دروس وعبر من المشاركة المجتمعية في أعقاب هزيمة عام 1967

إعداد : نسمة سيف

تمتد جذور العمل التطوعي في مصر إلي عمق التاريخ إذ ان الطبيعة الزراعية للمجتمع المصري جعلت من نظام التأزر ومساعدة الناس بعضهم لبعض جزء لا يتجزأ من حياتهم العادية ، وخلال جقبة الخمسينات التي كان من أهم مميزاتها التلاحم الوطني من أجل الاستقلال ، كانت المشاركة المجتمعية عنصرًا فعالاً في هذا التلاحم الوطني فالتاريخ المصري يزخر بنماذج للمشاركة المجتمعية في مختلف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية ، فمنذ الثورة العرابية عام 1882 نجد أن جموع الشعب المصري أخذت تجمع ما في بيوتها من حلي ذهبية لتقدمها لدعم أحمد عرابي ورفاقه ، ولم تنقطع المشاركة الوطنية علي مدار القرن العشرين أكدت مقولة أن مصر مقبرة الغزاه .
ومن ذلك ماحدث عام 1956 ، فإدراة القيادة السياسية المصرية للأزمة التي نجمت عن تأميم قتاة السويس وما أعقبه من العدوان الثلاثي من قبل (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل ) لم تكن تكتمل دون المساندة والمشاركة من جموع الشعب المصري للقيادة السياسية فعلي سبيل المثال تكونت فرق من الطلبة للدفاع المدني ووصل عدد المتطوعين من طلاب الجامعات المصرية والمدارس الثانوية إلي 25 ألفًا ، وتبرعت السيدة أم كلثوم من أجل إعمار مدارس بورسعيد بمبلغ مائة ألف جنيه ، فضلاً عن فيلم بورسعيد الذي تطوع طاقم العمل به من أجل تخليد بطولات المدينة الباسلة في مواجهة العدوان .
وفي أعقاب هزيمة الجيش المصري في 5 يونية 1967 علي يد الكيان الصهيوني في معركة حربية غير متكافئة بفضل الدعم الأمريكي لإسرائيل واحتلال الضفة الغربية لشبة جزيرة سيناء ، كان وعي أهل مدينة السويس وخبراتهم من العوامل المهمة للتعامل مع الكارثة فالسويس قريبة من المواقع العسكرية الساخنة منذ عام 1956 ، وتم تشكيل محموعات لحراسة المدينة وتكونت فرق المقاومة الشعبية ولأ التنظيم السياسي قد إنهار داخل المدينة فقد تولي أهالي المدينة هذا الدور الخطير وهو الدفاع والوقوف في وحه اليهود الذين أصبحوا يوم 7 يونية علي البر الشرقي عند بور توفيق ، وقد إستشهد بعض شباب السويس وهم يحضرون الجنود من الضفة الشرقية حيث سقط في اليوم الأول شهيدان حيث تم تشكيل فرقة من أهالي المدينة عند منطقة (الميركاب ) لنقل الجنود من سيناء وكان يتم نقل المصابين إلي نادي هيئة قناة السويس في بورتوفيق الذي تحول إلي مستشفي ميداني أولى للطوارئ يضمد الجراح البسيطة والعمليات الجراحية العادية في مدرسة السويس الثانوية للبنات التي تحولت لمستشفي والحالات الصعبة يتم نقلها لمستشفي السويس العام عند مدخل المدينة .
وأصبح شباب السويس مقسمًا إلي عدد من الأقسام ، قسم مشغول في الأعمال الفدائية لمنظمة سيناء العربية التي تم تكونها بمعرفة السلطات في مصر لنقل المتطوعين من كافة أنحاء البلاد وقسم مشغول في الحراسات الليلية حتي يتفرغ الجيش للأعمال المهمة ، وقسم آخر كون فرقة “أولاد الأرض” وكانت تقوم بغناء الأغاني الحماسية والمسرحيات لرفع الروح المعنوية لأهال المدينة والجنود علي جبهات القتال ، وكان من هذه المسرحيات “أغنية علي خط النار” .
وأما نساء السويس ففضل الكثير منهن البقاء في المدينة علي الانتقال إلي مناطق التهجير ، لتقديم الخدمات الدفاعية مثل حمل الذخيرة للفدائيين وإيواء العناصر التي تقوم بالعمليات .
وكان علي رأس المساهمات والجهود الفنية ما قامت سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي حولت فرقتها إلي ما يشبه الكنيبة العسكرية لدعم الأنشطة العسكرية للجيش حيث حولت المرحلة الفنية في عهده تحت شعار “الفن من أجل المجهود الحربي” وأستغلت تعاقدات حفلاتهت المحلية وخارج مصر من أجل دعم الجيش المصري وبدأتها بحفل في مدينة دمنهور جمعت فيه حوال 40 ألف جنيه فضلاً عن سبائك من الذهب تبرع بها أغنياء المدينة ، وكان أعلي إيراد لخفلاتها لا يتعدي 18 ألف جنيه، وقدمها وجيه أباظة في بداية الحفل قائلاً” إننا لا نستقبلها كفنانة عظيمة فقط يأسرنا فنها ويروينا وإنما نستقبلها كمناضلة في طليعة المناضلين”، تبعته بحفل في الإسكندرية بلغت حصيلته مائة ألف جنيه وأربعين كيلو جرام من الذهب من حلي السيدات وأغنياء المدينة وكان ممن حضر الحفل فريق تلفزيوني من فرنسا أتى خصيصًا لعمل تحقيق تلفزيوني عن أم كلثوم وكذلك بلغ إيراد حفلها بمدينة المنصورة في محتفظة الدقهلية 125 ألف جنيه ، وبلغ إيراد حفلها علي مسرح أوليمبك بباريس الذي يعد أكبر مسرح في فرنسا 212ألف جنيه استرلينيوقدمها الإذاعي الكبير جلال معوض وقال الرئيس الفرنسي عنها في الحفل “لمست معها أحاسيسي وأحساسيس الفرنسين جميعًا” و مائة ألف دينار من حفل لها بالكويت ، أعقبه قيام عضوات الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية لجمع الأموال للمجهود الحربي خاصة ان الإيمان بالقومية العربية كان في أوجه ، فقامت حملة كبيرة لجمع الذهب أسوة بالحملة التي كانت تشرف عليها أم كلثوم في مصر ، وساهمت الكثير من العائلات الكويتية بتقديم التبرعات وبالفعل أستطاعت الجمعية أن تجمع 60 كيلو جرام من الذهب وسلمته إلي السلطات المصرية.
وقامت أيضًا بنفسها بحملة لجمع التبرعات من المشاهير والشخصيات العامة لأجل المجهود الحربي ، وكان من ضمن من شملتهم الجولة توفيق الحكيم الذي زارته بمكتبه بجريدة الأهرام بشارع الجلاء سنة 1970 .
وكان أيضًا من العلامات الهامة في الدور الفني في دعم الدولة المصرية بعد هزيمة 1967 ما قام به عبد الحليم حافط من التبرع بأجر الكثير من كبري حفلاته داخل مصر وخارجها لدعم الجيش وأغانيه الوطنيه لرفع الوح المعنوية للشعب المصري .
ويذكر ا/ د إسماعيل زين الدين استاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة أن المشاركة المجتمعية لم تنقطع علي مدار التاريخ المصري الحديث والمعاصر في وقت الأزمات التي تتعرض لها البلاد فالظهير الشعبي يعد أهم ركائز الدولة في مواجهة أي تهديدات تتعرض لها منذ المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني عام 1951 وحتي الوقت الحالي .

شارك هذا المقال: