معالجة الاحتباس الحراري بمحطات ضخمة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون لتحسين المناخ على سطح كوكب الأرض

جورنال الحرية
متابعة عبير الإمام
تم إقامة آلاف المحطات البيئية الجديدة في مختلف أنحاء العالم،

بعد تغير المناخ: صرح جو بايدن عن تعهدات أمريكية جديدة لمواجهة الانبعاثات الحرارية
حيث أصبحنا في حاجة ماسة الآن لهذه المحطات في مختلف أنحاء العالم إذا كنا نريد تحقيق أهداف اتفاقية باريس للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض في حدود ١.٥ درجة مئوية بحلول ٢١٠٠.
لكن بالعودة إلى عام ٢٠٢١، سنجد أنه في بلدة سكواميش بمقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا، توضع اللمسات الأخيرة على جهاز بحجم الحظيرة مغطى بقماش التربولين الأزرق قبالة الجبال المغطاة بالجليد وسط المزارع الخضراء الممتدة على مرمى البصر. ومن المقرر تشغيل هذا النموذج الأولي لمحطة احتجاز الكربون من الهواء مباشرة الذي طورته شركة “كربون إنجنيرنغ” للطاقة النظيفة في كندا، في سبتمبر، بعدها ستبدأ المحطة في سحب طن من ثاني أكسيد الكربون من الهواء سنويا. وثمة محطة أخرى أكبر حجما قيد الإنشاء في تكساس.


واعلن ستيف أولدهام، الرئيس التنفيذي بشركة “كربون إنجنيرنغ”: “إن أزمة تغير المناخ سببها ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وقد تسهم محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة في إزالة أي انبعاثات نتجت في أي مكان وفي أي لحظة”.
وتستخدم معظم أجهزة احتجاز غازات الاحتباس الحراري لتنقية الانبعاثات من المصدر، إذ توضع أجهزة تنقية الغازات والمرشحات على المداخن لمنع الغازات المضرة من الوصول إلى الغلاف الجوي. لكن هذه الأجهزة ليست عملية مع مصادر الانبعاثات الصغيرة مثل السيارات التي قد يناهز عددها على ظهر الكوكب مليار سيارة. ولن تصلح أيضا لسحب ثاني أكسيد الكربون الموجود بالفعل في الهواء. ولهذا فإن البديل الأكثر فعالية هو محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة.
وقد لا تكفي أيضا إقامة مجتمعات خالية من الكربون لحمايتنا من العواقب الكارثية لتغير المناخ.
وقدم إيلون ماسك مؤخرا بدفع مبلغ ١٠٠ مليون دولار لبناء محطات احتجاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء، في حين تستثمر شركات مثل “مايكروسوفت” و”يونايتد آيرلاينز”
و”إكسون موبيل” مبالغ تتجاوز مليار دولار في مشروعات في هذا المجال.
وتقول جين زيليكوفا، عالمة مناخ بجامعة ويومينغ: “بحسب الإحصاءات الحالية، سنحتاج لإزالة ١٠ غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا بحلول ٢٠٥٠، وسيتضاعف هذا الرقم بنهاية القرن.
التعليق على الصورة،


محطة “كربون إنجنيرنغ” التجريبية في كولومبيا البريطانية، هي النموذج الذي ستقام على غراره محطات أكبر لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرة
وقد صُممت محطة “كربون إنجنيرنغ” في سكواميش لتكون بمثابة حقل تجارب لاختبار التقنيات المختلفة في هذا المجال. لكن المؤسسة تعتزم إقامة محطة أكبر حجما في حقول النفط غربي تكساس لإزالة مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا. لكن أولدام لا ينكر أنه لا يزال أمامهم مهمة جسيمة، ويقول: “نتطلع لسحب 800 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها”.
أفكار خلاقة
وثمة طرق عديدة لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرة، لكن النظام الذي طورته شركة “كربون إنجنيرينغ” يعتمد على مراوح لسحب الهواء الذي يحتوي على ثاني أكسيد الكربون بنسبة 0.04 في المئة، ثم تمريره عبر مرشح مشبع بمحلول هيدروكسيد البوتاسيوم، الذي يعرف اختصارا باسم البوتاس الكاوي. ويمتص البوتاس ثاني أكسيد الكربون من الهواء ثم يمر عبر أنابيب إلى حجرة ثانية، حيث يختلط بهيدروكسيد الكالسيوم الذي يطلق عليه “الجير المطفأ”.
ويحتجز الجير ثاني أكسيد الكربون المذاب لينتج رقائق من الحجر الجيري، التي تسخن في حجرة ثالثة تسمى فرن الكلسنة (أو الفرن الدوار)، حتى تتحلل وتطلق ثاني أكسيد الكربون النقي، الذي يُلتقط ويُختزن. ولا تنتج هذه العملية أي مخلفات، فجميع المواد الكيماوية المتبقية يعاد تدويرها في الخطوات اللاحقة.
وقد عرضت الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ بعض النماذج للحفاظ على درجة الحرارة العالمية لا تعتمد على احتجاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة. لكن أجاي غامبير، كبير الباحثين بمعهد غرانثام لتغير المناخ التابع لكلية لندن الجامعية والذي شارك في إعداد ورقة بحثية في عام 2019 عن دور احتجاز الكربون من الهواء في التخفيف من تبعات تغير المناخ، يرى أنها غير واقعية في افتراضاتها بشأن كفاءة استخدام الطاقة واستعداد الناس لتغيير سلوكياتهم.
وتقول زيليكوفا: “لقد تجاوزنا مرحلة وضع تدابير لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ولم يعد ثمة مفر من الاعتماد على محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية”.
وثمة طرق بديله لإزالة الكربون من الهواء بطريقة طبيعية، منها تغيير استخدام الأراضي، مثل استعادة الأراضي الخثية أو زراعة الأشجار. لكن تغيير استخدام الأراضي قد يستغرق وقتا طويلا لإزالة الكميات المطلوبة من ثاني أكسيد الكربون وسيتطلب زراعة الأشجار في مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، قد تعادل حجم الولايات المتحدة، بحسب بعض التقديرات، وقد يؤدي إلى رفع أسعار الغذاء خمسة أضعاف. وعندما تموت هذه الأشجار تطلق الكربون الذي كان مختزنا فيها، ما لم تُقطع وتُحرق في منشأة مغلقة.
غير أن محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة تنطوي أيضا على تحديات جسيمة. إذ خلصت دراسة غامبير إلى أننا قد نحتاج لإقامة 30 ألف محطة ضخمة لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرة، لمجاراة معدلات الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون، التي تبلغ في الوقت الراهن 36 غيغا طن سنويا. وتصل تكلفة بناء كل محطة إلى 500 مليون دولار، أي أن تكلفة بناء جميع المحطات تبلغ 15 تريليون دولار.
التعليق على الصورة،
محطة “كلايم ووركس” بالقرب من زيورخ بسويسرا، تبيع ثاني أكسيد الكربون الذي تلتقطه إلى مزارعي الخضروات لاستخدامه في الصوبات الزراعية.
وسيحتاج هذا الأسطول من المحطات الذي يكفي لاحتجاز 10 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، إلى نحو أربعة ملايين طن من هيدروكسيد البوتاسيوم، وهذا يفوق الإمدادات العالمية السنوية من هذه المادة الكيميائية مرة ونصف.
وبمجرد بناء هذه المحطات، سيتطلب تشغيلها طاقة كهربائية. ويقول غامبير عن ذلك: “إذا أقيمت محطات على مستوى العالم لامتصاص 10 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، ستستهلك 100 إكساجول من الطاقة، أي نحو سدس إجمالي الطاقة المستهلكة عالميا”. وستستخدم النسبة الأكبر من هذه الطاقة لتسخين فرن الكلسنة إلى 800 درجة مئوية.
كلفة الانبعاثات
تشير التقديرات إلى أن تكلفة احتجاز طن واحد من ثاني أكسيد الكربون من الهواء قد تتراوح بين 100 و1000 دولار، لكن أولدام يؤكد أن شركة “كلايمت إنجنيرنغ” بإمكانها احتجاز الكربون بتكلفة أقل قد تصل إلى 94 دولارا للطن، ولا سيما إذا انتشرت هذه المحطات على نطاق واسع.
لكن هناك مشكلة أخرى تتمثل في تمويل عمليات احتجاز الكربون. إذ تنتج عمليات احتجاز الكربون من الهواء سلعة ثمينة، تتمثل في آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون المضغوط، الذي قد يضاف إلى الهيدروجين للحصول على وقود اصطناعي محايد الكربون. ومن الممكن بيع هذا الوقود أو حرقه في أفران الكلسنة، حيث يمكن احتجاز ثاني أكسيد الكربون مرة أخرى وإعادة نفس العملية.
لكن الغريب أن ثاني أكسيد الكربون المضغوط سلعة رائجة في قطاع النفط. فعندما يوشك البئر على النضوب، تحاول شركات النفط استخراج النفط المتبقي من خلال الضغط على مكمن النفط باستخدام البخار أو الغاز في عملية تسمى الاستخلاص المحسن للنفط.
ويعد ثاني أكسيد الكربون أحد الخيارات الشائعة التي تستخدم لهذا الغرض، وتحقق هذه العملية ميزة إضافية وهي تخزين الكربون تحت الأرض. وتستخدم شركة “أوكسيدنتال بتروليوم”، التي دخلت في شراكة مع “كربون إنجنيرنغ” لبناء محطة احتجاز الكربون من الهواء مباشرة في تكساس، 50 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا في عمليات الاستخلاص المحسن للنفط. وتحصل الشركة أيضا على خصم ضريبي تعادل قيمته 225 دولارا عن كل طن من ثاني أكسيد الكربون يستخدم لهذا الغرض.
وبهذه الطريقة سيعود ثاني أكسيد الكربون إلى حقول النفط التي نتج عنها، وإن كانت المفارقة أن الطريقة الوحيدة لتمويل هذه العملية ستكون لإنتاج المزيد من النفط!
وتأمل شركة “أوكسيدنتال” وغيرها أن يسهم ضخ ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض في الحد من نصيب قطاع النفط من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
وثمة استخدامات مربحة أخرى لثاني أكسيد الكربون. إذ تمتلك شركة “كلايمويركس” السويسرية 14 وحدة أصغر حجما لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرة، تسحب 900 طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا وتبيعها لإحدى الصوبات الزراعية لتحسين نمو الخضروات التي تستخدم في تصنيع المخللات.
ودشنت الشركة مشروعا لإقامة محطة في أيسلندا لخلط ثاني أكسيد الكربون المحتجز بالماء وضخه على عمق 500 أو 600 متر تحت الأرض، ليتفاعل الغاز مع البازلت ويتحول إلى صخور. وتمول هذه المحطة من خلال موقع على الإنترنت لإتاحة الفرصة للشركات والمواطنين لدفع اشتراكات شهرية لتمويل إزالة ثاني أكسيد الكربون من الجو، تبدأ من 7 يورو شهريا.
التعليق على الصورة،
ثمة استخدامات عديدة لثاني أكسيد الكربون المحتجز في محطة احتجاز الكربون من الهواء مباشرة، منها تحسين نمو الخضروات في الصوبات الزراعية
ويقول كريس غودول، مؤلف كتاب “الخطوات التي ينبغي أن نتخذها الآن: من أجل مستقبل خال من الكربون”: “إن محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة مكلفة، ولا يوجد حافز مالي لإنشائها وتشغيلها”. فقد تجني “كلايمويركس” المال من خلال مساهمات الأشخاص الحريصين على البيئة، أو إبرام عقود مع مايكروسوفت أو تشجيع الناس على تمويل إزالة أطنان من ثاني أكسيد الكربون من الهواء عبر موقع “سترايب”.
ويقول أولدام: “إن الحكومات لا تدعم ماليا في الوقت الراهن مشروعات استخلاص الكربون من الهواء، بقدر ما تدعم مشروعات نشر السيارات الكهربائية أو إنشاء محطات الطاقة الشمسية. فالتركيز منصب على تخفيض الانبعاثات وليس على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي الذي يمثل جزءا كبيرا من المشكلة”.
وترى زيليكوفا أن تكلفة محطات احتجاز الكربون من الهواء مباشرة ستنخفض مع الوقت، كشأن سائر الأجهزة والتقنيات التي طورت للتصدي لتغير المناخ. وتقول: “لقد واجهنا عقبات مشابهة عند إقامة محطات توليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية. ويمكن التغلب على هذه العقبة من خلال نشر استخدامها قدر الإمكان”.
ويطالب غودول بفرض ضريبة عالمية على الكربون، لمضاعفة تكلفة إنتاج انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. لكنه يرى أن هذا الخيار لن يلقى ترحيبا، فلا أحد يرغب في تحمل المزيد من الضرائب، ولا سيما إن كان الناس لا يعترفون بأن الظواهر البيئية المتطرفة، من حرائق الغابات وموجات الجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر، هي انعكاسات لاستهلاكنا المفرط للطاقة.
مخاطر ومكاسب
ولو افترضنا أننا تمكننا من بناء 30 ألف محطة لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرة، ووفرنا المواد الكيماوية اللازمة لتشغيلها والمال اللازم لتمويلها، فربما يتخذ البعض من هذه المحطات ذريعة للتخلي عن تدابير خفض انبعاثات الكربون.
ولكن لا تغني هذه المحطات علي اتجاه العالم للحد من النشاطات الملوثة للهواء و التي تزيد نسبة ثاني أكسيد الكربون.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design