العالم الفرنسي إيميل دوركهايم : قراءة في النظرية الاجتماعية

جورنال الحرية

كتبت/ دنيا علي الحسني _ العراق

كان إيميل دور كاهيم عالم اجتماع فرنسي، برز في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (1858-1917) إلى جانب “ماكس فيبر” وينسب إليه الفضل باعتباره أحد المؤسسين الرئيسين لعلم الاجتماع الحديث. ومن أهم ادعاءاته أن المجتمع هو حقيقة فريدة من نوعها، وغير قابلة للاختزال إلى أجزائه المكونة. يتم إنشاءه عندما تتفاعل الضمائر الفردية وتندمج معا لخلق واقع جديد تماما، وأكبر من مجموع أجزائه، لا يمكن فهم هذه الحقيقة إلا من منظور اجتماعي. ولا يمكن اختزالها في تفسيرات بايولوجية أو نفسية. حقيقة أن الحياة الاجتماعية تتمتع بهذه الخاصية ستشكل أساسا لادعاءات أخرى لدوركهايم. بأنه يمكن دراسة المجتمعات البشرية علميا، لهذا الغرض طور منهجية جديدة تركز على ما يسميه دور كهايم الحقائق الاجتماعية أو عناصر الحياة الجماعية. التي توجد بشكل مستقل عن الفرد وقادرة على تأثير فيه، وكذلك درس باستفاضة قوة العلاقات بين الافراد أو مقدار التماسك في المجتمع. تشبه إلى حد كبير بمفهوم العصبية نظرية ابن خلدون الاجتماعية، باستخدام هذه الطريقة نشر أعمال مؤثرة في عدد من الموضوعات. أشتهر بانه مؤلف كتاب حول تقسيم العمل الاجتماعي وقواعد الطريقة الاجتماعية. حول الانتحار و الدين في الشعوب البدائية. عندما بدأ دور كاهيم الكتابة لم يكن علم الاجتماع معترف به كمجال دراسات مستقل. فقبله كان الاجتماع مجرد هواية يمارسها بعض الأرستقراطيين والباحثين في مجال الثورات، لذلك بذل جهود كبيرة لفصل علم الاجتماع عن التخصصات الأخرى. وخاصة الفلسفة وعلم النفس، نتيجة لذلك بينما كان تأثير دور كاهيم في علوم الاجتماعية واسعا، تظل علاقته بالفلسفة غامضة. مع ذلك أكد دور كاهيم أن علم الاجتماع والفلسفة مكملين لبعضهما البعض وذهب الى حد القول: أن علم الاجتماع له ميزة على الفلسفة، لأن طريقته الاجتماعية توفر وسائل لدراسة الاسئلة الفلسفية تجريبا وليس ميتافيزيقيا أو نظريا. نتيجة لذلك غالبا ما أستخدم علم الاجتماع للتعامل مع موضوعات التي كانت مخصصة تقليدا للبحث الفلسفي

“المنهاج البحثي لدور كهايم”

أصر إيميل دور كاهيم، على دراسة التجمعات البشرية على ماهي عليه. دون أخذ الاعتبار للأفراد الذين يكونون ذلك المجتمع. بل ذهب الى القول أنه من الخطأ دراسة الافراد كما قال عنها: “مقاومة اغراء الاختزال” فحجته في هذا أن الحقائق الاجتماعية مترابطة ببعضها، ولا يمكن فهم أحدها بمعزل عن البقية. حيث تأثر كثيرا بالمقولة الشهيرة: (الكل أكبر من مجموع أجزائه). وعلى قدر اصراره على هذه الفكرة كانت سخرية والانتقاد من قبل معارضيه على هذا الكلام، كيف يكون المجتمع أكبره من أفراده!. السنا نعقد المسالة أكثر مما يجب، أو أننا ندخل في مجال ميتافيزيقيا لا داعي لها .

 وأشد الاعتراضات جاءت من علماء النفس، حيث كان الاعتقاد السائد في نهاية القرن التاسع عشر ، هي أن دراسة وفهم فرد واحد يمكن أن يطبق على الف شخص أو أكثر، لكن دور كاهيم زعم في هذا الصدد أن هناك ظواهر جديدة أو حقائق إجتماعية تطرأ عندما يتحد البشر ليكونوا المجتمع ، وان تصرفات الانسان تختلف عندما يكون لوحده عما يظهره عندما ينخرط في المجموعة، بل أضاف الى هذا وصفه الى نوعيه التفكير لدى المجتمع بالوعي الجماعي. فحقائق مثل توزيع الكثافة السكانية أو مستوى التضامن أو معدلات الولادة أو الانتحار. كلها يجب أن تبحث ضمن نطاق المجتمع، ولا يمكن استحصال معلومات مفيدة عند دراسة الأفراد. أستعار فكرة المفكر هربرت سبنسر، في وصف المجتمع بالكائن الحي .حيث أن الخلايا لوحدها لا تعمل شيء. لكن ترتيب الخلايا بشكل معين، يصنع كائن معينا، وأعاد ترتيبها بشكل آخر يصنع كائن آخر في كتابة قواعد الطريقة الاجتماعية أشار إلى نقطتين

 الحقائق الاجتماعية: هي خارج نطاق وعي الفرد، أي أنها مؤثرات تأتي إليه من الخارج ولها تأثير قسري على الأفراد مثل قوة تدفعنا لنفكر ونشعر ونتصرف بطريقة معينة. تمثل:

(الاخلاقيات، المعتقدات، العادات، القيم، الطقوس، القوانين ، التقاليد)

• التضامن الميكانيكي والعضوي : في أول كتاب نشره حول تقسيم العمل المجتمعي، قدم أطرحوه غريبة من نوعها في ذلك الزمان. حيث رفض أفكار المحافظين والرومانسيين التقليدية، حول كيفية تركيب المجتمع. فقد قال انه في السابق، كان الجميع في مجتمع معين متشابهون إلى حد كبير. حيث يتشارك الجميع نفس الديانة والمعتقدات والعادات، ولم يكن هناك تخصص دقيق في العمل. بل كانت بسيطة هذه المجتمعات كانت بدائية، وشبه أعضائها بضروس المحرك. لان الجميع يتفاعلون جراء نفس المؤثرات أي أعتبر أن التضامن فيها ميكانيكي. صحيح أن المجتمع المتناغم بهذا الشكل له ايجابيات. إلا أن الجميع أجزاء من محرك كبير، اذا تعطل يتوقف جميع ما فيه. أما اليوم بسبب تغير طبيعة الحياة والتطور الكبير الذي شهدته البشرية، نجد أن المجتمع الواحد فيه تعدديه في الآراء والتوجهات والأديان. والأعمال لم تعد متقاربة بل كل ذهب في اختصاص، ولا يمتلك أحد أي فكرة عن الآخر. بينما يراه البعض أن هذا الاختلاف أمر سيء. قال عنه دور كاهيم: انه أمر ايجابي فحتى لوكان هناك هذا الكم من الاختلاف. فهذا لا يعني عدم وجود تضامن اجتماعي، كل ما كان هناك اختلاف أكثر. كلما كان أعتماد البعض على الآخر أكثر. في السابق يستطيع الفرد أن يعتمد على نفسه أما اليوم فهذا شبه مستحيل، هذا الاختلاف والتنوع أسماه بالتضامن العضوي، أيضا مرة أخرى يعطينا دور كهايم مثالا الكائن الحي”: فالكائنات البدائية لا تمتلك الكثير من التنوع في خلاياها. لكن كلما تطور الكائن الحي، كلما كان هذا اختلاف في خلايا والأعضاء. وكذلك لا يمكن لعضو العيش لوحده، على جميع الاعضاء العمل سوية وبتناغم حتى يتمكن الكائن من الاستمرار. ومثل هذا الامر يمكن تصوره في المجتمع كذلك، فلا يمكن له الاستمرار. اذا لم تكن هناك وظائف متعددة مثل الشرطة أو التعليم،…الخ . بالطبع هناك ايجابيات وسلبيات لكل حالة. فالتنوع يزيد من كفاءة المجتمع في الانتاج. ولكن من ناحية أخرى تطرأ عليه مشاكل، لم تكن لتحصل في الجسم البسيط

• الانتحار مسألة اجتماعية: الانتحار من وجهة نظر اجتماعية على قدر فردانية هذا العمل المثير للجدل. الا أن دوركهايم أصر على أن لا نخرج من جو الجماعة، في محاولة فهم المسببات أو العوامل التي تؤدي الى الانتحار. فعلم الاجتماع لا يقتصر فقط على التناغم والعمل والانتاج. بل كذلك يدرس الجوانب المظلمة في السلوك البشري، مثل الحروب والصراعات والإبادات الجماعية. ومدى تأثير هذه الكوارث على البشرية. قد يعتقد المرء أن الانتحار أمر عشوائي، وهو بذلك لا يمكن التنبؤ به. لكن دور كاهيم وضح من خلال وضع احصائيات دقيقة، أنه بالإمكان التنبؤ بعدد الحالات التي ستحصل في المستقبل بالطبع هذا الكلام مخيف الا أنه حقيقة. فالإحصائيون والباحثون الاجتماعيون، وبإجراء دراسة دقيقة للعوامل المؤدية للانتحار. تمكنوا من التنبؤ بعدد الحالات بشكل دقيق، مع هامش خطأ بسيط. بالطبع من المستحيل معرفة أسماء الذين سينتحرون، إلا أن الأرقام التي يحصلون عليها كانت دائما قريبة من الواقع. نعلم جيدا أن لهذه الحقيقة تبيعات خطيرة، فهل حرية الارادة وهم.؟، لكن دور كاهيم لم يكن يهتم كثيرا لهذا، بل سعى من خلال فهم العوامل المؤدية الى الانتحار. كالفئات العمرية والمستوى المعيشي والثقافي أو المهنة أو المعتقد. فاذا فهمنا هذه المسببات، فمن الممكن معالجة المشاكل التي تحصل. وبتالي من الممكن تقليل حالات الانتحار. حيث حاول أزاله عدد من العوامل التي كانت الاعتقاد الراسخ في تأثيرها على معدلات الانتحار. كالأمراض النفسية الموروثة أو الطقس أو النجوم. وعزز عوامل أخرى هي “- الدين – الحالة الزوجية والاقتصادية- الفئات الاجتماعية- اليوم هذه المنهجية تعتبر بدائية في أسلوب طرحها للعوامل والمسببات. لكن من الممكن أن نلخص مجمل أفكار كما يلي عرف دور كاهيم أربعة أنواع للانتحار.:

( الاناني – الايثاري- الفوضوي- القدري)، الانتحار هو حقيقة اجتماعية مرتبطة بحقائق اجتماعية أخرى. بالأخص التماسك الاجتماعي فسبب قلة حالات الانتحار في المتزوجين مقارنه بالعزاب هو وجود تماسك اجتماعي وأسري أقوى .

” الاناني”: الانتحار حسب المعتقد ، فالتماسك الاجتماعي لدى الكاثوليك هو أقوى من البروتستانتيين وهو أقوى بدوره من الملحدين.لذلك نرى حالات الانتحار تزيد، في الحالة الاخيرة لدى الملحدين اطلق دور كهايم على الانتحار الناتج عن ضعف التماسك الاجتماعي بالانتحار الاناني. ضع في الحسبان هذا المصطلح تقني بحت والانانية لا تعني حرفيا حب الذات بل ضعف الروابط الاجتماعية.

” الايثاري”- المجتمعات الحديثة تفتقر الى التماسك أو التضامن الاجتماعي التقليدي، بل علاقة الأفراد فيها من نوع آخر ليست قوية لكنها مركبة ومستندة على أعتماد الاشخاص على بعض. لا يمكن تفسير الانتحار هنا بالأنانية كسابقة، بل أسماه الانتحار الايثاري حيث يحصل نتيجة عدم تمكن الانسان. من ايجاد قيمة له في مجتمعة أيضا نؤكد على كون المصطلح تقنيا، لذلك لا يعني الايثار هنا عمل الخير أو التضحية.

” الفوضوي”: كما قال دوستوفيسكي:(اليس الانسان يفضل أحيانا التعاسة مثلها السعادة ؟ ربما التعاسة مفيدة له بقدر السعادة، الانسان يتعلق بجنون وشغف بمعاناته .وهذه حقيقة لا داعي لمراجعة التاريخ لإثبات وجهة النظر هذه . اذا كنت انسانا فقط أسال نفسك لكن سواء هذا كان أمرا جيدا أم سيئا أحيانا، يعجبك أن تكسر الاشياء. بالنسبة لي فيما يخص السعادة أو التعاسة أنا لست مع أي منهما أنا ببساطة أقف مع تقلباتي التي أجدها دائما عندما أحتاجها .) الانسان لا يكتفي بما لديه حتى لو كانت له مثل ثروة قارون. ولا يرضى على حاله. حتى لو توفرت له كل وسائل الراحة والسعادة، وهو مخلوق غريب في طبيعته. على المجتمع أن يعلم الفرد بما هو معقول دون طمع كما يقول دوركهايم ( للمجتمع دور في وضع حدود لطمع الافراد عن طريق تعليم الجميع منذ الصغر ضرورة الموازنة بين الرغبات وما هو متاح). ولحين الوصول الى مرحلة النضج هذه الافكار تنطبع في العقل الباطن، بحيث يتصرف الجميع ضمن حدود معقولة دون أن يدرك أحد ذلك. وهو كما قلنا التأثير القسري الخارجي للمجتمع على الأفراد، لكن في العصر الحديث لكون حياة المدن معقدة بشكل يفوق التصور، لذلك القوانين لا تنظم كل شيء ولهذا السبب هناك الكثير من الريبة أوالشك في الكثير من المجالات، تجعل المجتمع يفتقر الى أمتلاك توجه عام. وهذه الحالة أسماها بالفوضى ( تقلب الوضع الاقتصادي). هو أحد أشكال هذه الفوضى حيث أن سوق الحرة على قدر ايجابيتها. قد تسببت في أكثر من مناسبة في أفلاس الأثرياء وذوي الدخل المتوسط في يوم وليلة .لذلك تزيد حالات الانتحار في الفترات المضطربة. ولأن المجتمع قد تزعزعت أركانه ككل. فأن الوعي الجماعي أو تأثير القسري لا يؤثران، على الأفراد في تصحيح المشاعر التي أختلت. لمرحلة لا يمكن أصلاح الضرر النفسي، ولهذا السبب يحصل الانتحار الذي أسماه الفوضوي. وهو يحصل غالبا في المستثمرين والعاملين في البورصات.

“القدري”- يحدث الانتحار القدري عندما يتم تنظيم الشخص بشكل مفرط، عندما يتم حظر مستقبله بلا رحمة. وتخنق العواطف بعنف من خلال الانضباط القمعي، أنه عكس الانتحار الفوضوي، ويحدث في المجتمعات القمعية. لدرجة أن سكانها يفضلون الموت على العيش على سبيل المثال قد يفضل بعض السجناء الموت على العيش في سجن مع الاساءة المستمرة والتنظيم المفرد.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design