اجتهاداته تبقى اللغة جهدا إبداعيا متجدداً ، ونظرتي مستقبله لا خوف من المستقبل مادام التجديد والتحديث يواكب متغيرات الحياة ، ويلاقي القبول والاستحسان من قبل الجيل المتلقي .

وما يلفت النظر في القصيدة المعاصرة في العراق ،أنهاجنحت  إلى استثمار الطاقات الدفينة في اللغة ، وإطلاقها بعيدا عن الأعراف المتداولة ،واتجهت إلى الاستخدام النثري ، وأصبح الشاعر متأثراً بالمؤثرات الخارجية والدخيلة على الشعر العربي،  بالرغم من أنه أصبح أكثر ارتباطاً بتاريخه وبيئته ووسطه البشري،  وأكثر انفتاحاً على شعرية الواقع وارتياده مناطق مهمة ، خرجت عن المنظور التقليدي.

كما استطاع أن ينقل هموم الناس والوطن، فلولا إمكانية الشعر نقل هموم الناس والوطن ، ومس أحاسيسهم ودغدغة مشاعرهم بصورة شاملة والتفاعل المستمر بينهم ، لما سمي شعراً ولأصبح مرثى عليه .


خطاب تغييري:
الشاعر سول عبد الأمير التميمي : يبقى الشاعر هو أهم الفنانين ، لأن الكلمات تستطيع إن توحي بانطباعات جميع الحواس من فكر وخيال ،والشعر هو أن تقول شيئا في الحياة والإنسان وتكون فاعلاً في نصك الشعري، مخترقا لعالم آخر ،داعيا بإحساس كبير أمام طبيعة المتغيرات ، أي على الشاعر أن يدرك ولا يشك في استدعاء ارتباطاته ، من خلال رسم وجها أو حالة موقف إزاء الحياةوالإنسان ، ويختار  له عالما نيرا هائلا يرسل أضواءه  من بعيد؛  كي لا تضيق به المسافات، وتثلج عظامه بردها .

ومايهمنا في الشعر أن يبقى في الساحة يتحدث ، ينبض يراقب ويخاطب الحياة بروحها وكائناتها ، ويكسر الحواجز … ، والشعر هو مجموعة من الصور على شكل كلمات وموسيقا، وهو خطاب تغييري وبلغة صادقة للتوصل إلى فن أدبي يرتقي بالإنسان ويترجم همومه في الحاضر والماضي ،في تفاعل حي من خلال براعة الشاعر ، والذي يجب أن يكون له قدرة في إبراز المدلول الإنساني وهذه من خصائص الشاعر .

اللغة ثقل الشعر :
الشاعر محمد شنيشل الربيعي : لا أحد له الحق في الحكم على ما يكتبه الآخرون بعد حقبة الدكتاتورية ‘ بعد أن كان كل شيء خاضع للرقابة ‘ والآن في الحقول المعرفية ومنها الشعرية بدأ الإنسان العراقي يهتم كثيراً بتسطير ما يجول ما في نفسه على الورق أو الحاسوب ‘ وهو غير مهتم لسياط الناقد أو الآخر الذي يوجه له اللوم إلا بحدود (الشاعرية) التي تنحصر في ثلة قليلة من فئات الشعراء ‘ ناهيك عن التطور المفهوم (الشعر )
فما زال الإنسان يتعاطى مع اللغة ‘ التي تشكل ثقل الشعر ‘ فهي كفيلة أن تخرجه من التقريرية إلى الشعرية ‘ ومن الأكسدة إلى الوضوح ‘ ومن السكون إلى الدربة ،ومادام الكون يتحرك بمفرداته ويتسع ‘ فكذا الإنسان يتحرك بعقله ويتسع في التعرف على الاستقراءات في كليتها المعرفية بوساطة وسائل الاتصال المتنوعة ‘ وذلك لتنمو مداركه وتتطور خبراته. 
الشعر قضية الإنسان الأولى التي حملها عند نزوله الى الأرض ‘ والفلسفة شكل شعري تحدث عنها الفلاسفة ومنهم (نيتشه)،  واللغة هي بيت الوجود على حد قول (هيدجر) ،فلماذا لا نحول النص السيء إلى نص جيد بواسطة القراءة ونقلب مفاهيم التفكيك ،اكتب أيها الإنسان ، فلا سلطة للآخرين عليك ، فأنت فيلسوف وفي عمقك المعرفي تكمن الفلسفة .


الكلمة المؤثرة :
عباس الرماحي /شاعر وكاتب أغاني : لم يكن الشعر المعاصر ينقل الصورة الحقيقية، مالمسناه من نقل هموم الناس ،ولم يكن بالشكل المطلوب  ليتضح أثره في الشارع العراقي ، قد يكون هناك إخفاق في عدة جوانب ولم يكن بالفعل المنشود،  مما جعلني أبحث عما قيل في الماضي حول الكلمة المؤثرة ، ونقل الواقع المرير الذي يمر به المجتمع العراقي ، حيث بدأنا نفتقد للكثير من القصائد الخالدة والرمزية الهادفة ،إنها نكسة شعرية ، وموت القريحة التي صنعت كثير من الشعراء والدليل مانراه ومانسمعه من قصائد لا تنشد للواقع بصدق .
عملية تثبيت:
الشاعر بلال الجميلي : -الجديد في الشعر المعاصر هو اتكاؤه أكثر على اللغة السردية بروح الشعر ،أما بشأن أثره على المتلقي ، فهذا ما حددته دور النشر ومعارض الكتاب من خلال نسبة الإقبال على نوع الكتب الشعرية ، والمستقبل الشعري سيستمر في عملية تثبيت تجربة الحداثة بصوره العديدة ونماذجه،
والملفت للنظر هو ظهور أشكال شعرية مكثفة بدقة كالهايكو بالنسخة العربية، وسيبقى الشعر المعاصر ينقل جزءا كبيرا من هموم الناس كونه نابع من حاجة الناس الحالية .
انحسار القصيدة العمودية: 
علي الحسون /شاعر : هنالك مقولة مشهورة للشاعر أحمد شوقي يقول فيها : “إذا كثر الشعراء قل الشعر “.

وهذا ما يحصل حقيقة في واقعنا الحالي حيث كثرة الشعراء وتنوع الكتابات في ظل ضوضاء النص النثري ، وانحسار القصيدة العمودية أفقد كثير من كينونة الشعر ، وأصبح عبثا بدون عنصر أساسي من ديمومته وهو المتلقي ،لذلك تجد الشعراء يكتبون لبعضهم البعض على عكس ما كان متبعا  سابقا على سبيل المثال، حيث كانت القصائد محفزا بل الشعراء هم العنصر الفعال في المظاهرات من خلال إلقاء الشعر الذي يطالب بالتغيير أو الحقوق للشعب ،أما بشأن مستقبل الشعر فأعتقد أنه غير مشجع ؛ لأن الشعر جزء من الثقافة التي هي تنحدر إلى مستوى غير مطمئن في كل المجالات ، وهذا ناتج عن وضع المجتمع .
أساليب متنوعة:
الناقد يوسف عبود جويعد : شهدت الساحة الأدبية حالة من التنافس الصحي بين أنماط الشعر، العمودي، التفعيلة، النثر، بشكل ملفت للنظر، وحالة انتعاش وغزارة في الإنتاج، فأحياناً تعتلي قصيدة النثر منصة الإبداع وتكون أكثر بروزاً وأكثر قرباً للمتلقي ، كون أن شاعر قصيدة النثر قدم أساليب متنوعة في هذا المجال، منها تلك التي تكون عالية الانزياحية، وأخرى التي هي قريبة من السهل الممتنع، إضافة إلى القصيدة التعبيرية التي تنضوي بين ثناياها حكاية، وأساليب أخرى يطول الحديث عنها، ثم تظهر قصائد عمودية تنتمي إلى عالم الحداثة والتجريب، وكذلك التفعيلة، وهذه المسافة  مازالت تدور في الساحة الأدبية، ولم يستطع  أي نمط من هذه الأنماط التسيد والظهور، وظلت الكتابات الشعرية متعددة ومتنوعة .

لمزيد من الموضوعات المتعلقة بالشعر اضغط هنا 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design