الإسراء و المعراج

إعداد/ خالد البلتاجى

كانت معجزة الإسراء والمعراج من أجل المعجزات وأعظم الآيات التي تفضل بها المولى سبحانه على نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم , ولأهميته هذه المعجزة فقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في موضوعين , الأول : في سورة سميت باسم هذه المعجزة وهي سورة \” الإسراء \” والتي بدأها سبحانه: \” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) سورة الإسراء .

فها هو الداعية الأول -صلى الله عليه وسلم- في مكة، يدعو قومه إلى الله تعالى، سنوات مأساوية، مليئة بالعواصف العاتية من التعذيب والإيذاء، والبغضاء والافتراء، مزّق شمل أتباعه، وسامهم أهل مكة سوء العذاب
وتحمل صلى الله عليه وسلم في سبيل ذلك من الشدائد ما دفعه إلى أن يشكو إلى ربه سبحانه ضعف قوته، وقلة حيلته، فرأى الله عز وجل حاله، وسمع دعاءه (إنه هو السميع البصير). فأكرمه بمعجزة الإسراء والمعراج، وعوضه عن جفاء المعارضين بحفاوة أهل السماء المقربين، وخفف بها ألمه، وأذهب حزنه، وأعلى شأنه، ورفع منزلته :(فكان قاب قوسين أو أدنى). وما بلغ تلك المرتبة الرفيعة إلا بحسن عبادته لربه، وامتثال أمره، قال تعالى:( سبحان الذي أسرى بعبده). قال العلماء في قوله تعالى:( بعبده): لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. ففي عبادة الله عز وجل شرف الدنيا وفوز الآخرة، وهي تكسب المرء وقارا وهيبة، وتجعل له في قلوب الناس قبولا ومحبة، قال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.

ولنا في الإسراءوالمعراج الدروس والعبر ، لعلنا نقف علي شيئ منها :

أولا: إن الإيمان برحلة الإسراء والمعراج جزء من عقيدة المسلم، ذلكم أنه إحدى المعجزات التي أيد الله بها نبيه -عليه الصلاة والسلام-، والإيمان بالمعجزة جزء من العقيدة الإسلامية، وهو امتحان لإيمان المؤمنين وارتياب المنافقين؛ ولهذا ارتد من ارتد عن الدين لضعف إيمانهم وقلة يقينهم، وفاز بالصدق والصدِّيقية أبو بكر -رضي الله عنه- فسُمِّيَ صِدِّيقَاً، لإيمانه وتصديقه الجازم بمعجزة الإسراء والمعراج، وهكذا الصحابة الكرام ممن امتحن الله قلوبهم بالتقوى، ففازوا بالإيمان الراسخ، والعقيدة الثابتة.

ثانيا: لطف الله تعالى بعباده، ونصرته لأوليائه والدعاة إلى سبيله، فقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد أن اشتد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأذى ؛ تكريماً من الله تعالى لهم

الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي كان بيد بني إسرائيل فيه إشارة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيرث قيادة الأمة، وسترث أمته هذه البلاد، وفي عروج الله بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات العلى، ورفعه مكانا عليا فوق جميع البشر، بشارة بأن الله سيرفع كلمته ويظهر دينه على الدين كله.

رابعاً: إنَّ في صلاته -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء جميعا، واقتدائهم به وهم في عالم البرزخ، إشارة إلى أنهم لو كانوا أحياء في الدنيا لم يكن في وسعهم إلا اتباعه، وكأن الأنبياء عليهم السلام بصلاتهم خلفه يقولون لمن لم يتبعه من اليهود والنصارى وغيرهم: إننا لو كنا أحياءً لاتبعناه؛ فما بالكم لا تتبعونه وهو بين أظهركم؟!.

خامساً: إن في هذه الحادثة دلالة على عِظَمِ شأن الصلاة، فقد اختصها الله من بين العبادات بأن تفرض في السماء عندما كلم رسوله -صلى الله عليه وسلم- بدون واسطة.
لقد شرعت الصلاة -عباد الله- لتكون معراجا ترقى بالناس كلما تدنت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا، وأكثر الناس اليوم لا يصلُّون الصلوات التي شرعها الله، فصلاتهم لا حياة فيها ولا روح، إنما هي مجرد حركات جوفاء، لأن علامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الوقوع في الخطايا، وأن تخجله من الاستمرار والبقاء عليها إن هو ألمَّ بشيء منها.
وإن من لطف الله تعالى بعباده أن خفف عنهم الخمسين صلاة على يد محمد -صلى الله عليه وسلم- وبمشورة موسى -عليه السلام- حتى بلغت خمس صلوات في اليوم والليلة، فلله الحمد لله والمنة أن خفف عنا، وأثبت لنا أجر الخمسين، والويل لمن نقص من هذه الخمس! فلم يأت بها كاملة في أوقاتها، وفي بيوت الله، كما أمر الله.
نسأل الله أن يعيننا على أداء الصلوات، والمحافظة عليها.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design