ممنوع التصوير

جورنال الحرية – العراق 

كتب : الدكتور محمود شوبر 

قبالة الحائط المقابل لمديرية التجنيد يقف المصور الشمسي كاسياً الخلفية للكرسي الحديدي الذي يجلس عليه المراجعين لهذه الدائرة العسكريةلغرض التصوير (بعباءة نسائية )، الغرض منها ان تجعل خلفية الصورة سوداء. وبذلك يضمن وضوح الصورة التي سوف تلصق في دفتر الخدمة العسكرية الى يوم يبعثون.

ولكونه كبير السن واحدى عينيه فقدت بأحد الحروب التي ارغمته على الخروج من الخدمة العسكرية وجعلته يمتهن التصوير بالقرب من احدى دوائر العسكر المهمة، كان غالباً مايتوهم بالصور. حيث انه من الممكن ان يسلمك صورة لشخص اخر ، فكل الصور التي كان يبلها بالماء لغرض التظهير يلصقها على الصندوق الخشبي لكامرته العتيقة فتردحم الوجوه وتشتبه الاشكال .

اخذت صورتي ومضيت ومضى معي الزمن ، وكلما رأيت قطعة (ممنوع التصوير) امام احدى المعسكرات او الاماكن المهمة تذكرت (العباءة السوداء) التي كانت خلفية لكل صور الجنود المكلفين الذين يساقون الى الموت.

وصارت افكاري تربط مابين التجنيد والمصور الشمسي وخط النار.

ياترى هل كان في حساباته (المصور) ان كامرته تلك تشبه الى حد ما النفق الذي يؤدي الى التهلكة. وان النهاية الفاجعة تكون من حصة أمرأة ما. قد تكون ام ثكلى او حبيبة مفجوعة، او زوجة رملت.!! ولهذا وضع عباءة احداهن للدلالة على المصيبة.

لا ادري كيف كان ينظر لي من خلف صندوق الكاميرا الموشح بالقماش الاسود كي لايتسرب الضوء فيتلف الصورة، هل كان ينظر الى وجهي ام للعباءة السوداء. لم يتسنى ان اسئله هذا السؤال فقد سمعت انه ترك التجنيد وتفرغ لبيع الحجابات النسائية التي راج سوقها بعد (تحرير العراق). ولكنه للاسف غادرنا بعد ان كان ضحية لانتحاري قذر كان قد فجر نفسه بالسوق الكبير للمدينة.

المفارقة ان مكان رحيله مشغول الان بأشارة مرورية كتب عليها (ممنوع التصوير)!.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design