حوار مع الاسكندر المقدوني

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

الزمان: عام 323 ق.م
المكان: مدينة بابل

– طابت أوقاتك أيها الملك العظيم.. أراك منهكاً قد هدّكَ الإعياء.. أهي الحروبُ الطويلة في أعماق آسيا قد نالت من قواك؟!

= الاسكندر:
كلا، إن الحروب لا تعني شيئاً بالنسبة إلي.. ولكنني منذ أيامٍ عدة شاركتُ في مسابقةٍ لشرب الخمر مع بعض ضباطي وكبار رجال حاشيتي، وقد شربتُ في ليلةٍ واحدة خابيةً ملأى بالخمر البابليّ المعتّق، وليلتَها أصابتني الحمى، وأظنها الحمى المميتة!
*****

– وهل يليق بملكٍ كبير مثلك أن يشارك في مسابقاتٍ لشرب الخمر، وهو المسؤول عن كلّ تلك البلاد المترامية الأطراف؟!

= الاسكندر:
لقد تحدّاني الضابط “برامكس” وشربَ خابيتين من الخمر، وأردتُ أن أردّ عليه التحدّي.. وها أنذا طريحَ الفراش، والموت يقترب مني، وأنا في الثالثة والثلاثين من عمري، وقد دوّختُ الشرق والغرب، وصنعت من المجد ما لم يصنعه فاتحٌ قبلي.
*****

– ولكنكَ وصلتَ إلى ذلك المجد على جماجم الضحايا وأنهار الدماء، وهي دماءٌ أسَلتَها بلا مبرّر في كثيرٍ من الأحيان. لقد بدأتَ مجدكَ العسكريّ بإحراق مدينة (طيبة) اليونانية بحجة عدم إطاعتها أوامرك، ولم تكتفِ بإحراق المدينة العريقة، بل أمرتَ ببيع رجالها أرقّاء في المدن الأخرى، وهم مواطنون يونانيون.

= الاسكندر:
نعم، إنني فعلت ذلك.. وكانت سياستي تقوم على إلقاء الرعب وإحداث الصدمة. وأنا لا أبالي في سبيل تحقيق السياسة بعدد الضحايا أو نوعية الخسائر، فالطريق إلى المجد لا بدّ من أن يمرّ فوق رؤوس الناس، ولو كانوا أبرياء.
*****

– ولكنك أيها الملك العظيم كرّرتَ ذلك فيما بعد، لقد أحرقت مدينة (صور) الفينيقية الجميلة العريقة، بعد استيلائك عليها، وكنتَ تستطيع دخولها من غير تدميرها وقتل سكانها.

= الاسكندر:
أنا لم أقتل كلّ السكان، لقد اكتفيتُ بقتل عشرين ألف رجل من سكّان مدينة (صور)، أما الباقون فقد بعتُهم عبيداً في أسواق النخاسة. لقد أردتُ أن أعطى درساً للمدن الأخرى، ويبدو أن هذا الدرس لم يكن واضحاً، لذلك عمدتُ إلى إحراق مدينة (غزّة) لأنها قاومتْني، وقتلتُ كلّ رجالها، أما النساء فلم أقتلهنّ، وإنما اكتفيتُ بسبْيهنّ ومنحهنّ لرجالي.
*****

– وما الذي جعلكَ تُعامل أهل مصر تلك المعاملة اللينة، بعد دخولك الصحراء ووصولك إلى واحة (سيوه)، حيث الإله “آمون” الذي قدّمتَ له فروض الطاعة، واعتبرتَ نفسك هناك أحد الفراعنة المصريين العتاة!

= الاسكندر:
إن كهنة “آمون” هم الذين نصّبوني فرعوناً، وأنا في داخلي أعرف أن حضارة وادي النيل العريقة هي التي علّمتْ الإغريق وبقية الأوروبيين، لذلك كنت متهيّباً حين دخولي مصر. وإن القرنين فوق رأسي هما قرنا الإله “آمون” الذي حاولتُ استرضاءه ونَيل بركاته.
*****

– ولكنك أيها الملك العظيم عدتَ إلى التدمير والبطش بلا مبرّر، بعد خروجك من مصر وتوجُّهك إلى لقاء الملك الفارسيّ “دارا”، في عاصمته العظيمة (برسبوليس) التي كانت أجمل مدن الدنيا وأغناها وأكثرها ترفاً وأبهةً ورقياً في شتى المجالات. وقد استسلمتْ لك المدينة بعد هزيمة الجيش الفارسي، ولكنك ركبتَ رأسك وأمرتَ بإحراق المدينة التاريخية وتسويتها بالأرض، ونهْب كنوزها وقتْل رجالها وسبي نسائها.
ولم تكتف بذلك، بل إنك دخلت مدن (سجديانا) و(أريانا) و(بكتريانا)، فأمرتَ بقتل جميع السكان، رجالاً ونساء وأطفالاً، ونهْب جميع الثروات الظاهرة والدفينة.

= الاسكندر:
وهل أنا الوحيد من الفاتحين الذي يقوم بذلك؟ لقد سبقني إليه الكثيرون، وسيأتي من بعدي الكثيرون، إنها شخصية القتل والدم، والرغبة في قمْع كل اعتراض، إنني راغبٌ في إحلال السلام على الأرض، ولهذا فإني أعتبر كلّ معترضٍ على رغباتي متمرّداً وإرهابياً يجب قتله، ولا يهمني في هذا المجال عدد القتلى ولا فداحة الخسائر.
*****

– ألا ترى أيها الملك الكبير، أن ذهابك إلى الهند كان المغامرة القاتلة التي أودتْ بأرواح الآلاف من جنودك، وجعلتكَ تفقد توازنكَ وتضطر إلى العودة إلى بلاد فارس، وقد تكاثرَ مِن حولك الأعداء الذين يتمنون موتَك وتحطيم جيشك؟

= الاسكندر:
هذا صحيح.. ربما كانت مغامرة الهند تسرّعاً مني.. ولكنني حينما عدتُ إلى بلاد فارس رأيتُ أن أقوم بعملٍ يحقّق نتائج باهرة، فقررت الزواج من امرأتين فارسيتين في وقتٍ واحد، هما “ستاتيرا” ابنة الامبراطور “دارا”، و”بريساتس” ابنة الامبراطور السابق “أرتخشتر”، وأمرتُ ضباطي وجنودي بالزواج من النساء الفارسيات، وكنا قد قتلنا الرجال الفرس. وقد أقمت حفل زواج في مدينة السوس لآلاف المقدونيين الذين تزوّجوا من فارسيات، وقمتُ باستقدام الرجال من اليونان ليحلوا محلّ الرجال الفرس الذين قتلتُهم. وهذا ما يفسر ميلي المتدرّج إلى الأساليب الشرقية، التي رأيتها أعرق في الحضارة من خشونة (مقدونيا) وجلافتها.
*****

– نعم أيها الملك الكبير.. لقد بلغ من تأثّرك بالحضارة الآسيوية في بابل وفارس، أنك أعلنتَ نفسك إلهاً عام 324 ق.م، وأمرتَ الناس بالسجود بين يديك.
وقد أغضبتَ بذلك كثيراً من رجالك، ومن أبرزهم الفيلسوف “أرسطو” الذي لم يوافق على فعلتك، بل إنك قتلتَ الضابط “كليتس” الذي كان قد أنقذك من الموت في إحدى المعارك، ولم تكن وفياً له.

وها أنت في بابل تذوي وتقترب من الموت، ولستُ أدري هل أنت قاهرُ بابل، أم أن بابل هي التي قهرَتْكَ في نهاية المطاف!
*****

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design