الخدر النفسي وأثاره على الفرد والمجتمع بقلم / الباحث السوري فريد حسن من بروكسل

علم النفس علم حديث مقارنة بعلوم كالفلك والطب والحساب :
وقد كانت بداياته في مطلع القرن التاسع عشر وبدا يتطور بسرعة كبيرة وعلى طريق التطور بدأ ينقسم ويتخصص –( علم نفس عام – وعلم نفس مرضي – واجتماعي – وتربوي – )………الخ وصارت الدول المتقدمة تستخدمه في شتى مجالات الحياة وتستفيد منه في تطوير معيشة افرادها ولم يبق جانب حياتي إلا دخله علم النفس : اقتصاد – تربية – اعلام – حرب – سياسة – طب – …..الخ , وبقيت الدول المتخلفة بعيدة عنه مستهينة به .
ورغم ان اجدادنا العرب كانوا من واضعي الاسس لكثير من النظريات النفسية ( مثلما سبق : كل من ابن خلدون – ومالك بن نبي- الفيلسوف الفرنسي تارد صاحب نظرية التقليد – تقليد الضعيف للقوي والمغلوب للغالب – والطفل لابيه – والصغير للكبير )على سبيل المثال لا الحصر – وتحدث كل الفلاسفة العرب وقبلهم اليونانيون عن النفس وفحواها واجزائها وانواعها لكنهم لم يفردوا لها علما قائما يبحث فيها , وباسلوب علمي ..
لقد كانت الفلسفة اماً لكل العلوم وكان الفيلسوف ملماً بكل العلوم (علوم عصره ) في حينه ثم بدات العلوم تنفصل عن الفلسفة بسبب تطور العلوم وتضاعف المعرفه فبعد ان كان الفيلسوف يقتني عشرات الكتب التي تمثل كل العلم – صار فرع صغير من علم الطب يضم آلافا من الكتب ويضاف اليها باستمرار مايصدر من جديد .
وإذا تحدثنا عن علم النفس كواحد من هذه العلوم :
فقد سارت بعض الشعوب فيه اشواطا بعيدة واستفادت منه في شتى مجالات الحياة ؟
ولكننا مع الاسف كنا نسخر ومنه ومن كل متعامل به طبيبا كان او متداويا وهذا هو المجال الوحيد الذي نظنه مجال علم النفس ؟
لذلك وَضَعَنا الآخرُ في مخبره يجرب فينا كل نظريات علم النفس ليختبر مدي صحتها وفعاليتها ليتأكد من نظرية القطيع للفيلسوف الفرنسي ( فرانسوا رابليه) عندما تحدث عن التاجر (بانورج) كيف استطاع ان يؤدب زميله التاجر الجشع (دوندنو) عندما كانا على ظهر سفينة – وكان مع دوندنو هذا قطيع من الغنم فاراد بانورج ان يعرف سعر الغنمة الواحدة عساه يقيم صفقة تجارية معه – فسأله وكانت الاجابة سعرا مضاعفا للسعر الحقيقي لها – تضايق بانورج , فسأله عن سعر الكبش فطلب أضعافا مضاعفة لسعره ايضاً– فقال له : إليك بثمنه ! ناوله النقود واستلم كبشه ومشى به على ظهر السفينه مسرعا به إلى حافتها قبل ان يدرك دوندنو الخازوق الذي ينتظره , ماهي إلا ثوان وبانورج والكبش بالقرب من حافة السفينه غير المرتفعة – حمل بانورج كبشه ورماه في البحر, وبلمح البصر كان قطيع الغنم يلقيون بانفسهم في اليم – ولم يكن ممكنا ل (دوندنو)ان يمسك بكل القطيع الذي صار في عرض البحر – نعم لقد استفاد من يريدون لنا الضياع من هذه النظرية استفادة تساوي التريليونات التي لو انفقوها ومعها خسارات من جيوشهم لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه وهم يضحكون كما ضحك بانورج عندما رأى غنم دوندنو يغرق في البحر !
واظن ان القاريء الكريم يعرف اين استخدم اعداؤنا نظرية قطيع بانورج
لقد سبق الفيلسوف العربي ابن خلدون – والفيلسوف مالك بن نبي : سبقا الفيلسوف الفرنسي تارد في نظرية التقليد بقرون عدة حيث تحدثا عن تقليد الضعيف للقوي – والمغلوب للغالب – والفقير للغني – والابن الصغير لابيه – وهكذا …….الخ ايضا استفاد اعداؤنا من هذه النظرية التي سبقهم اليها اجدادنا (لكن مالنا وما لاجدادنا )
فعلا لو خرج اجدادنا من قبورهم ورأوا مانحن فيه من غباء وهرولة نحو السراب (طبعا الكثيرون يعرفون السراب لكن البعض قد لايعرفه او لم يعايشه – السراب مشهد يراه الانسان بعينه في الصحراء او الاراضي الممتدة حيث يرى ان هناك بحرا او بحيرة على امتداد بصره , وكم من عطش سار نحوه وهلك من شدة تعبه دون ان يصل إليه ) وهذا ما هو واقع لاخوتنا في الوطن العربي وكثير من البلاد الاسلامية ؟ لو خرج اجدادنا من قبورهم لبصقوا في وجوه اناس اصابهم الخدر النفسي فصاروا اشبه بالسكارى وماهم بسكارى !
ما هو الخدر النفسي : وهو الذي يعتمد في بدايته على نظريتي ( رابليه) في القطيع – (وابن خلون ومالك بن نبي) و(تارد ) في التقليد وبعد انطلاق ماكينة الانسان خلف كبش ما تصبح نفسه ليست ملكه فلا يتحكم بها بل تصبح هي التي تتحكم به .
الجميع مخدرين نفسيا :
فالقاتل يشعر : بالنشوة والسعادة وكانه حقق حلما كان ينتظره من زمن بعيد , وهو مزهو بنصره سعيد .
والمقتول: يذهب نحو حتفه وهو مزهو لانه – ان قتل اخاه فهو منتصر وبطل , وإن قتله اخوه فهو الى الجنة والراحة الابدية راحل فقد مل الحياة ويئس منها .
المتفرجون: المتابعون لمعارك الاخوة مصطفون ايضا إما مع القاتل او المقتول كل يفرح إذا دمر من يناصره بيوت الآخر وشتت شملهم وقتل منهم الكثير .
ولا اقصد بالمتفرجين الجميع طبعا فليس كل الناس قد تاثر بالمخدر!
البعيدون :ايضا تأثروا بالموضوع عن طريق علم النفس ايضا- والذي تعتمد عليه وسائل الاعلام اعتمادا اساسيا فجل راسمالها تكرار الكلام أحقا كان ام باطلا ( وقد يكون بأكثريته حقا عند بعضها – وباطلا في اكثريته عند بعضها الآخر) ان تكرار الباطل على انه حق يبدأ عند الجمهور بالشك اولا ثم بالتصديق تدريجيا حتى يكتمل التصديق وينتهي الشك فيه- بل يصبح البعض مدافعا او متبنيا للفكرة وكأنها جزء من فكره ومبادئه ؟
لقد نجح كيسنجر عن طريق الخطوة خطوة في جعل مصر والاردن ثم اغلب الانظمة العربية بل وكثير من المجموعات السياسية والاحزاب تتخلى عن فكرة تحرير فلسطين بل استبدالها بأعداء من ابناء جلدتنا – كل نضع له مسمى غير محبب للاذن فترانا نعاديه تدريجيا – كما احببنا العدو تدريجيا !
الشعوب المسالمة المتواجدة في المناطق الساخنة والتي لاترغب بالحرب بل كانت تخافها صارت لاتهتم بالقتلى او الجرحى لقد صارمشهد القتل والدمار امرا عاديا للجميع – شرب الماء الملوث – انقطاع الماء – والكهرباء – والنت – والخبز – غلاء كل شيء مع عدم توفر الكثير- اصوات الانفجارات – وازيز الرصاص – وفقدان النظافة الجسدية والبتية – ونسيان الاناقة – نسيان كثير من الحاجات الاساسية اصبح امرا عاديا – إنه الخدر النفسي في كل هذه الامور ؟
لو تساءل احدنا او سأل غيره ارجع الى الوراء خمس سنوات هل تتصور انك كنت تتوقع من نفسك كل هذا الصبر والشجاعة وعدم الاكتراث , واستبدال المفاهيم والقيم بغيرها ( طبعا بالأسوأ منها)
لقد صار كثير من الامناء لصوصا – وكثير من الجبناء ابطالا – وكثير من الرحماء قساة – وكثير من واصلي الرحم قاطعين له – وكثير من الكرماء بخلاء – وكثير من الشرفاء عديمي الشرف – وكثير من الملتزمين بالقانون متباهين بمخالفته –
كيف حصل ذلك كله عن طريق علم النفس : فبالتقليد تارة (تارد)– ونفسية القطيع (غنم بانورج- لفرانسوا رابليه) تارة أخرى – والتدرج تارة ثانية – والتكرار الذي يثبت الافكار ( وكان استاذنا في مرحلة التعليم الابتدائي يقول : التكرار يعلم الحمار – جل قدركم ) وسائل الاعلام العملاقة – ووجود العم مارك الذي اقدره كثيرا لكن مستخدميه من المتأثرين بالاعلام الهادف لتخريب العقول وغسل الادمغة جعل الناس سكارى وما هم بسكارى , إنه الخدر النفسي فكما ان الجسم إذا خدر تجرى له عمليات يستخدم فيها المبضع والمقص و للعظمية منها المنشار والمطرقة والمثقب : نعم كما ان المريض الممدد على طاولة العمليات لا يشعر بأي ضيق او الم اصبح الناس لايتالمون خوفا من شيء – ولا فقدانا لحاجة او لشيء –ولا توقعا لمكروه – لا القيم باتت مهمة – ولا الاخلاق ولا الاحاديث او الآيات فالكل يمكن تأويله وتفسيره على مقاس الحالة التي يعيشها : نعم البعض غير القليل يستخدم الكبتاكون وحقن المخدر لكن الجميع مخدر دون حبوب او حقن .
افيقوا اخوتي من خدركم عودوا لضمائركم- وعقولكم – وقرآنكم – واحاديث نبيكم – والمنطق في فهم الامور ارجعوا إلى ما قبل سنوات ثمان خلت وما كان لديكم من افكار وقيم ومبادئ واحكموا
على واقعنا الحالي وآمل ان تصلوا إلى قناعات جديدة !

شارك هذا المقال: