” مَنْ بَدأ المأساة لن يُنهيها “

حورية عبيدة تكتب :
حين تغنّتْ نجاة بأشعار “نزار قباني” مُعلناً: “مَن فتح الأبواب يغلقها ، ومَن بدأ المأساة ينهيها ، ومَن أشعل النيران يطفئها “.. مؤكد  كانا يقصدان حبيبةً  تتوق شوقاً لحبيب تبوح له: “ارجعْ كما أنتَ، فبَعدك لا  عِقد أُعلقه “..
أَعجبُ كيف قرأتْ أمريكا وحلفاؤها تلك القصيدة ، وكيف فهموها ، فهم من أشعلوا المنطقة الإسلامية والعربية، وهم بادؤ  مأساتها ، وهم مَن فتح أبواب الفتنة والإرهاب على مِصراعيها ، لكنهم لا يريدون  -لا ريب-  غلقها ؛ حتى تظل منطقتنا تحيا في فزعٍ هائل ، وهَول طائلٍ.

فهاكَ سياسي غربي كبير قدَّم نصيحته المدهشة لحكومات الغرب المعادية للإسلام ،  مفادها : أن أسرع وأقوى وأنجع طريقة لإزالة حُب الحكم الإسلامي من قلوب المسلمين ، يكون عن طريق تجربة حكم فاشلة للإسلاميين ، وجعلهم يَصلون للسلطة  ثم يفشلون ؛  فيكره الناس حكم الإسلام  ، ولن يعودوا يحلمون به.

 وبنظرةٍ مُدققةٍ لكل التنظيمات التي دُشنت في محيط أمتنا بدءاً من القاعدة ، وطالبان ، والحوثيين ، والتصنيفات المذهبية الدينية والعرقية ، والشيعة ، والأمازيغ ، والزيدية ،  والمارونية ، والدرزية ،  والعلوية ، نجد أن الذي أنشأ وموّل ، ودرّب وهيأ  ، وفتح لها الأبواب المغلقة ، هي أمريكا وحلفاؤها ؛ بغية أن يعيش عالمنا الإسلامي في أتون الفوضى والتفتت والتشرذم ؛ كي تغلي مراجل الصراع والاقتتال  ، والحروب الأهلية والعصبية ، يليها دك النظم السياسية القائمة ، ومحو الحدود السياسية لـ “سايكس بيكو” القديمة ، وإعادة ترسيم “سايكس بيكو” جديدة ، على هوَى الغرب المستعمر ، يعز ويذل بها مَن يشاء ، لأن منطقتنا كانت وستظل بقرة الغرب الحلوب التي تُدِرّ  بترولاً وثرواتٍ طائلة ، ومايزال الكيان الصهيوني متمسكاً بكبرى أحلامه مِن النيل إلى الفرات.. فتلك أمانيهم.

  ولكن إلى متى تُترك هذه الفوضى العارمة في بلادنا ؟

إن هذا السؤال وضع الغرب إجابته قبل أن نسأله ، فالجماعات والتنظيمات الإرهابية خاصة التي تتخذ الإسلام شعاراً وستاراً  ، مرسوم لها ألا تتجاوز خطوطاً حمراء معينة ؛ فمثلًا تنظيم داعش المُمول من الغرب مسموح له أن يمارس الغلو والتشدد  ، وارتكاب الفظائع مع تسليط الضوء الإعلامي  -لا أعلم تحديدا كيف يتم تصوير وبث تلك الصور العالية التقنية – ليقتنع العالم أنّ ديننا إرهابٌ تأباه الإنسانية ، حتى إذا أثمرت خططهم وأينعت ، وآتت أُكلها ؛ أتانا أمر الغرب مُتسربلاً في مُسوح الواعظين ؛ ليخلص العالم من شرور هذا التنظيم ، ولا مانع من أن يتحمل بترولنا تكلفة إنهاء المأساة ونيرانها  ، حتى وإن لم نكن نحن مشعليها .

لعل صرخة السيدة “كريستينا فرنانديز” رئيس الأرجنتين في الأمم المتحدة ، ليست الأولى من نوعها ، لكنها -على الأقل – الأشد صراحة حين قالت : “كنتم تُدعِّمون جبهة  ” النُصرة” باعتبارهم ثواراً ، واليوم نجتمع لإدراجهم إرهابيين ! حاربتم القاعدة ، واستبحتم العراق وأفغانستان ، والآن يعانيان مِن الإرهاب بالدرجة الأولى ، رحّبتم بالربيع العربي ،  وأوصلتم متشددين إسلاميين للحكم ،  ومازالتْ شعوب تلك الدول تعاني العبث !

لم تهتموا بفداحة جرائم إسرائيل تجاه غزة ، واليوم تجتمعون لتجريم وتحريم تنظيم داعش المدعوم من دول أنتم تعرفونها أكثر من غيركم ، وهي حليفة لدول كبرى أعضاء في مجلس الأمن “!

إلى متى تظل الغفلة والغشاوة قدرنا ؟! ألم ندرك بعد أن مَراحم الأشرار قاسيةٌ ، كما جاء في العهد القديم ؟ تُرى الغرب يجيء بلاد العرب أوطاني ؛ ليخلصنا من داعش ، ثم يشرب قهوتنا ، ويلقي علينا السلام ، ويغلق الباب خلفه ويمضي ؟ أم أتانا ليبقى مُتأبطاً شِرار خرائطه ومطامعه ، وضحكات خبيثة تعلو ملامحه ، ولسان حاله يقول ساخراً : ” سيظل الغرب هو الفاعل والمسلمون مفعولًا بهم وفيهم ، ولكي تتخلصوا منّا ما عليكم إلا أن تُعيدوا قراءة تاريخكم وحضارتكم ،  وعروبتكم وإسلامكم وإمكاناتكم  ..إن كنتم إياها تفقهون”.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design