أكاديمية العلوم الأوزبكية مهتمة بمخطوطات الحضارة الإسلامية

كتبها/ أ.د. محمد البخاري

زاد اهتمام أكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان بعد تأسيسها عام 1943 مباشرة بمخطوطات الحضارة الاسلامية التراثية والعلمية. ولكن الاهتمام انحصر على النواحي الأكاديمية البحتة. وأنشأت الأكاديمية لهذا الغرض معهد دراسات المخطوطات الشرقية (الإستشراق) في نفس العام، واتبعته بجملة من الإجراءات الهامة التي وجهت للحفاظ على التراث المكتوب ودراسته وترميمه وإصلاح ما فسد منه بفعل الإنسان وعوامل الزمن، ودراسته. وقامت بالتوسع في جمع الجديد والمزيد من المخطوطات عن طريق الشراء المباشر من المواطنين، بعد أن زال الخوف من العقاب الصارم الذي كان يتعرض له كل من يعثر بحوزته على أي كتاب أو مخطوط إسلامي كتب باللغة العربية أو بالحروف العربية، كما كانت الحال في السنوات الأولى للسلطة السوفييتية بفعل السياسة المعادية للأديان، والتي كانت سبباً مباشراً لفقدان أعداد هائلة من الكتب المخطوطة التي اعتاد السكان المحليون الاحتفاظ بها في مكتباتهم الخاصة، واضطروا للتخلص منها عندما شنت السلطات السوفييتية حملتها الشعواء ضد الدين ورجال الدين، وأماكن العبادة في المناطق التي يسبطرون عليه من تركستان.
وللحصول على المزيد من المخطوطات، قام المعهد بتنظيم حملات سنوية، وأرسل بعثات من العاملين فيه إلى مختلف أنحاء الجمهورية، للبحث عن مخطوطات جديدة بقيت سليمة في حوزة السكان واقتنائها منهم عن طريق الشراء، وشملت جهود البحث والاقتناء في تلك المرحلة مخطوطات قديمة، ومطبوعات طبعت في المطابع القديمة بتقنية الطباعة على الحجر.
وتحتوي مكتبة المخطوطات بالمعهد اليوم على أكثر من 18 ألف مجلد مخطوط قديم، من بينها حوالي 40 ألف مجلد كتبت بالحروف العربية، وباللغات: العربية، والفارسية، والتركية، خلال الفترة الممتدة ما بين القرن الـ 10م والقرن الـ 20 م. إضافة لمجموعة كبيرة من الوثائق الرسمية، تضم أكثر من 3000 نسخة أصلية من الوثائق الرسمية، ووثائق الوقف الإسلامي، والدعاوي الشرعية وغيرها من وثائق الفترة الممتدة من القرن 15 وحتى مطلع القرن 20، بما فيها الوثائق الرسمية لإمارة بخارى، وخانية خيوة. ومن المجموعات التي كانت بحوزة فياتكين وغيره من المهتمين بالتراث المكتوب لمنطقة وسط آسيا. وأكثر من 30 ألف كتاب مطبوع على الحجر، وكتب أخرى طبعت بطريقة صف الحروف؛ من بينها مطبوعات صدرت في الهند، وإيران، وتركيا، وتتارستان، وغيرها من الدول. إضافة للمجموعة الكاملة لإصدارات مطابع آسيا المركزية، خلال الفترة الممتدة من سبعينات القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين وشملت ما صدر في مطابع كاغان في إمارة بخارى، وخانية قوقند، وسمرقند، وفرغانة (سكوبيليف سابقاً)، وطشقند، وخانية خيوة.
وبقرار من أكاديمية العلوم تم في عام 1999 دمح معهد حميد سليمان للمخطوطات مع معهد أبي ريحان البيروني، وسلمت للأخير مجموعة المخطوطات التي كانت بحوزة المعهد آنف الذكر وضمت نحو 25 ألف نسخة مخطوطة، و12.600 كتاب مطبوع على الحجر.
ومن المخطوطات النادرة المحفوظة في المعهد اليوم النسخة الأصلية من “تاريخ الطبري”، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفي عام 310هـ. 922م، والنسخة الأصلية لترجمتها إلى اللغة الفارسية ترجمها مترجم مجهول من بخارى؛ ونسخة من كتاب “تجارب الأمم” نسخ عام 595هـ، 1199م ، لابن مسكويه، المتوفي عام 420هـ، 1030م؛ و”التاريخ الكامل” لابن الأثير المتوفي عام 360هـ، 1232م؛ و”جامع التواريخ” لرشيد الدين بن عماد الدولة؛ و”تاريخ بخارى” لأبو بكر محمد بن جعفر النارشاهي؛ والنسخة الأصلية من مخطوطة “مهمان نامة بخارى” لفضل الله بن روزبهان؛ و”بابور نامة”. وفي الأدب: مخطوطات فردوسي، وسعدي، ودهلوي، وجامعي، وعلي شير نوائي، وجلال الدين رومي، وعمر الخيام، ومحمد بن سليمان فضولي البغدادي، والزمخشري، ومحمود القشقاري. وفي العلوم نسخ من مخطوطات أبو بكر الرازي، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وابن سينا، وياقوت الحموي.
وتقوم الكوادر العلمية المتخصصة في مجالات الدراسات العربية، والفارسية، والتركية، والهندية، والصينية، وخبراء مجربون لهم خبرة طويلة في مجال دراسات التراث الأدبي للحضارة الإسلامية ومخطوطاتها بمعهد أبي ريحان البيروني، وغيره من مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي في الجمهورية، ومن بينها جامعة طشقند الإسلامية الحكومية (حالياً أكاديمية أوزبكستان الإسلامية الدولية)، وجامعة ميرزة أولوع بيك القومية الأوزبكية، ومعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وغيرهم، بدراسة وتحقيق مخطوطات الحضارة الإسلامية، ومتابعة دراسة وتحقيق تلك الثروة الكبيرة من المخطوطات الإسلامية.
ومن المعروف أن عملية دراسة مخطوطات الحضارة الإسلامية في أوزبكستان بدأت في ثلاثينات القرن العشرين، خلال فترة حفظ بعض تلك المخطوطات في المكتبة العامة بطشقند، وبدأت بوضع وصوف علمية للمخطوطات فقط، وحتى عام 1943 تم إنجاز فهارس للمخطوطات من أربعة مجلدات. نشر المجلد الأول منها عام 1952، والمجلد الرابع في عام 1957. واستمر إصدار سلسلة الفهارس بعد تأسيس معهد الاستشراق حيث تم فيه إعداد سبع مجلدات أخرى من فهرس “مجموعة المخطوطات الشرقية”، وتم إصدار المجلد الأخير الحادي عشر عام 1987. وشملت المجلدات التي صدرت وصوفاً لـ 7574 مخطوطة، من بينها أكثر من 3000 مخطوطة أصلية تتضمن حوالي 40% باللغة العربية، و40% باللغة الفارسية، و 20% باللغة التركية. وتضمنت الدراسات الوصفية التي قامت بها مجموعة كبيرة من المتخصصين كما سبق وأشرنا في مجالات الدراسات العربية، والإيرانية، والتركية. ولكن هذا المشروع العلمي الكبير تعثر عام 1990 بسبب الصعوبات المالية التي عانى ويعاني منها المعهد مع الأسف الشديد. ورافقه صدور سلسلة فهارس “مجموعة المخطوطات الشرقية” وإصدار مجموعة من الفهارس المتخصصة، تضمنت وصفاً لمخطوطات علماء مسلمين كبار منهم: عبد الرحمن جامعي؛ وعلي شير نوائي؛ وخسراو دهلوي؛ وأبو نصر الفارابي؛ وأبو علي بن سينا؛ وتم كذلك إصدار فهرس خاص للمؤلفات التي تناولت تاريخ مرحلة احتلال وسط آسيا؛ وآخر فهرس منها خصص للمؤلفات التي تناولت تاريخ الطريقة الصوفية النقشبندية.

أ.د. محمد البخاري
مواليد دمشق 1948. يحمل دكتوراه في العلوم السياسية (DC)، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور ومحاضر بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وجامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية، حالياً متقاعد

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design