ديالا بشارة، بشارةُ فرحٍ في زمنِ الانكسار صبري يوسف ـ ستوكهولم،

اندهشتُ فيما كنتُ أتصفّح منشوراً لديالا بشارة، يتضمَّن سؤالاً يُوجَّهُ إليها أوتوماتيكيّاً عبرَ الكومبيوتر، ما هي الوظيفة الّتي تناسب نوع وجهك؟ ثمَّ صورتها، وجاءت إجابة الجهاز مفاجئة وطريفة: العينان رائعتان، الابتسامة جذّابة، الوجه محدّد، ثمَّ أشارَ أنَّ وجه ديالا يناسب وظيفة، “زعيمة مافيا”، وأطرف ما في هذا المنشور أنَّ ديالا، كتبتْ في صفحتها وهي تنشر هذه الصُّورة بما يتضمّنه المنشور بجملة فكاهيّة: “يا أخواتي دا الشّغل الصّح يما بلاش”، وإذ بي أتمعّنُ في وجه ديالا الصّبوح الصّافي البهي الباسم، فانسابَ قلمي أكتبُ وأكتبُ مستوحياً من هذا الوجه الطَّافح بالثّقةِ والمرحِ والفكاهةِ والجمالِ والحضورِ الطَّيِّبِ، ودحضْتُ توقّعات الكومبيوتر ومداعباته الممجوجة بما يلي: “قراءة خاطئة مئة بالمئة ما أطلقَ عليكِ جهاز الحاسوب عبر هذا البرنامج: تناسبُكِ وظيفة “زعيمة مافيا”! بالعكس تماماً فأنا أرى أنّ وجهَكِ مناسب أن تكوني زعيمة اجتماعيّة باقتدار لمصالحة النّساء المختلفات مع بعضهنَّ بعضاً، لأنَّ لديكِ شخصيّة بديعة في مصالحة السَّيّدات المختلفات مع بعضهنَّ بسلاسة، كما أنَّ لعينيكِ سطوة رائعة على النّساء والرّجال، لأنّي بكلِّ بساطة أراك، مرحة، متفائلة، جادّة وفكاهيّة، تصلحين أن تكوني مصلحة اجتماعيّة، بجدارة غير مشكوك فيها، خاصّة ما يتعلّق بمشاكل النِّساء، … أستغربُ كيف قرأ وجهَك الكومبيوتر الأهوج هذه القراءة الخنفشاريّة؟! أغلب الظَّن أنَّ هذه الوظيفة الَّتي أوجدها لك أفرحتْكِ لما فيها من دعابة، وستحقِّقُ لكِ سطوةً إضافيّة، لما لديك من كارزما طيّبة وسطوة على النّساء وعلى الكثير من الرّجال! تحيّة لخفّة الظّل الّتي تتميّزين بها، تحيّة لثقتكِ العالية بنفسِكِ ولروحِكِ المرحة. أعتقدُ، بل متأكّد أنّكِ تحملين في أعماقِكِ جموحاً إبداعيَّاً طافحاً بالعطاءِ الخلّاقِ في بعضِ أهمِّ قضايا الحياة، فأنا أرى أنَّكِ مبدعة في مجالٍ ما أو أكثر من مجالٍ، لكنَّكِ لا تستغلِّينَ موهبتك، وتتوهينَ في الفكاهيّات وخلق البسمة والفرح في قلوب المتابعين والمتابعات، وهذا بحدِّ ذاته موهبة بديعة، لا يجيدها إلَّا قلّة قليلة من البشر، ألف مبارك هذه الوظيفة، وظيفة خلق الفكاهة والبسمة والفرح وليس زعيمة مافيا كما توهَّم الكومبيوتر! مع أنّني ضحكتُ بعمق على ما جاء في قراءة وجهك أو عينيك، فقد كانت مداعبة شقيّة من جانبه، وأشكره من الأعماق لأنّه حرّضني أن أقرأ وجهكَ وأعماقكِ وما تضيء عيناكِ من بُعد نظر لا يراه كما أراه، يبدو لي أنّ الكومبيوتر مصاب بعمى الألوان، وعمى البصيرة. فهل من المعقول أن تكون عيناك ووجهك الطّافح بالفرح والبهاء والثّقة والصّفاء، وجه زعيمة مافيا، إلَّا من قُبيل المداعبة وخلق الفكاهة لا أكثر؟! أنصحكِ أن تعمِّقي ما لديك من براعة وتأخذينها بجدِّيّة وبكلِّ فكاهيَّاتك وتكتبينَ ما يموجُ في ذهنِكِ، ولا تلتفتي إلى أحد، إلَّا إلى صوتكِ الدَّاخلي والخارجي، وسيري نحو تطلُّعاتك. أرى فيكِ لغة المرأة الشّامخة شموخ الكلمة الصّافية صفاء الصّباح، تشبهينَ طفلة ترقصُ فرحاً بين أزاهير الغابات ألقاً وشوقاً إلى ينابيعِ الخير ودفء القصيدة، تشبهين قصيدتي الهاربة من دخان هذا الزّمان، تشبهين قبلة فرحٍ على وجنة الحياة، في قلبكِ تموجُ آلافُ الأسئلة حول خلخلات كينونة هذا الزّمان، تنظرين إلى هذا الزَّمن كأنّه مصاب بالفالج، وتشعرين في قرارةِ نفسِكِ، كيف أنتِ محاصرة بكلّ هذا الجفاء في زمنٍ مجصَّصٍ بالدّهاءِ والشَّقاءِ والبكاءِ، أنتِ المجنّحة إلى هفهفاتِ القصائد والغناء والرّقص والفرح المعبّق بأبهى ما في جموح الرُّوح من محبّة وابتهال لتلألؤات عشق الحياة، أنتِ يا ديالا اسمٌ على مسمّى، “ديالى” اسم نهر من أنهار العراق، أنتِ نهرٌ من الصَّفاء المعبّق بخيرات لا تحصى لكنّك مطوَّقة بأوجاعٍ وانكساراتٍ لا تحصى، لكنّكِ مع هذا تشقِّينَ طريقَكِ نحوَ نجمةِ الصّباح رغمَ انشراخاتِ هذا الزّمان، هناك طاقة إيجابيّة مستنبتة في كينونتك، تجابهُ شروراً لا تحصى، تخلخلين بمهارةٍ فائقة كل مَا يعبرُ في دنياكِ، من فضولٍ أو قشورٍ أو مجابهاتٍ أو مواجهاتٍ. تجيدين لغةَ التَّحدِّي، لغةَ البوح الصّريح، لغةَ الكلمة المفتوحة على أجنحةِ اللَّيل والنّهار، لغةً صافية صفاء نسيم الصَّباح، كم تحنِّينَ إلى صباحات بيروت برفقة فيروز وهي تغنِّي أبهى أغانيها، في قلبِكِ حنينٌ وشوقٌ عميق إلى صباحات خاصّة بديالا، تقضينها بين أحضان الطَّبيعة الخلّابة وهي تطلُّ على أنهارٍ مكوَّرة في وديان فسيحة، معشوشبة باخضرارٍ مدهش، تسمعين سقسقات العصافير وتغريد البلابل، كي تنعشَ كيانك المثقل بأسئلة لا تخطر على بال، تشبهين غزالة جامحة، في أوجِ مرحها، تنطلقُ فرحاً في السُّهول الفسيحة، تنقشُ حروف القصائد فوق وجه الدُّنيا، وتبحثُ عن الفرح الآفل خلف مرامي الحياة، غزالة شامخة شموخ الكلمة الحرّة. كم يراودُكِ أن تعبري المسافات وتفرشي دفءَ الأحلام الوارفة فوق مروج الحياة، في قلبِكِ مشاريع مجنّحة نحو عوالم ابن بطُّوطة، تشعرين في قرارةِ نفسِكِ أنَّ الحياةَ أجمل من الجمال، فلِمَ لا نتمتّع بها كما هي، وتندهشين عندما تجدين الكثير من البشر لا ترى ما ترينه من بهاء وجمال في محطَّاتِ الحياة، يركضُ هؤلاء أو أولئك خلف خشخشاتِ القشورِ، ويتركون جوهر الحياة بكلِّ أفراحها وبهائها عرضةً لمزيدٍ من الانشراخ، في عينيكِ سؤالٌ من لونِ النّدى والشّفق الصَّباحي، تطفحُ عيناك ألقاً، وتنسابُ دموعُكِ كلّما مرَّ العمرُ فوق أشواكٍ محفوفة بجراحِ الرّوحِ، لكنّكِ لا تلتفتين إلى الخلف، دائماً تنتظرين الأجمل، وترسمين في مخيالِكِ الأجمل رغم تفاقمِ الجراح، ودموع الحنين، تكتبين في أحلام اليقظة أسرار غربة الرّوح، يؤلمُكِ كل هذا الانشطار فوقَ قبّةِ الزّمان، تقفين محتارة على قارعة الغابات، فلا يؤنسك إلّا نسيم مندّى بحبورِ الأطفال، فيُخيَّل إليكِ أنّكِ في حلمٍ مفتوح على مساحات المدى، كم خفقَ قلبُكِ إلى ذاكرة من فرح، وكم تلظّى وهو يرنو ممعناً إلى ذاكرة من بكاء، في أحلامكِ يموجُ اخضرارُ المروج ويستهويكِ أن ترتمي فوقَ نداوةِ العشب البرّي، أنتِ غابةُ فرحٍ وحبٍّ وعشقٍ لأجمل ما في الحياة، لكنَّ الحياةَ تهربُ منكِ، لكنَّكِ تمسكينها من نضارةِ خدّيها، تعانقيها ولا تفلتُ منك، ترقصين فوقَ سهوبها الفسيحة بطريقة مدهشة، تخلقينَ لنفسِك فرحاً رغمَ أنفِ الأحزانِ الّتي تحومُ حولكِ من أغلب الجهات، عندك طاقة فرحيّة مبهرة في زرع بهجة الفرح في قلوب الأحبّة، تكرهين التّمثيل المرصرص على أبجديات المراوغة أو النّفاق، وتملكين قدرة هائلة على التَّمثيل، تمثيل الحياة كما هي أو كما تشائين أنتِ أن تكون، لهذا تصلحين جدّاً أن تشتغلي ممثلةً بارعةً بتمثيلِ أدوارٍ تحبِّينها، أنتِ لا تمثّلين التَّمثيل تمثيلاً، بل تمثّلينه معايشةً كأدوار شخصيّاتك في الحياة، لأنّ شخصيّاتِك في الحياة عديدة، شخصيّاتٍ غير مركّبة ولا مبندقة، شخصيّاتٍ صريحة واضحة رصينة راقية رغم أنَّ الكثير منها صادمة، لأنَّ الآخرين غير قادرين أحياناً على قبولها أو مجايلتها أو فهمها، تشبهين شجرة مبرعمة من أشهى ما في خصوبة الحياة، لأنّكِ تعطين من ماء القصيدة رحيق الكلمة، لكنّك لا تكتبينها كما تفعل الشّاعرات والشُّعراء. عندكِ علّة ولا كلَّ العلل، وهي أنّكِ لا تتوقّفينَ عند الإمكانيّات الإبداعيّة الّتي لديكِ، أعتقدُ، بل متأكّد من اعتقادي وتحليلي وقراءة وجهك وعينيك وشهقات قلبك، أنّكِ أنثى مبرعمة من أوجاعِ الحياة، ولديك طاقة مدهشة في تحدّي الأوجاع وتحويلها إلى محطّات فرحٍ رغم ضراوةِ الحياةِ في الكثير من منعرجاتها. ديالا، من أنتِ أيّتها الغافية فوق أجنحةِ الرّيح، كم مرّة بكيتِ دمعاً صافياً وأنتِ تمعنينَ النَّظرَ في جفاءِ هذا الزّمن الأرعن، التّائه خلف مسارات السَّراب، ترين هذا الزّمان غائصاً في اعوجاجاتٍ ودهاليزَ لا تحصى، تريدينَ بشغفٍ كبير أن تخفِّفي قليلاً بل كثيراً من قباحات الكثير من البشر، فلا تستطيعي أن تعيدي مسار هذه الاعوجاجات إلى نصابها القويم، فلا تبخلين على طفوحِ الدَّمعة، ثمَّ تشعلينَ شمعةً كي تضيئي ما في داخلك من صفاءِ الطُّفولة. في أعماقك طفلةٌ من لونِ الشَّفق الصَّباحي، طفلةٌ مشبّعةٌ بأريجِ الوردِ، في قلبِكِ طموحاتٌ من لونِ بهاء الطّبيعةِ، من رونقِ شموخِ الجبال، في كينونتِكِ تساؤلاتٌ من وهجِ الفرحِ، تتهاطلُ فوقَ أجنحتِكِ كأنّها عصافير جذلى تحلِّقُ فوقَ مروجِ الحبِّ والفرحِ والوئام! تتصالحينَ مع نفسِكِ، ومعَ الحياةِ ومعَ هذا الزّمن المعتَّق بضراوةِ الانكسار، لأنّكِ تنظرينَ إلى الحياةِ كرحلةٍ محبوكةٍ بأريجِ الزّهورِ البرّيّة، غير مبالية بجنونِ الكثيرين، تلملمينَ أزاهيرك ثمّ تعبرينَ جليدَ الشِّمالِ، أراكِ من بعيدٍ، رغمَ السَّديم المصاحب لغبشِ الضَّبابِ، في بحيرةٍ مسربلة بالصَّقيع، تضعينَ كأساً من النّبيذِ فوقَ الجليد والثَّلجُ يناغي أطراف البحيرة، تنظرينَ إلى كأس النّبيذِ، فيغدو أمامكِ كأنّه كأس الأمل والتّفاؤل والحبِّ ودفءِ الحياةِ رغم سماكاتِ الصّقيع الجاثم فوق صدغِ هذا العالم، .. كم يبدو لي هذا الحاسوب مصاب بعمى الألوان، وكم أشعرُ بالسّعادة لأنّني أقفُ بكلِّ قيافتي في وجه هذا الأهوج الغريب العجيب، وهو يصفُك بكلِّ صفاقةٍ زعيمة مافيا، بدا لي وكأنّه مصاب بالصَّمم وفقدانِ البصيرةِ لما فيه من غباءٍ غير مسبوق في قراءته الهوجاء، مؤكِّداً له أنَّ الشُّعراءَ وحدهم يستطيعوا أن يقرؤوا القلوب الرّهيفة والعيون الكحيلة والأرواح الشَّفيفة، خاصَّةً عندما تكونُ هذه الكينونات من طينةِ ديالا بشارة، معبَّقة بنكهة الرّبيع ومقمّطة بشذى النّرجس البرّي!

أراك على فرح أيّتها المنسابة كرحيقِ القصيدة في ليلةٍ قمراء.

شارك هذا المقال: