حوار مع الذات، ألف سؤال وسؤال!صبري يوسف – ستوكهولم

حوار مع الذات، ألف سؤال وسؤال!
980. ما رأيك في رسالة الوداع لجابرييل غارثيا ماركيز قبل أن يرحل نحو الأعالي؟!
مدهشة للغاية، لكنّي أخالفه الرّأي في بعض ما جاء في رسالته؟! فيما يلي رسالته وردّي عليه!
رسالة الوداع لغابرييل غارسيا ماركيز الى محبِّيه فى العالم
لا تنتظر أكثر
بقلم: غابرييل غارسيا ماركيز


“لو شاء الله أن ينسى أنّني دمية، وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنّني سوف أستثمرها بكلِّ قواي. ربما لن أقول كل ما أفكِّر به، لكنّني حتماً سأفكِّر في كلِّ ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثّله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أنّ كلَّ لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستِّين ثانية من النُّور. سوف أسير فيما يتوقَّف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام.
لو شاء ربِّي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض، ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الرُّوح أيضاً. سأبرهن للناس كم يخطؤون عندما يعتقدون أنّهم لن يكونوا عشَّاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنّهم يشيخون إذا توقّفوا عن العشق. للطفـل سـوف أعطي الأجنحة، لكنَّني سأدعه يتعلّم التَّحليق وحده. وللكهول سأعلّمهم أنَّ الموت لا يأتي مع الشَّيخوخة بل بفعل النّسيان. لقد تعلَّمت منكم الكثير أيُّها البشر… تعلَّمت أنَّ الجميع يريد العيش في قمّة الجبل، غير مدركين أن سرّ السّعادة تكمن في تسلّقه. تعلّمت أنَّ المولود الجديد حين يشدُّ على إصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني أنّه أمسك بها إلى الأبد. تعلّمت أنَّ الإنسان يحقُّ له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف. تعلَّمت منكم أشياء كثيرة! لكن، قلّة منها ستفيدني، لأنّها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة. قل دائماً ما تشعر به، وافعل ما تفكّر فيه. لو كنتُ أعرف أنّها المرّة الأخيرة الّتي أراكِ فيها نائمة لكنتُ ضممتكِ بشدّة بين ذراعيّ ولتضرعتُ إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنتُ أعرف أنَّها الدّقائق الأخيرة الّتي أراك فيها، لقلت “أحبك” ولتجاهلت، بخجل، أنّكِ تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنّني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحبُّ أن أقول كم أحبك، وأنّني لن أنساك أبداً. لأنّ الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن.
ربما تكون في هذا اليوم المرّة الأخيرة الّتي ترى فيها أولئك الّذين تحبُّهم . فلا تنتظر أكثر، تصرّف اليوم لأنّ الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الّذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنّك كنتَ مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة. حافظ بقربك على مَنْ تحب، إهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتني بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب الّتي تعرفها. لن يتذكّرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبّائك كم هم مهمّون لديك”.

صبري يوسف ــ ستوكهولم،
قبل أن نسأل أنفسنا يا أيُّها المبدع العملاق كبرييل غارسيا ماركيز، هذا السُّوال، يتبادر إلى ذهني، لِمَ لا نسأل هؤلاء الَّذين تحبُّهم كثيراً، وتطلب من نفسك ضرورة أن تتواصلَ معهم وتبتسمَ لهم وتقدِّم لهم أجمل ما لديك، لماذا لا تسألهم هم، أن يسألوا عنك ويبتسموا لك ويعانقونك ويقدِّموا لك أجمل ما لديهم قبل أن تغمض عينيك الإغماضة الأخيرة؟ لماذا نلوم أنفسنا ونطلب من أنفسنا ونحن على فراش الموت أن نحبَّ الآخرين ونبتسمَ لهم ونعانقهم ونقدِّمَ لهم الكلمة الطٍّيّبة؟ لماذا هؤلاء الَّذين نحبُّهم حبَّاً عميقاً ونفكِّرُ بهم ليل نهار، لماذا هم لا يهرعون إلينا ويقدِّموا لنا بعضاً من حبِّنا وابتساماتنا الّتي قدَّمانها لهم مراراً، ويردُّوا الحبَّ بالحبِّ؟ لماذا نشتاق إلى مَن لا يشتاقُ إلينا، أخالفك يا صديقي المبدع الكبير على هذه المحاسبة، وعلى كل هذا الحنان العميق للحياة لمن نحبّهم، وبنفس الوقت أوافقك الرّأي على كلِّ كلمة قلتها فهي حكمة الحكم، لكن مع هذا ما تطلبه من نفسك ومن نفس أي إنسان يقرأ رسالتك، لأن الآخر الّذي نحبّه ونحُنُّ إليه من أقرب المقرّبين والمحبِّين والأصدقاء والصّديقات، لماذا هم أنفسهم لا يسألون عنكَ في وقتِ الشدّة، لأنّك في أشدِّ الحاجة إليهم في اللّحظات الأخيرة قبل أن تودِّع هذا العالم، كيف ستبتسم لهم وهم ليسوا حولك، كيف ستراهم وتترجم حبّك لهم في آخر لحظات حياتك وهم غير موجودين حولك، كيف ستسير إليهم وأنت على فراش الوداع الأخير؟ أسئلة غزيرة تنتابني وتجعلني أن أخالفك الرَّأي في حنانك وحبّك العميق لمَن تحبهم، مع أنّني أتعاطف معك حتّى العمق فيما ذهبتَ إليه من دفء الحبِّ والحنين، ويبدو لي أنَّ هذا الحب ينبع من شوقنا إلى ذاتنا لأنّ الآخرين الّذين نحبّهم هم ذواتنا بصيغة أو بأخرى، لكن العتب الكبير يا صديقي يقع عليهم وليس عليك! أهلاً بهم وهم يطوّقونك بالفرح والمحبّة والعناق الأخير، أجل، إنّك تحنُّ إلى ذاتِكَ عندما تشعر بشغفٍ عميق للقاء بمن تحبُّ وتصبح حنوناً رحيماً شفيفاً مثل نسمة الصَّباح وهي تهبُّ فوق أزاهير الحياة، لكن أؤكّد لكَ أنَّ الآخر هو الَّذي جعلك أو جعلنا أن لا نلقاه، وحرمَ نفسه وحرمنا من لقياه، ولهذا ماذا سيفقدُ لو لم نرَه في اللّحظات الأخيرة من عمرنا طالما هو أو هي ابتعدت عنّا؟ من المؤكّد أن رؤيتنا له ستحقِّقُ له ولنا فرحاً عميقاً وبسمة وراحة، لكن السُّؤال كيف سنلتقيه إذا هو نفسه أو هي نفسها ليست بجوارنا ونحن في أوج شدّتنا، كيف سنبحث عنه وهو بعيد عنّا؟ كم شعرتُ بالحزن والأسى يا أيُّها المبدع الكبير عندما قرأت رسالتك، وكم بكيتُ وشعرتُ أنَّني في موقعك وفي يومي الأخير من الحياة، وبحاجة أن أعانق كل إنسان عرفته كي أرحل وأنا بين حفاوة العناقات، كي أرحل وأنا منتعش في العناقات الأخيرة قبل الرّحيل الأخير إلى زرقة السّماء، ولكن بنفس الوقت راودني وأنا في يومي الأخير عتاباً مريراً وعميقاً لكل من تجاهلني وتركني على مدى سنين وعقود من الزّمان كأنّهم لا يعرفونني أبداً أو نسوني ومسحوني من ذاكرتهم، وهل نسوا هؤلاء أنَّهم لم يغِبوا عن بالي وذهني وذاكرتي وشهقتي وحنيني يوماً واحداً، لكنّها الحياة يا صديقي لا تمنحنا كل ما نريد، لأنّ الكتابة أخذت كل وقتنا، ربّما أغلب وقتكَ كنتَ غائصاً في انبعاث الحرف، وأغلب وقتي تائه في متاهات بوح الحرف، لهذا فلو ابتعدتُ عن أحبّائي قليلاً أو كثيراً أو كلِّيَّاً، لكنّي مع كلِّ هذا الابتعاد، لم ابتعد عن محِّبيني نهائيّاً، فقد كانوا ومازالوا وسيبقون في كينونتي حتّى بعد رحيلي عبر هلالات الرُّوح وذاكرة الرُّوح وبسمة الرُّوح وعبر مسارات حرفي، لأنَّ الحياة كل الحياة هي عبارة عن رحلتنا في الحياة، حياتنا عبارة عن رحلة تائهة في مهب السُّؤال، كم راودني ويراودني سؤالك فيما يخص اللّحظات الأخيرة من الحياة حياتي، مؤكِّداً لك ولي على الأقل أنّني لا أريد في اللَّحظات الأخيرة معانقة هؤلاء الَّذين فرّوا منِّي بعيداً، وتركوني وحيداً مع دمعتي وحرفي ولوني، هؤلاء الّذين تطلب منّا أن نبتسمَ لهم ونعانقهم ونحبُّهم ونقول لهم كلمة طيّبة قبل أن نرحل نحو مآقي السَّماء، لأنّهم هم كان عليهم أن يبتسموا لك أو يبتسموا لي ولمن يشبهنا على مدى عمرنا الَّذي عشناه، ويجعلونا نتمتّع بالحياة معاً ويخلقوا الفرص كي يلتقونا، لأنّهم كانوا يعلمون جيّداً أنّنا كنّا نحبُّهم منذُ أن حملنا القلم، وأصبحنا في حالة ترهبن للكتابة والحرف والعبور عميقاً في بحار تجلّيات بوح الحرف، نكتب نصوصنا عنهم، نترجم شغفنا وشوقنا إليهم، كي تبقى كتاباتنا شاهدة على جدار الزّمن قبل أن نرحل ونحن في أوج بسمتنا للحياة رغم ضراوة الرّحيل! والرّحيل يا صديقي ليس رحيلاً كما يظنُّ البعض، فالإنسان يرحل من متاهات هذه الحياة، إلى حياةٍ أكثر وئاماً، ورحابةً، فيها راحة أبدية مفتوحة على انتعاش حبور الرّوح، وهذه الحياة، حياتنا على الأرض، ليست سوى رحلة عابرة مترجرجة فوق طينِ الأنين، ومرامي الشّراهات، ثمّ نحلِّقُ نحوَ بهاء السَّماء. رسالتك يا كبرييل أدهشتني حتَّى نهنهات البكاء، وأكّدت لي كم كنتَ شفيفاً رقيقاً عميقاً مفكِّراً روائيّاً شاعراً ومبدعاً شاهقاً، أكّدت لي أنّ “الحب في زمن الكوليرا” لم ينبعث من فراغ، ورواية “وقائع موت معلن”، و”مئة عام من العزلة”، رواية الرّوايات! و”الجنرال في متاهة”، و”ليس للكولونيل من يكاتبه”، وغيرها من الأعمال البديعة .. إلى أن أُطلِقَ عليك صاحب الواقعية السّحريّة! ومذكّراتك تحت عنوان: “عشتُ لأروي” .. هل رويتَ مذكّراتك كما عشتَها أم أنَّنا لا يمكن أن نحصر مذكَّراتنا في كتاب، لأنَّ المذكَّرات لا يمكن ادراجها في أي كتاب، لأن الذّاكرة غير قادرة على استذكار ما عشناه، والخيال عاجز عن لملمةِ ما يموجُ أمامنا لحظةَ الكتابة لأنّ اللّغة عاجزة عن تدوين ما يتراءى في مخيالنا وذاكرتنا وروحنا، لهذا أعود مؤكِّداً على ضرورة أن نبتسمَ لمن نحبُّهم وضرورة أن نراهم ونصافحهم قبل الغد لأنّ الغد ربّما لا يأتي ونكون في آخر يوم من حياتنا، لكن سؤالي يا صديقي من أين لنا أن نلتقي مع مَن نشتاقُ إليهم ونحبُّهم وهم مبعثرون على وجه الدُّنيا وغائصون في حياتهم ومتاهاتهم هم، الحياةُ متاهة يا صديقي والكتابةُ رحلةٌ بديعة موغلة في أشهى المتاهات!

صبري يوسف
أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم
رئيس تحرير مجلّة السَّلام الدًّوليّة

شارك هذا المقال: