متابعة في الخدر النفسي

مكتب جورنال الحرية – بلجيكا

كتب : الباحث السوري فريد حسن 

الخدر النفسي ظاهرة جديدة قديمة – قديمة في جوانب دامت عند الإنسان قرونا كاملة – فالموجود في بيئة بعينها يقبل بكل ما فيها  ، من عادات وتقاليد ومعتقدات ووقائع – ليس فقط يقبلها ،  بل يدافع عنها دفاعا مستميتا إذا تطلبت منه الظروف ذلك ، والأمثلة على ما قصدت أكثر من أن تحصى  ، فالعبودية كانت مقبولة في كثير من أنحاء الأرض ، وكأن الذي فرضت عليه العبودية مخدرا بقبولها ،وكأنه أعطي من المورفين  كميات جعلته لا يفكر في الأمر مجرد تفكير .

إن كثيرا من حقوق المرأة كانت مهضومة دون أن تفكر في الأمر ولمئات السنين ،  وكذلك الفلاح في المجتمعات الإقطاعية ، وكذلك العامل في المجتمعات البرجوازية ، وكذلك المواطن في المجتمعات البيروقراطية ، وكذلك الشخص الموجود في مجتمع يبيح الاختلاط يرى الأمر طبيعيا، والعكس صحيح فالشخص الموجود في مجتمع لا يسمح بالتقاء الرجل بالمرأة على انفراد  ولو في الشارع ،  فهو مستعد لارتكاب أبشع الحماقات لو أن أحدا ما  وقف مع أخته أو زوجته وتكلم معها لثوان معدودة .

وأنا أذكر قصة وقعت في قرية قريبة منا ،  حيث إن الأخ ذبح أخته ؛  لأنه شاهدها تقف مع شاب خلف سور بيتهم بعد المغرب بدقائق  قليلة فطارده ليقتله ،و لكنه لم يدركه واضطرت أسرته إلى ترك تلك القرية والسكن في مكان بعيد وإلى الأبد ،  أليس هذا الإنسان مخدرا على عدم السماح  لأحد غريب أن يكلم أخته أو زوجته أو بنته دون سابق معرفة  ؟ بينما في مكان آخر من الأرض يطلب الشخص من مرافق الفتاة ، زوجة كانت أم أختا  السماح له بمراقصتها السلو( الرقص البطيء الذي يلتصق فيه جسما الراقصين ) ،  ويوافق الشخص وهو فرح يضحك ، أليس هو الخدر النفسي ؟

أما أصحاب المهن والحرف فكل يقوم بمهمته لا يبالي بأراء نسبة كبيرة من المجتمع ،  وفي نفس الوقت نجد  مجتمعات أخرى تنظر إلى نفس الموضوع نظرة عكسية ومناقضة ( فكل الحرف اليدوية كان ينظر إليها في بعض البلاد نظرة دونية ، وكذلك  عامل النظافة في أغلب دول العالم الثالث – وكذلك النظرة إلى الراقصة  والمطربة  والممثلة  وسائقة التاكسيي ، والنادلة التي تقدم الطعام والشراب
وهنا يجب أن يكون لنا جميعا وقفة جادة مع كل هذه الأفكار ونفعل ما فعله جدنا الغزالي – رحمه الله – عندما بقي في الشك شهرين فوضع كل ما لديه من معتقدات دينية وأخلاقية واجتماعية على محك العقل ،  واستعرضها الواحدة تلو الأخرى ،  فاعتقد بوجود الله عن طريق العقل لا النقل ، وكذلك فعل مع كثير من الأفكار ،  ومن بين أقواله الطريفة في الفن ،  قوله ((  من لم يهزه الربيع وازهاره ، والعود وأوتاره ،  فإنه فاقد للمزاج ليس له علاج )) ،  ومن بين أرائه في تحريم الكلب وعدائه ( عدى لسانه ولعقه للأواني) لوجود حديث صحيح بذلك ،  فهو يسرد صفات الكلب الرائعة ،  ثم يسرد صفات السنور ( القطة ) ،  وكيف أن السنور يسرق الطعام ويأكل فراخ أولادكم ويأكل الفئران والحشرات ،  ثم يضع فمه في طعامكم ،  ومع ذلك الجميع يحبونه ، أما الكلب فيحرس غنمكم وبيوتكم ويدافع عنها بروحه،  وهو المخلص الوفي مهما طال غياب صاحبه الذي أطعمه لقيمات مرات ،  قد تعد على الأصابع ))

أقول حبذا لو استعرضنا عاداتنا ، فاذا ما وجدناها لا تتناسب مع الإنسانية أو الدين أو القيم الحقيقية وليست قيم التخدير كما أسلفت ، علينا الجرأة في تركها بل والدفاع عن البديل الذي رأيناه مناسبا عوضا عنها .
هذه بعض أنواع  الخدر النفسي الذي كان يسود البشرية  ، وإنما قدمت أمثلة واقعية  عنها ،  ولم أقم بحصرها ؛ لأنها كثيرة ،  وأي ممعن للنظر حوله ،  قد يجد أكثر مما وجدت بكثير .
لقد سبق ظهور الخدر حالات تخلي عن مقومات العزة والعنفوان عند الإنسان العربي ، من مثل  الكرم،الشهامة ، النخوة ،صلة الرحم ،الزي التقليدي ، الأطعمة التقليدية ، إغاثة الملهوف ، وغيرها الكثير مما كان الإنسان العربي يفخر  بها ويعتز ، وهنا  لن أتعرض لما حل بهذه الجوانب الحياتية من تغيير ومسخ واستبدال ،  و الأقطار العربية ليست في نفس المستوى من التغيير والتحريف والتخدير الذي وقع لهذه الجوانب التراثية ، ولكن المشكلة الأخطر هي في ظاهرة جديدة ظهرت مجددا  لتقضي على البواقي المتبقية ، من وطنية ، ودين ، وأخلاق ، وعادات أصيلة ،وترابط بين أبناء المجتمع الواحد ،  بل والدين الواحد  وحتى المكونات النفسية الطبيعية للإنسان لم تسلم من التخدير ، فلا الخوف بات موجودا على طبيعته ، ولا الرحمة أو الشفقة باتت كما كنا نعرفها عند الإنسان – ولا صلة القرابة وحتى الأخوة أو الأبوة والبنوة اهتزت عند أغلب الناس ، بل هجرت كثيرين منهم ، ووجه الخطورة بأنها أنامتها وخدرتها ، وجاءت بالبديل المعاكس لها ، وصار الشخص ينظر إلى عدوه كأنه حبيبه بل ابن عمه ، كيف لا وهو ابن سام بن نوح جدنا الذي ننتمي إليه كذلك ،  واستبدله بعدو كان حتى فترة قريبة أخاه  ابن أمه وأبيه أو جاره أو صديقه أو ابن منطقته أو زميله في العمل أو الدراسة .
فكم من أخ قتل أخاه ؛ لأنه ينتمي إلى جماعة هو يعاديها،وكم من خال قتل ابن أخته ، وكم من أبناء عمومة اقتتلوا وقتلوا بعضهم ،  وهي قصص حقيقية  لأشخاص معروفة أسماؤهم .

والمشكلة أن الإنسان نسي ما كان يحب ، وما كان يكره ،وما عاد ليذكر ذلك،  وإذا كان مازال عنده القليل من الذكرى السابقة لهذه القيم ، قال لك شيئا آخر ، إنه الآن أمام عدو يجب أن ينتهي منه أولا ، ثم يرجع لذلك العدو الذي لا يشكل في الأساس أي خطر عليه ، بالله عليكم أليس هؤلاء  مخدرين ؟
كلما نظرت إلى شخص كنت أعرفه جيدا بانتماءاته السابقة وأرى مواقفه الحالية ،أتعجب هل هو نفس الشخص الذي أعرفه سابقا  أم خانتني ذاكرتي ؟

إنني لا أتعجب من الإمعة أن تنقاد لشخص أو لمجموعة من الناس ؛  لأنها في الأصل لا تقوم إلا بما يقوم به مخرجو الموديلات في الأزياء والطعام والسيارات والأدوات المنزلية ، فالإنسان الإمعة يسير خلف الناس يفعل ما يفعلون ولو كان خطأ ،  أما صاحب المبدأ  فإنه يبقى كما هو مهما بدل الناس حوله مبادئهم ،  وهذه قيم الرجولة والثبات .

لمتابعة أهم الأنباء اضغط على الرابط

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design