لقاء مع السيد/ دسوقي احمد المستشار السياسي لرئيس وزراء ماليزيا

جورنال الحرية

كتب الباحث محمد قجة من سورية


حينما سمعته يعرفني باسمه تخيلت فوراً أنه مواطن من مصر العربية، “دسوقي”.. وهل توحي هذه التسمية بغير تلك النسبة إلى مصر..
ولكن ملامح الرجل كانت آسيوية خالصة.. من شرق آسيا.. قامة أميل إلى القصر.. ووجه بين الصفرة السمراء، أو السمرة المشوبة بالصفرة، عينان تومضان بالثقة واللمح والشفافية العميقة..

استبق الرجل استغرابي وأخرج بطاقة التعريف باسمه: “حاج دسوقي بن حاج أحمد” مكتوبة بالعربية، وفوق الاسم عبارة: (مكتب رئيس الوزراء) وتحت الاسم عبارة (المستشار السياسي لرئيس الوزراء) وفي أعلى البطاقة شعار دولة (ماليزيا)..

جاء الرجل من أقصى شرق آسيا.. من مدينة كوالا لامبور، عاصمة ماليزيا.. تلك المدينة التي تبذّ أعتى العواصم الغربية نظاماً وانضباطاً وحضارة وعمراناً، المدينة التي تفتخر بأنها درّة آسيا وقلب آسيا..

كنا في القاعة الكبرى في جامعة الملك سعود في مدينة الرياض، وقد أطلقوا على القاعة اسم “حمد الجاسر” العلامة الراحل، وهو يستحق هذا التكريم وأكثر..

كان “دسوقي أحمد” يجلس إلى يساري، وإلى يميني كان يجلس “أحمد مختار أمبو” الأمين العام السابق لمنظمة (اليونيسكو) وسوف أعود إليه في حديث آخر..

كنا في تلك القاعة بدعوة من وزير التعليم العالي في السعودية للمشاركة في مؤتمر عالمي ذي طابع احتفالي بمناسبة الاهتمام العالمي بقضايا التراث ، بشقيه المادي وغير المادي .

حينما علم “دسوقي أحمد” أنني عربي من بلاد الشام انفرجت أساريره وبدأ الحديث بلغة عربية فصحى سليمة عذبة، كان يختار مفرداته بشيء من العناية والأناة. وقد أسعدتني معرفته العربية فهو قد أعفاني بذلك من عناء تقليب الأفكار في الذهن وترجمتها إلى لغة أخرى..

بدأنا حديثاً متشعب الأطراف: الإرهاب.. المصارف الإسلامية.. الودائع في المصارف الأوروبية والأمريكية.. النمور الآسيوية.. صراع الحضارات أم حوار الحضارات؟!.. القضية الفلسطينية في نطاقها العربي والإسلامي.. تراث الحضارة الإسلامية وكيف نحافظ عليه..

توقفنا عن الحديث حينما بدأت مراسم حفل الافتتاح، كان في القاعة أكثر من خمسين مشاركا و باحثا ومدعوا ومنظما أقبلوا من عدة بلدان ، ويمثلون عدة ثقافات من أنحاء العالم وقد كانت فرصة ثمينة للتعرف إلى كثيرين منهم وتبادل الرأي والحوار معهم.. كانت كلمات حفل الافتتاح مختصرة ومركزة، ست كلمات خلال ساعة واحدة من الزمن..

في ردهة الفندق.. قصدت إلى “دسوقي أحمد” لاستكمال ما بدأنا من أحاديث، قال لي الرجل: (إن الإرهاب الحقيقي أن تقول للآخر: إذا لم تكن معي فأنت إرهابي. إن هذا القول هو أعلى درجات الإرهاب الفكري والحضاري.. وإذا وجهنا دعوة لمن يقول ذلك لكي نضع تعريفاً للإرهاب فإنه يرفض الدعوة ويعتبر رأيه وحده هو الصحيح ويفرضه على الآخر بقوة السلاح وضجيج الإعلام المغرض الديماغوجي..)

والمشكلة في هذا المجال كما أوضح “دسوقي أحمد”، هي أنك تفتح الميدان لكل الاحتمالات وتفرض لغة القوة الغاشمة التي قد تنحسر مستقبلاً أمام قوة أعتى منها، فتفرض الأخرى الأعتى مقولتها وتعتبر من يعترض عليها إرهابياً..

وأشار “دسوقي أحمد” إلى قضية بالغة الخطورة تتصل بالعمل المصرفي العالمي فالودائع بمجملها في مصارف غربية أوربية أو أمريكية وبجرة قلم تغير هذه الدول قوانينها فتصادر الأموال وتفرض عليها الحجز وتمنعها من التحرك مستخدمة أية ذريعة تتصل بالإرهاب.. ونبّه “دسوقي أحمد” إلى خطورة أن النية متجهة في أمريكا إلى ابتلاع كل الودائع ذات المنشأ العربي أو الإسلامي بحجة أن أصحاب هذه الودائع يدعمون الإرهاب، وهي أموال تقدّر بآلاف المليارات من الدولارات لدول ومؤسسات وأفراد كل ذنبها أنها تنتمي إلى العالم الإسلامي..

وفي سياق ذلك أوضح “دسوقي أحمد” أن رئيس الوزراء الماليزي “مخاتير محمد” طرح أكثر من مرة برامج عمل للتعاون بين الدول الإسلامية أو الدول الآسيوية أو دول العالم الثالث في سبيل مواجهة هذا الانفراد الطاغي الذي يريد تحويل العالم إلى مزرعة خلفية ملحقة بالبيت الأبيض..

رغم تشعب الحديث وسخونته. فإن “دسوقي أحمد” كان يعود دائماً إلى الملف الاقتصادي، وفي ذهنه وعباراته صور مؤلمة لما جرى من محاولة تدمير اقتصاد النمور الآسيوية، وهو يخشى أن تكون المصارف الإسلامية وتجربتها في العمل المالي والاقتصادي عرضة للتمزيق والتدمير بدعوى أنها تدعم الإرهاب.

ولعل لنا عودة إلى “دسوقي أحمد” وأحاديثه العميقة.. وذلك حينما التقيت به في مكتبه في رئاسة الوزراء أثناء زيارتي الى ماليزيا .
*****

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design