تأملات في الحداثة التشكيلية

جورنال الحرية
 كتب : محمد خصيف

     ارتكز رد الفعل التأسيسي الذي اعتمدته الحداثة الفنية بنسختها العربية على اتجاهين أساسيين:
الأول  : سعى إلى تكوين شخصية حداثية على النمط الغربي، بتبني الاتجاه التجريدي؛سعيا لإنقاذ المشهد الفني من التشخيصية التي عبرت الحدود مع المستعمر وفلوله ، ذلك أن “التجريد المتقادم والمتجاوز في الغرب، كان ينظر إليه كأسلوب جديد مرجح لتعطيل روتين الحياة الفنية ، لكن ألا يعد اتباع مسار التجريد نوعا من التبعية التي هي نوع آخر من الاستعمار؟

الثاني :  تشبث بالمحافظة على التقاليد و التراث، بصب تلك التقاليد في أسلوبية غربية، تجاوزها الزمن والتاريخ،  إلا أن كلا الاتجاهين، التجديدي والسلفي إن صح التعبير، وجد نفسه في متاهة أدت به في النهاية إلى الباب المسدود.
     كانت المحاولات جلها ردود فعل جريئة ،  لكنها رغم جرأتها وصدقها، بقيت ثقافيا ردود فعل مجردة من محتواها ومفاهيمها، مما ساعد على اختناق نصوصها واحتباس قراءتها .

            وما عاناه التشكيل كان معاناة تتقاسمها كل الأجناس الفكرية والمعرفية من قصة ورواية وشعر وفلسفة واجتماع وتاريخ وغيرها، لكن معاناة التشكيل كانت أشد وأعمق اعتبارا لخصوصياته،إذ هو لغة فوق اللغة، يستوجب ميتا لغة (Méta langage) لتشفيره وقراءته وولوج “عالمه المستقل”.

      إن اشكالية الاحتباس النصي والقرائي في التشكيل أعمق، حيث يمكن الحديث عن اختناق على مستوى الإبداع والنقد والقراءة والتأويل، ويمكن ملاحظة الاحتباس التي يجوز إسقاط مدلولها الأدبي على التشكيل، يمكن تلمس إرهاصاتها الأولى منذ انطلاق ما نسميه بالحداثة التشكيلية، التي هي في واقع الأمر “معطوبة” على حد قول الشاعر محمد بنيس ” إن كل خطاب يتناول الحداثة من خارج عمقها الفكري والإبداعي هو استعمال ظرفي يتحول إلى نقيض الحداثة بل يتحول إلى حداثة معطوبة”
      فالفنانون الذين أرسوا أسس الحداثة الفنية العربية منذ منتصف ستينات القرن الماضي، احتبست نصوصهم التشكيلية، إن صح التعبير، ولم يقطعوا- بمشوارهم ذاك- الحدود التي رسموها لأنفسهم، فبقيت حداثتهم “مشروعا لم يكتمل”.
    كان مشروعهم الحداثي مبنيا على مشاريع غربية تجاوزها الزمن والتاريخ ولم يكونوا واعين، أو كانوا متجاهلين للواقع المحيط بهم منبهرين شيئا ، ومندفعين بشدة نحو التأسيس لثقافة تشكيلية وطنية، فلم ينظروا إلى ما حولهم، إلى ما يدور في الساحة الفنية العالمية آنذاك، بل كانوا فعلا يعيشون احتباسا على مستوى النص التشكيلي، شكلا ومضمونا، قد أدى في نهاية المطاف إلى احتباس قرائي لدى جيل الفنانين الذين جاءوا بعدهم، وتشعبت صعوبة القراءة لدى جمهور المتلقين، سواء كانوا مثقفين أم لا، وظهرت «حالة سوء فھم مع المجتمع”، بسبب القيم الحداثية التي اتخذتها الحركة التشكيلية كمرجع فني وجمالي مما أوصلها الى الغوص في أعماق التكرار والاجترار.

   وأشير  هنا إلى أن القيم الحداثية وأقصد منها الأوربية ، إذ لم تتخذ كمرجعية شاملة، بما تحمله من قيم فلسفية ووجودية وإنسانية وغيرها.
       إن الحداثة الفنية في البلاد العربية وجدت نفسها منذ ولادتها وطيلة مسارها في مواجهة معوقات تعد بنائية “بنيوية “، أدت في آخر المطاف إلى تقويض المشروع الحداثي بأكمله، ويبقى أحد المعوقات الرئيسة ضغط رؤية الحاضر عبر الماضي، فعلى “الصعيد المعرفي ما زال المثقف العربي (والفنان التشكيلي) كما كان يستهلك معارف قديمة على أنها جديدة سواء كان مصدرها عربيا “خالصا” أم كانت من “الدخيل” الوافد، تلك كانت حالة الأمس وهي حالة اليوم.”
     عانت التجربة التشكيلية في الوطن العربي على مدى عقود من حقبتي النهضة والحداثة، من فقدانها لحرية كافية تساعدها على النمو والتطور وتحقيق مشروعها القاصد إلى التأسيس والتأصيل، وقد أكد ذلك غياب البنيات التحتية، قاعات العرض والمتاحف، وتذبدب السياسة الرسمية المتبعة لنشر الفنون التشكيلية وتعميمها، عن طريق المعارض واللقاءات الفنية والإعلام والبرامج التعليمية الهادفة إلى تربية الذوق وتهيؤ الناشئة لاستقبال الخطابات الفنية، نظريا وتطبيقيا.

     كما أدى ضعف الإطلاع على الفنون العالمية، إلى غياب الثقافة الجمالية البصرية وانتشار الأمية الأيقونية، فبصمت هذه الحالة المقلقة مسار الحداثة ومفاهيمها، والحقيقة أنها “إشكالية ذهنية وثقافية وحضارية بامتياز عالٍ، تمثلت بضعف البنية الفكرية والثقافية الموازية والضرورية لتطور الفن التشكيلي في الوطن العربي، بشكل متوازٍ ومتوافق مع تطوره في الغرب”

إن الإشكالية لا تعود فقط إلى غياب إرث تصويري متصل بالفنون العربية البصرية  كما يعتقد ، بل هي أعقد وأشمل من ذلك، إذ من الصعب “تفهم الأفكار والثقافات والتاريخ أو دراستها دراسة جادة دون دراسة القوة المحركة لها، أو بتعبير أدق دون دراسة تضاريس القوة أو السلطة فيها.. فالعلاقة بين الغرب والشرق علاقة قوة وسيطرة ودرجات متفاوتة من الهيمنة “المركبة”

    فالأمر يستلزم قراءة نقدية تأخذ مفاهيم مرتبطة بالحداثة وما بعد الحداثة وتحاول رصد تطبيقات تلك المفاهيم عبر التجربة التاريخية الفعلية بكل أبعادها، الفكرية والسياسية والاجتماعية والجمالية،فبالأمس طرح سؤال : “لماذا تقدم الآخرون وتأخرنا نحن ؟ ، وهو سؤال أصبح متجاوزا ويمكن تعويضه بسؤال أخر  “لماذا لم نتقدم نحن بعد ؟

   فالارتباط بمفاهيم وإيديولوجية التفوق الفكري الغربي المهيمن هو أساس إشكالية التقدم والتأخر والتخلف، وما يستتبعها من معايير ومقاييس باتت ضرورية لفهم حركة الواقع العربي،الفكري والحضاري والثقافي والاجتماعي، واستيعابها،  فإدوارد سعيد مثلا  يرى أن دراسة الاستشراق وتفحص آثاره الفكرية والثقافية وخطاباته ممكن أن تساعد على “تفهم المبحث البالغ الانتظام الذي مكن الثقافة الأوروربية من تدبير أمور الشرق وابتداعه”  ، ذلك أن “الاستشراق أسلوب غربي للهيمنة على الشرق وإعادة بنائه والتسلط عليه…والحديث عن الاستشراق إذا يعني الحديث أساسا عن المشروع الثقافي البريطاني الفرنسي”.

وخلاصة الكلام أن الشرق (كان) شبه اختراع أوروربي” ، وما يصدق عن الشرق يصدق على الوطن العربي، من المحيط إلى الخليج، بل على العالم الإسلامي برمته.

لقراءة مزيد من الأخبار اضغط على الرابط

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design