مائدة هولاكو

  جورنال الحرية كتب الباحث محمد قجة من سورية اقتربت جيوش هولاكو من بغداد، وهي تعيث دماراً وفساداً في كل مكان. وأرسل هولاكو إلى الخليفة المستعصم بالله يهدده ويطلب منه الاستسلام . كانت الخلافة العباسية في النزع الأخير، ولم يبق لها سوى مدينة بغداد وما حولها، تنهش في جسمها الدسائس والفتن ويستشري فيها الترهل والتفكك، وكان بعض وزراء المستعصم على اتصال بالقائد المغولي هولاكو يخبرونه عن كل شاردة وواردة في بغداد ويزينون له احتلالها .

طلب الخليفة من كبار قادته أن يمضوا إلى هولاكو يعرضون الصلح ويقدمون له الهدايا والأموال، لعلّه يكفّ عن الزحف نحو بغداد ولكن أكثر هؤلاء القادة رفضوا تلك المهمة، فأرسل الخليفة رجلاً تسميه كتب التاريخ ” شريف الدين بن الجوزي “، وقد وصل هذا الرجل إلى هولاكو فتذلل واستكان وقدم الهدايا والأموال ولكن هولاكو لم يحفل بذلك كله وواصل الزحف نحو بغداد . أحاطت جيوش هولاكو ببغداد، ولم يجد الخليفة وسيلة سوى أن يعاود إرسال الهدايا والأموال لهولاكو، وقد أرسلها هذه المرّة مع ولديه الفضل وأبي العباس، ولكن هولاكو رفض عرض الاستسلام وأصرّ على اقتحام المدينة، وطلب من الخليفة أن يرسل صفوة قادته وجنده لكي يبرهن على حسن نواياه تجاه هولاكو . وقد استجاب الخليفة المستضعف لطلب

هولاكو وأرسل قائديه البارزين سليمان شاه ومجاهد الدين الدويدار مع نخبة من الجند، فما كان من هولاكو إلا أن قتلهم شر قتلة، واقتحم بغداد، ودخل قصر الخلافة، وجلس على كرسي الخليفة العباسي، وأمر بإحضار الخليفة الذي كان يرتجف خوفاً وهلعاً، وحينما أحضر إلى المجلس قال له هولاكو : ـ نحن ضيوفك هنا أيها الخليفة، فقم

بواجب الضيافة، وراح الخليفة المستعصم يفتح خزائنه ويوزع الأموال والهدايا والثياب النفيسة.. حتى إذا انتهى من ذلك، صاح فيه هولاكو .. ـ هذه أموالك فوق سطح الأرض .. فأين أموالك المكنوزة داخل الأرض ؟!! لم يجد الخليفة بداً من إرشاد هولاكو إلى مخابئ القصر، وبدأت سبائك الذهب المخبأة تتدفق وسط الهرج والمرج وصيحات الظفر المغولية .. أعيد الخليفة إلى سجنه في خيمة بائسة، واقتحمت جيوش المغول أحياء بغداد تقتيلاً ونهباً وسبياً وإحراقاً. وقدرت الروايات التاريخية عدد القتلى في بغداد بمليون إنسان . * * * أرسل الخليفة من سجنه يستعطف هولاكو ويرجوه أن يسمح له ببعض الطعام لأنه يكاد يموت من الجوع، فاستجاب هولاكو لطلب الخليفة وأرسل يدعوه إلى مائدته .

وجلس الخليفة أمام هولاكو على مائدة الطعام، فقدم إليه هولاكو طبقاً مملوءاً بسبائك الذهب وأمره أن يأكل منه، فقال الخليفة : ـ ومتى كانت سبائك الذهب تؤكل وتسّد الجوع . فردّ عليه هولاكو قائلاً : ـ إذا كنت تدرك ذلك، وتعرف أن الذهب لا يؤكل فلماذا دفنته في التراب ولم تجهز به جنودك ليتمكنوا من الدفاع عنك وعن سلطانك . ـ لماذا لم تستبدل تلك السبائك برماح وسيوف وسهام وتمضي بها مع جنودك لكي تقابلني قبل أن أعبر نهر جيحون . أطرق المستعصم بالله ذاهلاً ذليلاً، وأشار هولاكو لبعض جنوده التتار فانقضوا بسيوفهم على الخليفة المسكين وأولاده وقتلوهم شر قتلة. وطويت بذلك صفحة دامت عدة قرون.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design