الصِّراعُ التّكنولوفنيِّ

جورنال الحرية                                         

كتبت/ فاتن الداوود _ الأردن

 

قد يبدو للوهلة الاولى اننا في عصرٍ ينغَمِرُ فيه التّطور التّكنولوجي وننغمس بهذا الكم الهائل من الاختراعات والإبتكارات التي باتت ايجابية لتخدم الانسانية.

ونعتبر من المحظوظين لما يتوفر لنا الكثير من وسائل التكنولوجيا والتطور العلمي والذي ساهم بشكل كبير في الآونة الاخيرة من القرن الحالي الى اقتلاعِ المفهوم الفنّي مِن جذوره الى مفهوم آخرٍ مُبهمٍ بعض الشئ لم نَعتد عليه من قبل.

 

وهذا يدعونا للتّساؤل عن ماهية هذا التطور المتوالي والمُنغَمر للتَّطور التُّكنولوجي وهل حقق هذا التغير ايجابياًّ في رِحابنا الفنية وهل كنا فعلا محظوظون فنيًّا بهذا التغيُّر اذا ما قورناّ ببداية ظهور الفن في القرون السابقة.

عندما ظهرت التكنولوجيا في مُستهَل عصر النهضة ساهمت بشكل كبير نسخ الأعمال الفنية بكل انواعها سواء كان استنساخا يدويا او استنساخاً ميكانكيّا باستخدام الة الطباعة الحروفية وآلة المنظور العلمي اللتان كانتا من غرائب الزّمان آنذاك حيث أَحدثتا تطورا هائلا في علم البصريات وفي نسخ ومضاعفة المرئِيّات بشكل مُنقطع النَّظير , حيث اصبح هناك استنساخ وتكرار للاعمالِ الفنية البصرية والمرئية مما أوجد بعض السلبيات فيما بعد بالرغم من ايجابية هذا الحدث الهائل , حيث تناول الباحث الشهير (والتر بنجامين) (1892-1940) هذه الاشكالية بتعمق وكان فعلا من المؤيّدين لعملية استنساخ وتكرار العمل الفني.

آراءٌ متضاربةٌ ما بين المؤيد والرافض لفكرة الاستنساخ هذه , ربما هي اشكالية باتت معقدة بعضَ الشيئ وسط هذا الزخم التكنولوجي المتسارع في الخطى , بلا شك انه اضاف الكثير من الايجابيات منها اتاحة الشرق أن يَقشَعَ عن كثب ما أنتجه الغرب ، وان يرى الغرب بوضوح سحرالشرق , وجعلت العالم الكبير صغيرٌ مرئّي لدى الجميع وفي متناول متذوقي الفنون دون الحاجة الى قطع آلاف الكيلومترات من اجل مشاهدة أية عمل فني , وساهم ايضا في تهجين حضارة الشرق وموروثها ودمجها مع حضارة الغرب , واتاحت تكافؤ فرص التعلّم والاستِزادة الفنية العلمية من اي منهَلٍ مرموق في العالم .

لكن هل هذا الاستنساخ قد أفقد جوهر العمل الفني وأصالته باستنساخ اعمال مطابقة والتي افقدت من اصالة هذا العمل الاصلي وفرادته ؟ مما قد ابخس بلا شك جودة وثمن الاصلي منه بالنسبة للفنان فقط.

هل ارتاينا النظر فقط لتلك الاعمال المنسوخة امامنا دون تكبُّل عناءَ زيارةِ المتاحف ورؤية الأعمال الأصلية لنتلمس جودَتَها واستنشاقِ رائحة ألوانِها العبِقة ورؤية عن كثب ثورةِ الفكر والموضوع الذي أحدثه الفنان في فضائه الأبيض ؟

بلا شك أنّ هذا المد التكنولوجي قد اتاح الفرصة للعديد من الُمُبدعين في تناول الموضوع الواحد لكن بطرق معالجة مختلفة ، لان عملية الاستنساخ بكل طُرقها تحتاج الى فكر جديد وأيدي ماهرة قد تُضيف المزيد من الابداع والابتكار لأعمالٍ تمت لكن بطرق مغايرة أسهمت في نَشَرالثقافة عبرالأجيال وتطويرها ما يواكب كل مرحلة على حدة.

هو تغيير حتمي لابد له ان يواكِبَ مبدأ الصيرورة والسيرورة الذي هو أساس هذا الكون الأزليّ منذ بَدءِ الخليقة ، وأن كلِّ مرحلة هي ذهبية بحد ذاتها تمتلِك الجوانب الايجابية والسلبية ايضا , فنحن من نقتنِصُ هذه الفرص ونؤرِّخُ في سجل التاّريخ ما تم تطويره إزاءَ هذا الزّحفِ المُتغيِّر باستمرار.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design