الموت حقيقة دامغة لا شكّ فيها مثقال ذرّة!

جورنال الحرية

صبري يوسف ــ ستوكهولم،
أتابع وأقرأ وأسمع وأشاهد رحيل مئات وآلاف وملايين البشر يوميَّاً وشهريّاً وسنويّاً، وبدأت استقبل الموت رويداً رويداً برحابة صدر دون أن يقلقي أو يحزنني كما كان يحزنني أيّام زمان، وأصبحت أنظرُ

إلى الموت كموضوع، كموقف، كحالة، كفكرة، كفاجعة، كصدمة، وكحقيقة مطلقة لا شكَّ فيها، ولهذا وجدتُ إزاء هذه الحقيقة المطلقة أنّه لا داعي الحزن على الموتى بالطّريقة المميتة الّتي كنّا نحزن وما نزال، بل علينا أن نستقبل الموت برحابة صدر، على أنّه أمر سماوي وحقيقة حياتيّة لا مفرّ

منها، لأنّ الَّذين ماتوا ارتاحوا من عناء الحياة وعذاباتها، خاصّة إذا كان / كانت المتوفية تعاني من أمراض معيّنة أو أن يكون وضعها الصحّي صعب في استمراريّة الحياة، لأنَّ الحياة بالأساس قائمة على حقيقة الموت! .. والولادة بحدِّ ذاتها مشروع موت أكثر من أن تكون مشروع حياة، بغضِّ النَّظر عن الرُّؤية الدِّينيّة فيما يتعلّق بالسَّماء والنّعيم والفردوس والحياة الثَّانية، لأنّي أتحدَّث في هذا السِّياق عن الحياة على الأرض حصريّاً، لأنَّ كل مولود على وجه الدُّنيا مصيره الموت عاجلاً أو آجلاً، وعمره محدود على الأرض بزمن معيّن، وعلينا أن نستوعب ونتقبّل هذه المعادلة الحتميّة: الموت، لهذا لا داعي أن نحزن على الموتى بطريقة أنينيّة وكأنّنا نتحدّى الموت بالحزن ونجابهه بالحزن والأسى والحداد. وسؤالي هل أحزاننا ستعيد لنا موتانا، هل يشعر الموتى بنا وبأحزاننا عليهم، ماذا نستفيد من الحزن المميت على موتانا غير الحاق الضّرر بأنفسنا؟! لأنَّ مواقفنا الموغلة في الحزن، تضرُّ بنا ولا يشعر الميت بما نحن عليه أصلاً، فلا فائدة نقدِّم للميت ولا لأنفسنا، ومن الضّروري أن نتذكّر المواقف الجميلة الّتي قدَّمها الميت / الميتة، وندعو له/ لها بالرَّاحة الأبديّة، لا أن نتجرّع الحزن وكأنّنا في حالة أنينيّة مريرة! ومن المهم أن يقوم أهل الفقيد بترتيبات طقوس رحيله وتشييعه إلى مثواه الأخير بطريقةٍ تليق به / بها، وبعد هذه المراسيم، على كل منّا أن يعودَ إلى حياته ويتقبّل ما حصل برحابة صدر وقناعة، والأجدى بنا أن نفكِّر ونخطِّط ونحقِّق أماني وحاجات الأحياء وليس الموتى! لأنَّ مَن مات قد مات، نقطة انتهى، أي انتهى النّقاش في موضوع الحزن في هذا السِّياق! وأعرف جيِّداً أنّه من الصّعب جدَّاً تطبيق هذه الرُّؤية، وليس من السُّهولة أن يتقبَّل المرء هكذا رؤية تحليليّة، مباشرةً، وربّما هناك من يعتبر هكذا رؤية متطرّقة وغير منطقيّة وغير واقعيّة، لكنِّي أؤكِّد للجميع أنَّ هذه الرُّؤية منطقيّة وواقعيّة أكثر من واقعيّة حزنهم المميت على مرِّ التّاريخ البشري، ولكن القضيّة بكلِّ تفرّعاتها هي قضيّة طقوس وعادات وتقاليد وثقافات مجتمعيّة، وكم من العادات والتَّقاليد المجتمعيّة في كل مجتمعات العالم مارسها الإنسان عبر تاريخه الطويل واكتشف في كل عصر أنَّ التَّقاليد الفلانيّة والفلانيّة تقاليد غير مجدية للمجتمع والفرد، والإنسان لو تخلّى عنها مع الزَّمن وهرّت التَّقاليد وتلاشت مع مرور الزّمن، سيصبح موضوع تقبُّل الموت برحابة صدر أمراً عاديّاً، وإنَّ تقبُّلَ هكذا رؤية يتطلَّب وقتاً طويلاً، ويتطلّب مناقشة الحالة بشكل هادئ بعيداً عن ردّات الفعل الانفعاليّة، ويتوقّف بحسب ثقافة الفرد والمجتمع الّذي نعيش فيه، وغالباً ما تكون المجتمعات الّتي تفكِّر بطريقة جمعيّة كما يقال اصطلاحاً الفكر الجمعي، ولا يستطيع الفرد الإنسان أن يخرج عن هذا العقل الجمعي وكأنّه قانون مفروض عليه فرضاً، وتخفُّ هذه التّقاليد في المجتمعات الّتي حلَّلت هذه الحالات وشقّت طريقها نحو الفردانيّة والتَّفكير بطريقة مستقلّة وأبدع الأفراد رؤية جديدة في ممارسة الكثير من العادات والتّقاليد الجديدة، ووضعوا حلولاً جديدة لها، وأصلاً المجتمع الإنساني والبشري لم يتقدَّم كل هذا التَّقدم إلّا من خلال نقض ما يراه غير دقيق في الكثير من العادات والتّقاليد ومنها مثلاً عادة الحزن الشّديد على موتانا، والكثير من العادات والتّقاليد في

أغلب مجتمعات العالم تخفُّ رويداً رويداً وتظهر عادات جديدة غالباً ما تكون لصالح الفردانيّة، مع تقلُّص الفكر الجمعي، وأتذكّر جيداً، وخلال فترة قريبة من عمر الزّمن، أي منذ فترة جيلي وجيل أكبر منّي بقليل أو كثير، أنَّ الحزن كان لمدّة سنة وكنّا نحزن على مدى أربعين يوماً ثم سنة متواصلة، وكانت النّساء ترتدي اللَّباس الأسود حداداً على الفقيد لمدّة سنة، وخلال سنة كان من الممكن أن يتوفّى عزيز آخر فتحزن سنة أخرى وهكذا من الممكن أن تبقى حزينة لسنوات كلّما توفى عزيز جديد، وكأنّ حياتها أصبحت مرتهنة للحزن الدّائم على موتاها، وسؤالي واضح وضوح الشَّمس، لماذا لا نقوم بواجبنا في ترتيبات دفن الميت / الميتة ثمَّ نعود إلى حياتنا ونهتمُّ بمَن هم أحياء؟ وأنا أرى أنَّ الحزن المستديم أشبه ما يكون عقوبة على الأحياء، أتذكّر بكل أسى، أنّنا عندما كنّا في حالة حداد وحزن على عزيز ما منَّا توفّاه الأجل، كنَّا نمتنع عن مشاهدة التّلفاز ومتابعة الأخبار أو حضور الأفلام أو المسلسلات، وما كنّا نسمع إلى الموسيقى ولا نفتح المسجلّة على مدى أربعين يوماً، وإذا كان من المقرّبين، يمتد الحزن والحداد إلى سنة كاملة! أليس هذا ضرب من الدُّخول في متاهات تقاليد غير مجدية، وكأنّها عقوبة للأحياء؟! هل سنقيم الميت لو حزنَّا على عزيزنا الميت ونبقى سنة متواصلة بعيدين عن ممارسة حياتنا الطّبيعيّة، وهل لو سألنا الميت لو عاد للحياة بقدرة قادر، هل أنتَ راضٍ على موقفنا وحزننا وحدادنا عليك بهذ الطّريقة؟ ألّا يضحك الميت أيضاً بقدرة قادر علينا، وكأنّنا موتى بسلوكنا أكثر من الميت نفسه؟! والموضوع في جوهره مركون على العاطفة وليس على المنطق، وتبدو للوهلة الأولى هذه الطُّروحات والرّؤية، حادّة ووقعها غير محبَّذ للمتلقِّي، ولكن لو قمنا بتحليلها بدقّة وعقلانيّة ومنطق حياة، نجدها قابلة للتحقيق وهي تفيد جميع الأطراف، بما فيهم الميت نفسه، وبرأيي أن كل من يخالفني الرّأي في مسألة الحزن المفتوح على مدى سنة وسنين كلّما فقدنا عزيزاً، كمن يخالف الدِّين ويخالف منطق الحياة أيضاً!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design