“عذرا يا لغتي”

عاطف البطل يكتب:

    إنّهُ يوم عيدها،يوم الثامن عشر ديسمبر من كل عام ، حيث اليوم العالمي للغة العربية،أكتب إليهامعتذرا لعلها تقبل اعتذاري وتغفر لي زلاتي،أناجيها وقد أمضني كثيرا ما يحاكُ ضدها،من أهلها وأتباعها ، أقول لها : عذرا لكِ يا أمّنا ، فلتغفري عقوقنا ، ولتتجاوزي عن أخطائنا ، فأنتِ نعمة عليّ ، وحقيقة أودعها الله فيّ ، أنت ِدرر ٌ وشذرات ،نزلتِ من فوق سبع سموات ،نزلتِ على أفضل العرب والعجم – سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

إن الله تعهد بالحفاظ عليك يا لغتنا ،حيث قال تعالى :(( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون ))، والذكر هو القرآن والقرآن بلسان عربي مبين .

في هذا الْيَوْم أقول لجميع العرب : أروني أمة في العالم تقدمت بدون لغتها الأم ! انظروا إلى اليابان تجدوا أنها تقدمت باللغة اليابانية ،وكذلك ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول التي تحترم لغاتها وتعتز بلغاتها ،فلماذا نفعل نحن مع لغتنا ذلك ؟لماذا نقابلها بالجحود والنكران والإهمال ؟ لماذا نحرص كل الحرص على تعلم اللغات الأخرى في حين أننا نخطئ في كتابة بعض الكلمات العربية ولا نعبأ بذلك! ؟ إنني مع تعلم اللغات الأجنبية ولستُ ضد ذلك ، ولكن لا يكون ذلك ذريعة لإهمال لغتنا العربية .

     وقد يقول قائل : إن اللغة العربية الآن لا تصلح لغة التعليم ولا العلم ،وعلينا باللغة الإنجليزية بدعوى أنها لغة العلم والحضارة ، وهذا القول مردود عليه ، بشهادة المنصفين من الغرب أنفسهم ، فالعيب فينا لا في لغتنا ، إن علونا علت وإن هبطنا هبطت ،فلا تلوموها ولوموا أنفسكم .

 إن اللغة العربية ظلت لغة الحضارة والعلم لمدة ثمانية قرون في وقت لم يكن في العالم بأسره إلا لغتان يكتب بهما العلم والفلسفة وهما العربية في الشرق واللاتينية في الغرب ، وذلك من القرن الثامن الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي في وقت كان الغرب يقبع تحت أجنحة الظلام في العصور الوسطى،بينما كانت الحضارة والمدنية في الشرق العربي الإسلامي ، ولهذا كان الغرب يرسل أبناءه ؛ ليتعلموا في الجامعات العربية في الأندلس الإسلامية ، وفِي أثناء ذلك وجدنا اعتزازا وانتماء للغتهم فما تركوها وما هجروها وإنما كانوا يقومون بالترجمة،وإن قابلهم مصطلح غير موجود في لغاتهم وضعوه كما هو ، من مثل : الجبر ، والكيمياء والجغرافيا،حتى في العصر الحديث ، وجدوا أن كلمة( انتفاضة) لا يمكن أن تكون هي كلمة ((revolution )) بمعنى ثورة ، فماذا فعلوا ؟ وضعوها كما هي بحروف أجنبية ،وهذا يمثل اعتزازا بلغتهم وانتماءً إليها .

يقول الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في سياق الحديث عن فضل الحضارة الإسلامية والتي كانت علومها باللغة العربية : ((إنّ هناك قدرا من الجهل بالفضل الذي تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامي،فالعالم الإسلامي في العصور الوسطى كان عالما ازدهر فيه الباحثون المتخصصون ورجال العلم،ولكننا جنحنا إلى تجاهل ذلك،وقللنا من أهمية ثمانمئة سنة كانت أوربا خلالها عالة على إسبانيا الإسلامية التي حافظت على العلوم والمعارف خلال عصور الظلام ،فالثقافة الإسلامية بالأندلس وضعت أساس اللبنات الأولى للنهضة الأوربية ))
  ويقول جورج سورتن : (( سبق للعرب أن قادوا العالم مرتين في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الإنساني ، عاشت الأولى ألفي سنة على الأقل أيام اليونان وعاشت الثانية طوال أربعة قرون تقريبا خلال العصور الوسطى ، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم مرة أخرى في المستقبل القريب أو البعيد )) . فهذه إشارة بسيطة عادلة للدور الذي قام به المسلمون في خدمة الحضارة الإنسانية وكل هذا باللغة العربية أيها السادة، الذين تنكرون فضلها ،وتعتبرون أنها لا تصلح لغة للعلم رغم أنها لغة القرآن ، فالله – سبحانه وتعالى -اختارها لغة القرآن بما فيه من العلوم جميعها ،ما نعرفه وما سوف نكتشفه مستقبلا -إن شاء الله
‎ وفِي هذا السياق أتذكر كلام مدام دستايل الفرنسية والتي تقول عن اللغة الفرنسية :
‎  ((إنها ليست كما هي عند غيرنا مجرد وسيلة لتوصيل الأفكار والأحاسيس أو التعبير عن شؤون الحياة المختلفة ، ولكنها آلة يجب على الإنسان أن يلعب بها فهي – أي اللغة الفرنسية – تحرك النفوس كالموسيقا عند قوم والخمور عند آخرين ))
‎فما أجمل هذا القول ! يصدر من امرأة فرنسية تتحدث عن لغتها بهذا الحب والولع والانتماء للغتها .

إن مثل هؤلاء ما قالوا مثل ذلك إلا لإدراكهم بوجوب الاعتزاز والفخر باللغة،فما ينبغي لنا نحن – العرب – أن نكون أقل منهم غيرة وحرصا فنغفل هذه الحقيقة ونهمل لغتنا ونضيعها.

إنّي أدعو الجميع للعودة إلى لغته الأم وتعلم أنّى شاء من اللغات الأخرى ،أدعوهم لعدم استخدام ألفاظ أجنبية في السياق بدون داع، فلماذا يحرص بعضنا على إقحام ألفاظ أجنبية في سياق حديثه مع الآخرين رغم أنهم عرب ؟ أهو مظهر من مظاهر المدنية ؟ فالمدنية علم وعمل وليس تقليدا لسلوك من هنا أو هناك ، فنحن نتحدث اللغة الإنجليزية ولكن مع أصحابها .
إنناسوف نسير في رحابها ، ونعمل من أجلها،ونرعاها حق رعايتها،لا يهمنا حقد الحاقدين،ولا كلام المستهزئين المستعجمين من أمتنا. إني أدعو جميع المثقفين والأدباء من المخلصين أن يحملوا هذه الأمانة – أمانة اللغة العربية- فهي – والله – تحتاج إلى قلب صادق يشعر فعلا بمدى الخطورة التي تتعرض العربية لها الآن ، ولتعلموا أن النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة ، فإن كنّا نحن – العرب – لا نهتم بها ، فمن ذَا الذي يهتم بها أيها السادة !؟
فهل من صحوة ثقافية تنهض باللغة العربية وتعيد إليها مجدها ؟!

 

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design