موت المؤلف

جورنال الحرية

كتب الدكتور محمود شوبر من العراق

اعتقد ان هذا المكتوب سوف يثير حنق الكثير من اصحاب الاختصاص الفلسفي من الاصدقاء ومن الذين احسبهم هكذا.

ولكن لا أرى ضيراً ان اقول وجهة نظري فيما اراه وقد يكون مصيباً وقد يكون العكس، على الرغم ان الذي اكتبه لا أرى فيه خطأً ولو كنت كذلك لما تجشمت عناء الكتابة والافصاح برأي قد يكون من الخطوط الحمراء التي لايجوز عبورها.

[أنا أرى السماء فارغة] هكذا قالها (نيتشه) ومضى . لنمسك بها امساكاً (مجوفاً) من معناه ومحتواه (واقصد نحن الذين نحسب على مايسمى التشكيل) او الفن التشكيلي، وبدت ترددات مقولته تلك واضحة المعالم على اللوحة والتنظير لها لتفتح ابواب فنون الحداثة ومابعد الحداثة على مصراعيها من خلال (الرؤية النهلستية) او ماتسمى تعريباً (العدمية)
التي اكدت فيما أكدت عليه الاطاحة بكل القيم والمفاهيم التي درجت عليها الاحكام والمعايير الجمالية، والمجيء بأفكار جديدة تتوخى (ضرب المركز) في الانشاء التصويري الذي لم يعد له تأثير يذكر والاشتغال على الهامش وتفتيت المفتت وشرذمة المشرذم لتكون اللوحة متطابقه ومتشابهة مع روح العصر المادي الاستهلاكي الذي اصبح فيه الانسان مجرد من كل عاطفة الا (عاطفة التسوق او التبضع) والبيع والشراء الذي حل محل قيم اضمحلت وضمرت .

[أنا أرى السماء قد ملئت] وهذا ما تصرح به روحي دائماً، لم ارى السماء فارغة ابداً وفي عز صحوها اراها مخبئاً كبيراً للاسرار ومرجعية عظمى للأسئلة الكبرى التي تشغل فكر الانسان منذ ان قالوا بلى.

وعليه انا ارى المؤلف حاضر وبقوة قبل الانشاء واثناءه وبعده وهكذا هو الخالق (الواجب الوجود) الذي يكون الاول والاخر وكذلك الباطن والظاهر.

وهكذا فإنّ الاعلان عن موت (الاله) اعلاناً محض افتراء (قبيح) صدقناه ونصدقه ولكنه يتوارى حين يباع احد اعمالنا المرسومة لجهة ما او لمقتنٍ ما حيث يكون الاصرار على رؤية الفنان والاطلاع على تاريخه وثقافته وصولاً الى ادق تفاصيله لتتم عملية الاقتناء. وهذا (المؤلف) كان حاضراً بقوة بأحدى المزادات الفنية حين بيع عمل فني ل(هاوٍ) للرسم اسمه (ونستون تشرشل) رئيس وزراء (بريطانيا العظمى) في الحرب العالمية الثانية، وكان العمل من مقتنيات النجمة الهوليودية (انجلينا جولي) حيث تم بيع هذه القطعة قرابة (11مليون $)

وقد حصل ذلك معي كثيراً وصولاً الى ان احد المؤسسات طلبت مني تحديث عنوان اقامتي كل فترة. او كلما توجب ذلك. وحتى موضوعة (المتلقي) الذي نبالغ بفهمها كثيرا لم يعد لها سوى ظلال او بقايا وجود، إذ إن الفن ووجوده مرتبط ارتباطاً وثيقا ب(النخبة) وهي التي تؤكد على نمو اسم هذا الفنان او ذاك، وهذا ما تكلم ويتكلم عنه تاريخ الفن، وهنا لابأس من الاشارة الى زيارتي الاخيرة الى (لوفر ابو ظبي) الذي كان يحتفي بالفن الهولندي وعلى رأسهم (رمبرانت) حيث اصابتني الخيبة حينما شاهدت اعماله واعمال فنان مجايل له غير معروف، حيث استطاع هذا (الفنان المغمور) ان يغير وجهة نظري ب(سيد الضوء والظل).

المتلقي الذي لايتمكن من اقتناء عمل او الذي لايرغب بالاقتناء هذا مجرد من الرأي الجمالي، الذي يعول عليه في شرح جودة (الفيلم) هو ذاك الذي يقف بالدور ويقطع التذاكر ليدخل بهو السينما بحب واحترام ويتابع الاحداث. ليس الذي يمر بسيارته او راجلاً قرب ال(رسم الاعلاني للفيلم) اللذي يكون معلقاً عادة في واجهة دار العرض.!

المكتوب آنفاً عبارة عن دعوة للبعض الذين يتبنون الافكار بمنهجية( الببغاء) وللاستعراض فقط كونهم قراء نهمين ومطلعين على الاسباب، اسباب الثقافة والمعرفة، لان هذا في غالب الاحيان يعطي مخرجات تؤثر اثراً سلبياً على نظرتنا الجمالية التي ارهقت وتناثرت بين كثير من التنظير وكثيراً من الزيف وقليلا قليلا من الوعي.

في الختام ارجو ان يرقد (الاخ) نيتشه بسلام•

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design