حسيبك للزمن

 

جورنال الحرية

كتب الباحث الموسيقي/ جلال جوبي _ السويد

كيف صاغها السنباطي لحنا وكيف صور ذلك العتاب المر ..

كيف استعمل المقام ..والايقاع

..التصوير ..العمق ..الشجن..الحنين ..القسوه ..الشماته…..

لنبدأ من المقدمه بدرجة الارتكاز لمقام راحة الارواح ( الهزام من درجة السي نصف بيمول )

ويدخل القانون بجمل صغيره تصور السؤال الذي يسأله المحبوب لنفسه

( هل اعاتبه ..ام لا ؟)

ويعاد هذا السؤال مرتين قبل ان يدخل الايقاع ..

بدخول الايقاع يصور السنباطي ضربات القلب المتسارعه وذلك التردد بين القول وعدم القول باستعمال (تريموله الكمنجات)

يقف الايقاع فجاة ليدخل الناي وكأنه يترجى المحبوب الا يكون قاسيا بعتابه

بينما الفرقه الموسيقيه تمسك بدرجة الارتكاز وتصر على البدء في العتاب

وينتصر بعدها البوح :

..حسيبك للزمن …وتصمت (لتجاوب الفرقه ) وهذا الصمت متعمد لان المحبوب لازال مترددا ايكمل العتاب ام يكتفي …..

لا عتاب ….ولا شجن

وهنا يستجمع قواه المحبوب المعاتب وينادي

تقاسي من الندم ..وتعرف الالم

..ليسيطر مقام الحجاز في كلمة تقاسي من الندم

وليصور الالم في نفس المحبوب

ويبدأ العتاب بدخول مقام البياتي مع الايقاع. تشكي مش ح سأل عليك ..تبكي مش ح رحم عينيك

الى ان تعلو اللهجه مع صعود اللحن الى الذروه عند الوصول الى

يللي ما رحمتش عينيه ..لما كان قلبي بايديك

وتنهي بكامل القهر في ذروة المقام في قولها

دارت الايام عليك …

(ان قدرة ام كلثوم على استيعاب الصور الشعريه والنغم الذي وضع لذلك البوح

تجعلها تتفوق على نفسها في الاداء والغناء المتكامل للعناصر كلها)

المقطع الثاني توضيح لمقام راحة الارواح باستعمال الحجاز الصريح في قولها

الزمن ..ح يدوقك ..في البعد ناري

الزمن هو اللي ح يخلصلي تاري

وقد لحن كلمة (تاري) باسلوب فيه شيئ من الشماته لتستمر الى نهاية المقطع ….

كله ح ترده الليالي ..عليك بدالي..

المقطع الثالث والبَسَه مقام البيات….

( ونغمة البيات الاثر المقامي لها خطير فهي تستطيع ان تكون حزينه او فرحه او قويه او رقيقه وهنا يأتي دور الملحن لانتزاع مايحلو له من اثرها العجيب على المستمع)

يوم من الايام ح تحتاج عطف قلبي

ويوم من الايام ح تتلهف لقربي

دنت مش تلاقي ابدا ابدا زي حبي

(ويقف الايقاع هنا لتهمس بأذن المحبوب الذي تعاتبه)

الزمن بعدي ح يفضل جوى قلبك يألمك

اكتر ماعيش العمر اعاتبك

(لتاتي جملة الكمنجات بعد.كلمة اعاتبك وكانها تشفي الغليل) وتتم الاعاده بالهمس..

ومن ثم اخذ الثأر

مش ح لومك مش ح عاتبك لا …ومقام الحجاز

دنا كفايه اني سبتك للزمن والعوده الى مقام راحة الارواح

ونأتي الى المقطع الاخير

المقطع الاخير يركز السنباطي الى استعمال الدرجات العليا في المقام التي يمهد لها بموسيقا من الكمنجات مع التشيللوهات وتوظيف التريمله بشكل مخيف

فهنا ستنتهي الحكايه ( رايحه سيبك للي ما بيرحم ولاوتقدر عليه

مش ح قولك انت عارف الزمن راح يعمل ايه …)

وبعد كل هذا العنفوان تأتي لتقول له

للزمن دايما حالات ..وياما بيغير حاجات

وهنا يتجلى مقام النهاوند وبشكل غير واضح ليلعب لعبة درجات الارتكاز التي يستعملها جسرا ليصل الى درجة الارتكاز والقفل على مقام راحة الارواح

هذا ما احسست به من خلال غوصي في هذه التحفه السنباطيه والتي ابدعها زجلا

الشاعر الكبير عبد الوهاب محمد

وطبعا هذا التحليل قابل للنقد البناء لغاية استنباط صور اخرى من وجهة نظر اخرى…

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design