حسام الضمراني يكتب: من سيرسم السياسات الثقافية فى العالم العربي؟.. الإمارات نموذجا (1)

يغيب للأسف عن مخيلة أغلب العاملين فى الأوساط الثقافية داخل أغلب المجتمعات العربية مسألة إستشراف أو مستقبل الثقافة داخل عالمنا العربي، طوال ثمانين عامًا؛ منذ صدور كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى صدر سنة 1938 للدكتور طه حسين، وحتى يومنا هذا، وكأن مستقبل الثقافة لا يلعب دورا فاعلا في رسم سياسات الدول العربية؛ وكأن الاستثمار في الثقافة لا محل له من الإعراب فى معادلة المستقبل؛ رغم أنها أصبحت تمثل رقما مهما في الدخل القومي فى عدد من الدول؛ ومن بينها صناعة السينما كالهند التي أصبحت تمتلك 73% من سوق الأفلام التى تنتجها، فيما تستهلك منطقة آسيا والمحيط الهادى النسبة الباقية، وتقدر الإيرادات فى الوقت الحالى بقيمة 3,1 مليار دولار، أما دخل السينما الهوليودية فهو يصل إلى أرقام فلكية.

 

بالنظر إلي خريطة صراعات ونزاعات العالم العربي خلال العقود الأربعة الماضية، نجد أن كل من حربي الخليج الأولى أو الحرب العراقية الإيرانية، والتى نشبت بين العراق وإيران من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، خلفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي، وهى الحرب التى كان لها أثرها على المعادلات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط وكان لنتائجها بالغ الأثر في العوامل التي أدت إلى حرب الخليج الثانية والثالثة التى كان لهما بالغ الآثر في تشكيل اتجاهات الوعى الجمعى لدى الشعوب العربية نحو الاهتمام بالاستثمار في القوى الناعمة، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وفشل نموذج القوى الكوكبية المنفردة بقيادة الولايات المتحدة الامريكية للعالم وهو ما أدي الي الدفع بفرضية ملحة داخل الإقليم تمثلت في التنبه لمسألة من سيرسم السياسات الثقافية فى إطار سباق مستقبل الاستثمار في عصر أصبح فيه العالم يسير بسرعة الضوء، والحزم والكيبلات، وتفجر المعلومات.

 

السياقات السياسية والاقتصادية والمجتمعية للدول الفاعلة فى الإقليم فى الوقت الراهن تشير إلي إنتهاء عصر الذهب الأسود أو النفط؛ وهو ما دفع بعض دول العالم العربي للجوء نحو الطاقة الشمسية وضخ ميزانيات مالية كبيرة فى قطاع الثقافة والترفيه كان أبرزها نموذج الإمارات العربية المتحدة، والتى سعت أيضًا إلى تحقيق العوائد الاقتصادية من وراء هذا الاستثمار، الأمر الذي أشارت إليه الباحثة «جوديث هوي بن حمو» في مجلة «ليزيكو» الاقتصادية، إذ أوضحت أن المشاريع الثقافية التي حضرت لها الإمارات ستمثل استثمارًا مضمونًا لها، يجلب السياحة والعوائد الاقتصادية الكبيرة، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما سجله معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 36 من مبيعات بلغت نحو 206 ملايين درهم (56 مليون دولار)، والتأثير الاقتصادي غير المباشر لمهرجان دبي السينمائي، والذي وصل على مدار 14 عامًا منذ تأسيسه في 2004، إلى أكثر من 5 مليارات درهم، هذا فضلاً عما يوفره المهرجان من فرص العمل السنوية والتي تصل في المتوسط إلى 200 فرصة.

 

أما فيما يتعلق بالاستثمار الثقافى وتراجع معدلات الجريمة، صنفت دولة الإمارات كواحدة من أقل دول العالم في مستوى جرائم المقلقة لعام  2015 وبمعدل جريمة بلغ 110 جريمة لكل 100 ألف من السكان؛ حيث حققت المرتبة التاسعة عالميا في البلدان ذات أدنى معدلات للجريمة، والمرتبة الرابعة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء بشكل عام، وتعد هذه التصنيفات الأفضل بين العديد من الدول المتقدمة في جميع أنحاء العالم، والخبرات القادرة على تنفيذ أضخم المشاريع من حيث الكفاءة والتعقيد، الأمر الذى دفع بتصدر الإمارات العربية المتحدة كونها أول الدول العربية التي أنتبهت لمسألة مستقبل السياسات الثقافية في المنطقة العربية .

 

فى المقال التالى، سنلقى الضوء على موقف كل من المملكة العربية السعودية، ومصر من مسألة الاستثمار الثقافي ومستقبل السياسات الثقافية فى كل منهم.

شارك هذا المقال: