{خديجة لا تُغلقي الباب}

 حورية عبيدة تكتب لجورنال الحرية: 

يبقى الطفل الفلسطيني مُستيقظًا في نومه، فقَدَرُه إِمّا أن يُطعن بخنجرٍ؛ أو ينام ويَدُه تحمل خِنجرًا للدفاع عن طفولته التي حُرم منها، وحفيدات “خديجة” لمْ يذهبن لبساتين الحُب والعشق؛ بل ذهبن “يقطفن” الحجارة للتضحية لأجل الوطن.

أما مارس “آذار” ترنيمة العشق والحَزن… شهر البرد وماء السماء والأزهار والأشْعار وصَحو النهار؛ فيجيء كل عام على أراضينا العربية المحتلة يحمل حُزنَ ضياع الأرض وحلول الدمار ونَبْت الأشواك، بَيْد أن الفلسطيني الذي يُسطِّر كل يوم صفحات خالدة في سِجل التضحيات؛ يُثبتُ أن الكِبار يرحلون حقاً لكن الصغار لم ولن ينسوا، فيُورِّثون الوطن -جيلا بعد جيل- أنَّ الحق لا يسقط بالتقادم، وأنَّ شعبًا عنيدًا أبياً مُدجَّجًا بالأشعار والعزيمة والآمال سيُعيد الأفراح لكل دار، لأن مَن يحتضن الأرض ويزرعها لابد وأن يحصد ثمارها لا أن يَقلعها.

أنا الأرض

والأرض أنتِ

خديجة لا تُغلقي الباب

لا تَدخلي الغياب

سنطردُهم من إناء الزهور وحَبْل الغسيل

سنطردُهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردُهم من هواء الجَليل.

أبياتٌ من قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش “الأرض”؛ في ذكرى الثلاثين من مارس “آذار” 1976؛ ذكرى يوم الأرض؛ حيث قوات الاحتلال الغاشم متسلحة بالدبابات ومدعومة بالمجنزرات في مواجهة عسكرية دموية -لشعب هادئ مسالم أعزل- تدهس القرى الريفية، فيسقط ستة شهداء من بينهم امرأة “خديجة” والتي أصبحت رمزا للأم الفلسطينية، وتصيب عشرات الجرحى، وتعتقل المئات، كل ذنْبهم أنهم فلاحون يزرعون عرق الجَبين في أراضيهم؛ فتثمر الأمل لأجيالهم؛ في مواجهة مُحتلٍ غاصب يصادر الأراضي لصالح التهويد مُبتدئاً بـ “الجليل”… فتخرج جموع الناس وطلاب المدارس بصدورٍ عارية؛ تدافع عن الأرض والعِرض، ويَعمُّ الإضراب في الضفة الغربية وغزة ومخيمات الفلسطينيين في لبنان تضامنًا مع أهليهم الرازحين تحت نَير الاحتلال.

سيدتي الأرض

هذا خروج المَسيح من الجُرح والريح

أخضر مثل النبات يغطي مساميره، وقيودي

وهذا نشيدي

وهذا صعود الفتى العربي إلى الحلم والقُدس

في شهر آذار تستيقظ الخَيل

سَهَّل الكيان الصهيوني الهجرة اليهودية لفلسطين المغتصبة، وفي المقابل سنَّ قوانين أملاك الغائبين، والذي قام على نحوٍ فعّال بمصادرة الأراضي التابعة لللاجئين الفلسطينيين الذي نَزحوا أو طُردوا مذ العام 1948؛ بعد تصنيفها على أنَّها “أملاك غائبة”، ووصل عدد الغائبين الحاضرين إلى نحو 20% من سكان فلسطين، هذا بخلاف المُشردين داخل وطنهم.

بلادي البعيدة عني كقلبي

بلادي القريبة مني كسِجني

لماذا أُغني؟

مكاناً، ووجهي مكان

لماذا أغني؟

لطفلٍ ينام على الزَّعفران

وفي طُرق النوم خِنجر

وأمي تناولني صدرها

وتموت أمامي

بنسمة عَنبر

لماذا تُغني يا درويش؟! تغني للأمل، للنَّهار حين يُمطر السَّحاب رصاصاً على الأعداء ، ويُغدق النهار النَّدى على حبات القمح في مَهدها؛ فتزهر سنابل التشبث بالهوية والوطن، لأنَّ الأرض والتراب امتدادٌ للرُّوح، والوطن نسْكنه ويسْكنُنا، فسلامٌ عليك، وسلامٌ على فلسطين، وسلامٌ على الخليل، وسلامٌ على الجَليل، وسلامٌ على جِيلٍ يقْبض على زِمام اليقين؛ ليُعيدَ أمْجاد صلاح الدين.. وحتمًا سيُعيد.

لقراءة مقالات الكاتبة حورية عبيدة اضغط هنا

شارك هذا المقال: