الأيام المحيرة في الغضب والعدوان

كتب :  فريد حسن- بلجيكا

  لماذا نكون أشد غضبا وعدوانا في أيام وفي غيرها لا نكون ؟

سؤال طرحته على نفسي كثيرا  ،ويطرحه غيري من الناس بشكل أو بآخر ، عندما يجد الإنسان نفسه غاضبا دون مبرر للغضب ؛ فيتصرف بعدوانية تجاه نفسه والآخرين ، دون أن تكون هناك أسباب تبرر حجم ذلك الغضب .
  كان هذا مجرد شعور أو إحساس لعاطفة داخل نفسي ؛ لذلك أردت البحث عن طريقة أجد فيها لتساؤلي جوابا !
   حملت مجموعة من مؤلفاتي السابقة ،وتوجهت إلى قيادة شرطة حلب ؛ لأرى ما إذا كان بالإمكان مساعدتي في حل هذا اللغز الذي يشغل بالي .

    لقد ذهبت بشكل شخصي  إلى قيادة الشرطة فقابلت ضابطا برتبة عميد ، فتم تحويلي إلى القسم المختص ، ثم عرفت  رئيس القسم بنفسي ومهمتي ، وقدمت له مجموعة من مؤلفاتي ؛فوجدته يعرفني من خلال كتاباتي الدورية في الجريدة اليومية المحلية (الجماهير) ، بل ويتابع أبحاثي التي أنشرها ، حمدت الله ؛لأنني سأجد آذانا مصغية، يمكن أن تتعاون معي .

قال لي : ماهي الخدمة التي يمكن لي أن أقدمها لك !
قلت له : قبل كل شيء هل توافقني في الشعور أو الإحساس بأن هناك أياما تتصف بالغضب والعدوانية ،وأياما غيرها تكون غير ذلك ؟

قال:  نعم !

قلت : وأنتم هنا في قيادة الشرطة هل تكونون في أيام منهمكين منشغلين متعبين مع الحوادث، وفي أيام أخرى تكونون في حالة من الاسترخاء والراحة ؟

قال : فعلا ،  هذا ما كنا لا نجد له تبريرا !
قلت :  وهذا ما جئت من أجله محاولا أن أجد له تبريرا .

قال : وما هو المطلوب منا ؟

قلت : أريد إحصائية أجعلها أساس لدراستي .
  رن الجرس فحضر مساعد في الشرطة – حياه تحية عسكرية وقال نعم سيدي ؟

قال له  : إن الأستاذ يريد منا إحصائية عن حوادث القتل والمشاجرات والانتحار.

قال المساعد:  سأجهز الإحصائية بعد أسبوع .

شكرت رئيس قسم الإعداد والإحصاء منتظرا قدوم يوم الموعد الذي حدده لي ، ثم جئت في الموعد المتفق عليه ، وكانت الإحصائية جاهزة على مكتبه ، ولكن  لم تكتمل فرحتي عندما وجدت أن الاحصائية شهرية لمدة سنه وهي ليست يومية ! رغم أني كنت حدثته عن إحصائية يومية ، لكن المساعد أعد لي إحصائية شهرية ، وبذلك عدنا إلى نقطة الصفر، حيث لن تفيدني هذه الإحصائية في شيء .

حاورته في سبب عدم استفادتي منها ، وقلت له أريد عدد كل نوع من هذه الأعمال العدوانية يوميا – كل يوم على حدة ، فامتعض الرجل وقال لي :  هل تعرف أن المساعد لم يقم بأي عمل وظيفي الأسبوع الماضي ،بحجة أنه منكب على تحضير الإحصائية التي طلبتها ، فكيف لو قلت له أريدها يومية ؛ فقد لا ينجزها في أسابيع أو أشهر ! اعتذر منك ، أنا لا أستطيع أن أعطل أعمالنا في عمل  ليس من مهامنا !
قلت له سيادة العميد : عندي اقتراح لا أعرف إن كان ممكنا تحقيقه أم لا ؟
قال : وما هو اقتراحك ؟

قلت : أستخرج المعلومات أنا بنفسي من السجلات ( وكانت المعلومات إلى تلك الفترة غير ممكنة بعد)

قال اتعرف ماذا يعني ذلك ؟

قلت :  لا أعرف 

قال : إن ذلك يعني أننا سنضع بين يديك المغلف اليومي للأحداث ،وفيه كل أنواع مخالفات القانون ، وبالاسم الحقيقي للأشخاص (قتل – سرقة – تهريب – جرائم أخلاقية – مخدرات – سلاح – عملة – مشاجرات – انتحار ..إلخ ) ، هل تعرف لو أنك اطلعت على مثل هذه الأمور ،وقمت بفضح سريتها ماذا يحدث ؟

قلت له  :أعدك بأن ذلك لن يحدث ، بل لن أقرا أي ضبط خارج بحثي لأنني سأترك عملي الخاص ( حيث كان عندي وقتها روضة أطفال صارت بعدها مدرسة خاصة) أي أنني في حاجة لوقتي ولن أضيعه في مثل تلك القراءات  ،فوافق مكرها ، ثم شكرته وبدأت عملي في نفس اليوم ، وقد استمر عملي لأسبوعين متتاليين ،حتى انتهيت من تبويب الأعمال العدوانية لخمسة أشهر فقط – لعلي أصل إلى دلالات محددة !
   بدأت بصنع جداول يومية، ووضعت فرضياتي لما يمكن أن يكون سببا في زيادة هذه الأعمال في يوم ونقصانها في آخر .
  ففي يوم واحد حدثت ثلاث جرائم قتل في أماكن متفرقة من محافظة حلب ذات العدد الكبير من السكان، وبعد ذلك تأتي عشرون يوما دون جريمة واحدة ، أليس أمرا محيرا؟

وفي يوم واحد “خمس عشرة مشاجرة ” في مناطق متفرقة ، وفي اليوم التالي ثلاث أو تكون لأيام متتالية كثيرة ، لتأتي أيام متتالية منخفضة – وفي يومين متتاليين انتحار ، بينما شهر دون انتحار – في يوم واحد خمس وعشرون حادثة سير ، وفي اليوم التالي خمس فقط ، أليس كل هذا محيرا ؟ ومن هنا جاءت تسمية النظرية بالأيام المحيرة في الغضب .
   ومن الفرضيات الكثيرة التي وضعتها للنظرية التي كان المناخ واحدا منها ،فاتجهت إلى دمشق لإحضار إحصائية للمناخ عن نفس فترة الإحصائية التي أخذتها من قيادة الشرطة ،حيث شملت إحصائية الأرصاد الجوية ( الحرارة الدنيا والعليا لكل يوم – وكذلك الرطوبة العليا والدنيا – واتجاه الرياح – والضغط الجوي – والطقس ( غائم – ماطر- صحو – سديمي- ضباب- إلخ) ومن الفرضيات أثر المد والجذر – والعامل الاقتصادي أول الشهر وآخره – وأثر الصوم في شهر رمضان المبارك – والأعياد – والعامل العصبي النفسي في نهاية الأسبوع – وبدايته – وفي يوم العطلة – والرقم 13-(الذي كتبت فيه تعليقا عندما صادف جمعة وكانت أحداث باريس ) 
  وبعد صدور الكتاب الأول، الذي نال اهتماما كبيرا من المسؤولين في الجامعات السورية ، ووزارات الثقافة والإعلام ومن مفكرين وكبار المسؤولين في وزارات الداخلية والعدل- وقد ألقيت محاضرات عديدة في موضوعه في حلب ودمشق وإدلب، والعديد من مناطق حلب وإدلب – وكتبت عنه عشرات الأعداد من الصحف والمجلات حينها وكان من الانتقادات قصر مدة الدراسة !
     وهناك مثل شعبي سوري يقول بالعامية (اللي بياكل العصي مو متل اللي بيعدها ) يعني أن الذي يتعب ويتألم ، ليس كمن ينظر إليه أو يسمع عن تعبه ، فالخمسة أشهر تطلبت مني أسبوعين عمل في قيادة الشرطة، وأكثر من سنتين في البحث والسفر والسهر والكتابةوالطباعة ..إلخ من أعمال !
    لكن الاهتمام والتقدير الذي لمسته من المثقفين والمسؤولين ، دفعني إلى تحقيق رغبة الكل في توسيع البحث ، وقد فعلت ، حيث بدأت محاولة الحصول على إحصائية أطول من قيادة الشرطة في حلب لمدة سنتين ، واستمرت محاولتي فترة لابأس بها ؛حتى وصلت إلى غايتي،  لكن دوامي في قيادة الشرطة هذه المرة كان لأكثر من شهرين نقلا للمعلومات ، من البرقيات الواردة إلى قيادة الشرطة بنفسي،  وعند إتمام العمل وقبل الطباعةكانت لي زيارة إلى أوربا،  فاتصلت بباحثين في علم النفس الاجتماعي في كل من جامعتي بروكسل في بلجيكا ، وبون في ألمانيا،  حيث اطلعتهما على نتائج بحثي وعرفت رأيهما في كل ما توصلت إليه وإلى كيفية الاستفادة من النتائج .
وقد حاولت جاهدا أن أجد من يضع لي طريقة رياضية تمكن من إعطاء تقييم للتفاعل بين العوامل المؤثرة في الزيادة والأخرى المؤثرة في إنقاص الغضب .
  و كما سنرى عند الحديث عن كل عامل أن بعض العوامل تتسبب في زيادة الغضب – وأخرى تتسبب في نقصانه – وغيرها من العوامل التي افترضت لاعلاقة لها  ،لابالزيادة ولابالنقصان ، مثال ذلك الرقم 13 الذي يتشاءم منه البعض !
  وفي محاضرة للدكتور” فاضل سكر ” عميد كلية الهندسة المعلوماتيه في جامعة حلب ، التقيته في نهاية المحاضرة وطلبت منه موعدا للقائه  ،وقد كان لقاء مثمرا ، حدثته بالنظرية التي أعجب بها كثيرا، بل أبدى استعداده لمساعدتي ،  فقلت فقط أريد أن تمكنني من معرفة ناتج خلط العوامل الحاصلة في يوم واحد ، حيث يرفع بعضها من الغضب وينزل غيرها منه ، فقال  لي :  إن ذلك من صلب اختصاصي ، وعرفت فيما بعد أنه من العقول المعدودة على مستوى العالم في البرمجة .

  وبالفعل فقد اعتبر الدكتور فاضل النتائج التي قدمتها إليه أطروحة دبلوم  للطالبة الأولى لتلك السنة ( رفاه مختار) التي برمجت النظرية بإشرافه وتوجيهه،فلقد صار بالإمكان أن تعطي الكومبيوتر معطيات عن يوم أنت فيه أو عن أيام قليلة قادمة، فيعطيك سلفا نسبة تزايد أوتناقص الأعمال العدوانية ، بحيث يمكن للأفراد أو الجماعات أو الهيئات بشتى أشكالها الاستفادة من هذه التوقعات ،لما سيأتي من أيام . فكل الشكر لعميد الكلية الدكتور فاضل سكر – ولقيادة شرطة حلب – ومديرية الأرصاد الجوية بدمشق .

شارك هذا العدد:

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook