عودة الجواهري

جورنال الحرية 

كتب الباحث محمد قجة من سوريا

حدثني أحد الأصدقاء أنه شاهد الشاعر العربي الكبير “محمد مهدي الجواهري” يتجول على شواطىء الفرات قرب النجف الأشرف، وأنه تبادل الحديث مع “الجواهري” ودار بينهما حوار ساخن.

 

قلت لصديقي: ولكن “الجواهري” توفي قبل أكثر من عشرين عاما ، فلعلك شبهت به رجلاً آخر.

 

أجاب الصديق: كلا.. إنه “الجواهري” بعينه.. ولكني لست أدري إذا كان لقاؤنا في الحلم أم في الحقيقة، ولكن المهم هو الحوار الذي دار بيني وبين “الجواهري”.

 

سألت صديقي: هلاّ سردت علينا بعضاً من هذا الحوار؟

 

الصديق: طاب وقتك يا “أبا فرات”- أراك تطيل النظر إلى (الفرات) وأنت تتمشى على ضفته، فما الذي يشدك إلى الفرات؟

 

“الجواهري”:

طغى فضوعف منه الحسن والخطر

وفاض فالأرض والأشجار تنغمر

باتت على ضفتيه الليل تحرسه

غلب الرجال لما يأتيه تنتظر

 

الصديق: نحن نعلم مكانة الفرات لديك، فبقربه ولدت في النجف الأشرف وعلى صوت أمواجه نشأت، وبه تغنيت، ولقد سميت ابنك البكر باسمه (فرات) واعتبرته رابطاً وحدوياً في إحدى قصائدك المبكرة.. هلاّ ذكرت لنا شيئاً من تلك القصيدة.

 

“الجواهري”:

ثقي دمشق، فلا حدّ ولا سمةٌ

ولا خطوط كلعب الطفل تبتدع

تقصيك عن أرض بغداد ودجلتها

أما الفرات فنبع بيننا شرع

قالوا السياسة شرع ما به نصف

فهل تكون جنوناً ما به ورع

 

الصديق: لقد تحدثت عن الفرات في ثورة العراق عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني وجعلت منه أحد الثوار الأبطال، وأن الفرات يسكن في أعماقك، وأرى أنك تربطه برموز الوطن والتاريخ والحرية.

 

“الجواهري”:

جرى ثائراً ماء الفرات فما ونى

عن العزم يوماً موجه المتدافع

حرام عليكم ورده ما تزاحمت

على سفحه تلك الوحوش الكوارع

تحدث أوضاع العراق بنهضة

ترددها أسواقه والشوارع

ففي الكوفة الحمراء جاشت مراجلُ

من الموت لم تهدأ وهاجت زعازع

وما طال عصر الظلم إلا لحكمةٍ

تنبىء أن لا بد تدنو المصارع

 

الصديق: أراك تلحّ في ربط الفرات بموضوع الثورة والوطن وطرد المستعمر فكأنك تستوحي من أمواجه تدفق الغضب فى نفوس المواطنين ضد طغمة الاحتلال، هل تذكرنا بأبيات أخرى في هذا المجال.

 

“الجواهري”:

قسماً بيومك والفرات الجاري

والثورة الحمراء والثوار

من شر ما اختلق الرواة ولفقت

حيل، وضمت دفة الأسفار

ومفرقين مذاهباً وعناصراً

متكلفين سياسة استعمار

وممثلين تصنعاً ووراءهم

خلف الستار ممثل متوار

نزلوا على حكم الغريب وأذعنوا

في ظل مأثمة له وفجار

ذعر الجنوب فقيل كيد خوارج

وشكا الشمال فقيل: صنع جوار

وتساءل المتعجبون لحالةٍ

نكراء: من هم أهل هذي الدار؟

هي للصحابة من بني الأنصار

من كل بدري وكل حواري

من كل غاز شامخ في صدره

زاهي الوسام مدوخ الأمصار

لم يبق إلا أن تتمم خطوة

ويظل يلعب لاعب بالنار

فلربما نفت الشكاة وقربت

يوم الخلاص سياسة الأحرار

 

الصديق: أنت تتحدث عن أصابع التآمر التي تلعب في جنوب العراق وشماله وأنت تؤكد أن هذه الأصابع لن تنجح لأن البلاد توحدها الحضارة والتاريخ وأن يوم الخلاص قريب ما دام هناك إصرار على بلوغ الخلاص، ولكنك غادرت العراق وعشت في منفى اختياري تجوب العالم.. ألم تتذكر العراق والفرات ودجلة وبغداد والنجف خلال أسفارك الطويلة وبُعدك عن العراق؟

 

“الجواهري”:

حييت سفحك عن بعد محييني

يا دجلة الخير يا أم البساتين

يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقه

على الكراهة بين الحين والحين

يا أم بغداد من ظرف ومن غنج

مشي التبغدد وحتى في الدهاقين

يا أم تلك التي من ألف ليلتها

للآن يعبق عطرٌ في التلاحين

يا دجلة الخير، شكوى أمرها عجب

إن الذي جئت أشكو منه يشكوني

 

الصديق: وما هذا الذي تشكو منه يا “أبا فرات”.. هل تشكو فراق الوطن، أم تشكو هوان الأمة وضياعها، وأنت العربي الوطني الغيور؟!

 

“الجواهري”:

يا أمتي يا عصبة الأمم

لا تعجبي يا ثلج من ضرمي

ولِمَ الرجالُ؟ وفي الحريم غنى

فيما استبيح لهم من الحرم

ما أقبح الأصنام ليس لها

إذ يدعون محاسن الشيم

يتفرجون على مقابحهم

دعة الرضا والصمت في الصنم

 

الصديق: أنت ترى، إذاً أن الحكام الأصنام هم سبب البلاء، وهم الذين مهدوا لدخول المستعمر بسياساتهم القمعية الهوجاء، ولكن.. هل ترى هذا الأمر خاصاً ببغداد وحدها؟.

 

“الجواهري”:

إلى اليوم في بغداد خنق صراحة

وتعذيب آلاف لأجل آحادٍ

مداخله في مجلس ومسارب

وتضييقة في جيئة ومعاد

ولا تعجبوا أن القوافي حزينة

فكل بلادي في ثياب حداد

 

الصديق: نحن نعلم أنك شهدت أحداثاً جساماً وشاهدت كيف حوصر العراق منذ مطلع التسعينات، وكيف هوجم واستنزفت قواه.. واعتبرت القوات الغازية نفسها قد حققت انتصاراً وأظنك قد قلت شيئاً في ذلك، فهل تذكره؟

 

“الجواهري”:

تزعم النصر غول لم يجيء خطراً

على البسيطة غول مثله خطر

بم انتهى؟ وعلى من راح ينتصر!

غول تصبغ منه الناب والظفر

نصر على من؟! على بيت وربته!

وصبية وعجوز هدها الكبر

على الرضيع فلا ثدي يلوذ به

ويوم أعياد “بوش “يوم يندحر

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design