الأعباء اللغوية المثقلة على القصيدة الشعرية .. الأسباب والمعطيات

جورنال الحرية
تحقيق / علي صحن عبد العزيز

يتناول بعض النقاد ومتابعي الشعر ، بأن القصيدة الشعرية الآن مثقلة بأعباء لغوية ومقمحة بالمجاهيل والمغامرة اللغوية التي تبعد القارئ عن التمتع في قرائتها أو إكتشاف ما يدور في مخيلة الشاعر، حتى أن تلك الآراء ذهبت إلى أبعد من ذلك ، من خلال اقتحامها بالمجاهيل والزخارف التي تبعدها عن حرارة مضمونها وتماسكها الفاعل والمؤثر والغاية من كتابتها .
(جورنال الحرية) توجهت إلى نخبة من الشعراء والنقاد والشاعرات ، لتطرح عليهم هذا التساؤل ، هل بات العبء اللغوي حالة مفروضة على المثقف والقارىء بغض النظر عن إمكانية وصول محتوى هذا القصيدة الشعرية إلى القارىء أولا، وهل تعتقد بأن هذا المعنى يعود إلى عدم نضوج الفكرة أو الصورة الشعرية أساسا لدى الشاعر أو الشاعرة .
خلق الإبداع
الدكتور سعد ياسين يوسف / أديب وباحث أكاديمي : الأدب الحقيقي هو ارتقاء باللّغة وسموٌ بمعانيها وليس بالتعكّز على فخامتها ، ولاعلى زخارفها بعيداً عن المعنى الّذي هو جوهر اللّغة ، وبدرجة عالية من الحساسية في الشِّعر الذي يعني الخلق والابتكار لكلِّ ما يُدهش من صورٍ تُصاغ باعتماد نبض اللّغة الحيّ الّذي يفتحُ لدى المتلقي أفقاً واسعاً ،فاللّغة في الوقت الّذي تكون فيه أداة مهمة من أدوات الإبداع الأدبيّ، لابدَّ للأدب أنْ يساهم في الحفاظ عليها وأن يكون المرآة الصادقة لتطورها،وحياة أخرى بالنسبة لها، والمُجدّد الدائم لأنساقها، فاللّغة على حدِّ قول (رولان بارت) “هي ليست زاداً مادياً، بقدر ما هي أفق” ،ووفق هذه المفاهيم لايسمى الأدب الذي يلوذ بجعجعة وزخارف اللّغة أدباً ولا إبداعاً.
تعقيد التفسير
الدكتور علي لعيبي : الشعر رسالة وغاية إنسانية نبيلة تفسر معنى الحياة ، والكثير من الأدباء يتفنون في إيصال ذلك من خلال أساليب متعدده وأهمها اللغة ، وهناك من يعتقد أن السلامة المطلقة ضرورة علمية وجمالية لذلك ، وآخر يرى أن بساطة قواعدها النحوية والبحث عن مفردات لغوية غير مطروقة تعقد التفسير والفهم لدى البعض ، لذلك نحتاج إلى توازن في تحقيق الغايات ، وهذا يعتمد على ما يلي ، تحديد الأفكار والصور المراد الكتابة فيها حتى نتجاوز التشتت الفكري ، وبالتالي اللغوي عدم إقحام النص بمفردات غير مسبوقة وغير متداوله وهذا لا يعني عدم التجدد والبحث عن أجمل كلمات في لغتنا العربية الجميلة ، ونلاحظ هناك تمايز بين ما يكتبه بعض المحسوبين على الكبار والمغموريين منهم ، فالبعض يتقبل كل ما يطرح من الأول ويستهجن الثاني ، وأخيرا أصل الغايات وسائلها المشروعة .
مكنونات البحت
رجب الشيخ / شاعر وأديب : التناظر الحسي الموجود خلف الجمل الشعري يأخذك إلى فضاءات شاسعة من حيث الأسلوبية الفذة التي يستخدمها الشاعر في نصوصه الإبداعية للجمل المركبة ، في حيثيات المعنى وزج المفردات التعبيرية بأستعمال الصورة الشعرية والتي تدور في فلك هيكلة النص ، ضمن مكنوناتها للبحث عن تشكيل جمل إبداعية قريبة إلى التصورات البديلة عما يريده ضمن أنساق الفهم المتخفي في تشكيلات القطعة النثرية، معتمدا على أسلوبه الرشيق في قولبة التكوين المعرفي في مجال القصيدة النثرية.
إيقاع التجربة
إسراء الأسدي / شاعرة : تحتمل القصيدة كل شيء لغوياَ دون محددات بوجه الإبداع والمخيال الشعري حتى لاتقع بالسطحية والتقرير، فالقصيدة تولد بعد مخاضات لشاعرها وابحار لغوي بالمفردات والتي يأتي بعضها دون تخطيط مسبق، فيحدث ان المفردات تأتي باسترسال فني وايقاعي من خلال التجربة الشخصية للشاعر وقراءاته ومصادر ثقافته، كذلك يتبع ذلك أسلوبه الفني وإيجاد خط مغاير له دون غيره ، وفن الشعر يعتمد على موسيقى وايقاع المفردة وبناء الجملة، كما يحافظ على علو كعب لغته ولايقع في الكلام الدارج بل يذهب بعيداً لأستعراض تمكنه اللغوي، وعلى الجمهور أن يذهب معه لتلك الغاية ، وأن كانت صعبة المنال، لذا كان غريب اللفظ وتشفير المعنى مطلوب حسب الظرف الزمني والمكاني للشاعر دون الاستغراق برخص العبارة وأحترام عقول متابعيه وجمهوره.
تجاوزات لغوية
حسين عجيل الساعدي / ناقد وأديب : الشعر هو لحظة تلاقي الوعي باللاوعي وطاقة تعبيرية تعتمد الصياغة اللغوية، لأنه تشكيل لغوي مرتبط باللغة ارتباطا وثيقا ، والنص الشعري الحداثي تجاوز اللغة، لا يؤمن إلا بالإيحاء والرمز، مما يجعل القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى معاجم اللغة من أجل فهم النص، وهذا يعميق وعي المتلقي بالكثير من المفردات ، كما إن الذي يثير حفيظة القارئ هو التجاوزات اللغوية المتمثلة، بالغموض والتشظي والتلغيز والأيحاء والرمزية المفرطة ، مما يخلق فجوة بين الشاعر والمتلقي تثير دهشة المتلقي ، ولكن هناك من يؤكد أن هذه التجاوزات اللغوية هي بحد ذاتها تولد عند المتلقي حافزا ذهنيا لتطوير قدراته الذهنية بفك شفرات رموز النص.
إجراءات نقدية
وجدان عبد العزيز / شاعر : ليس هناك اعباء لغوية على القصيدة الحديثة ، و لاشك إن اللغة حينما تأخذ ابعادا في التكثيف اللغوي، قد يحدث نوع من أنواع التعمية والتخفي في طرح الأفكار، وقد كان يحدث هذا في عهد الدكتاتورية التي أصبح الرقيب فيها كشرطي في أنامل الكتاب والمبدعين، وبعد سقوطها سنة 2003 أخذ المبدعون ينطلقون في الطروحات الواضحة، هذا سبب من الأسباب، ولكننا ندرك إن لغة الشعر الحديث تنطلق من خلال لغة الروح المحتكة بالواقع، بيد أنها مفردة نحت منحى الطابع الايحائي مما يجعل المتلقي يلاقي صعوبة في الفهم الأولي لها، ولذا يحتاج إلى نوع من أنواع التأويل في إدراك المعنى، كون المفردة الحديثة الشعرية في شعرنا الحديث تحاول إن تُكيف مخارجها بالمعنى أو بدونه وفق كل أثر وتأثير تماشيا مع الموقف، (ولهذا فإنها تأتي مكثفة ومركزة بالرمز والإيحاء ومعبرة ومفعمة بالانفعال والنبض وبالعواطف والمشاعر والأحاسيس وذات مدلول تارة يرتبط بمدلوله الذهني ، وتارة أخرى يرتبط مدلوله بمخرج صوتي مجرد)، وهذه العملية أثقلت لغويا على القصيدة الحديثة، وبدت في تصورات البعض أنها مجموعة من المجاهيل والمغامرات اللغوية، إلا أنها عكس ذلك تحتاج إلى إجراءات نقدية إدراكية حديثة للوصول إلى المضمون المتخفي في لغة الروح التي أجترحها الشاعر .
ذاتية الشاعر
رانيا بخاري / إعلامية / السودان : الشعر اليوم يكتب لقارىء مدني نشط ، وربما يكتب للصفوة فالشعر كسر إطار لغة المحسنات اللغوية من تطابق وجناس وتورية فثقافة الشاعر جزء كبير من لغة القصيدة ويعمل الشاعر مخيلته بناء على ثقافته ، وتتداخل دراسة الشاعر أيضا فى جسد القصيدة بوعي أو دنما وعي ، لذا الشعر اليوم يموج بكثير من المفردات التي تأتي عند صياغة الشعر كالموسيقى والفن التشكيلي ، فهنالك القصيدة السورويالية بالإضافة إلى الشعر الحسي وشعر المواجيد الذي يمتزج فيه جسد القصيدة مع جسد الأنثى ، لذا بات الشعر عصي على الفهم وبات تلقي الشعر محصور في شريحة معينة تملك مفاتيح فتح مغاليق الشعر ، كما نجد أن الشعر اليوم غارق في ذاتية الشاعر بعيد عن الجمعية فمهمة الشاعر اليوم ليس التعبير عن المجموع ، بل التعبير عن ما يجيش ويعتمل بصدره منفصلا عن قضايا مجتمعة وهذا أدى إلى قطيعة بين الشاعر والمتلقى ، فالشعر اليوم يحتاج إلى قاموس لغوي يفسر اسطرة الشعر وتهويمه بعيد عن مقاصدها التي عرفناها .
إدامة الثقافة
لطيف عبد سالم / باحث /إعلامي/ أديب : تتعارضُ اللُّغَة الشِّعريَّة مع اللُّغَةِ العاديَّة أسلوبيًا بمغادرتها آفاقِ الصورة النمطيَّة المألوفة في التعبير، إذ يمكن القول إنَّها لُّغَة غايتها التأثير الفني والجمالي في المتلقي، مرتكزة بالأساس على الإيحاءِ الذي يقتضي ابتعادها عن المباشرة، فاللُّغَة الشِّعريَّة تخاطب بحسب المتخصصين القلب والوجدان، بما يُحملَه إياها الشاعر من مشاعرٍ وأحاسيس بخلافِ اللُّغَة العاديَّة التي تبتغي مخاطبة العقل؛ لأجلِ الإقناع والافهام، ما يعني أنَّ العبءَ اللغوي مرهون بمستوى نضج الشَاعِر الذي يعتمد على ما يمتلكه من خزين ثقافي ومعرفي، فضلًا عن رؤيته الخاصة لمفهوم اللُّغَة الشِّعريَّة ، ولعلَّ من بين أهم الأسباب الموضوعيَّة التي ساهمت في جعل القَصِيدة الشِّعريَّة مثقلة بالأعباءِ اللغويَّة هو تأثر الأدباء العرب بمعطياتِ الفكر النقدي الغربي ، والمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ العديدَ من الباحثين يؤكد في دراسته لبعضِ النصوص الشِّعريَّة الحديثة والمعاصرة على وجوبِ إيغال الشَاعِر في ميزةِ التعقيد والغموض والإبهام ، لاعتقادهم بأن هذا المنحى يمثل ضرورة فنيَّة من شأنها تلبية ما يقتضي من حاجةٍ لتطويرِ اللُّغَة، ومحاولة تطويعها ، بغية مواكبة العصر ومتطلباته الثقافية، ومن هُنَا فمَا أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ المتلقيَ يتحتم عليه امتلاك ناصية المعرفة التي بوسعها تمكينه من فهم مضامين النصوص الشِّعريَّة، وتفسير مبتغاها، والذي يلزمه إدامة ثقافته من خلال حرصه على الاستمرار في المطالعة، مع العرض أنَّ عدمَ تفاعل المتلقي بشكلٍ إيجابي مع أي تجربة أدبيَّة يُعَدّ دليلًا ملموسًا على فشلها، وخيبة كاتبها ، لأنَّ الأدبَ – بكافةِ أجناسه ، ينبثق من المُجتمع ويكتب له، ويمثل في جوهره رسالة إنسانيَّة موجهة لعموم المُجتمع الإنساني، ولا يمكن أنْ تقتصر على النخبة أو شريحة اجتماعيَّة محددة.
تكثيف الصور
نرجس حيدر عمران / شاعرة واديبة /سوريا : هذه الخلاصة بات واقعا في نسبة كبيرة من القصائد الأديبة وخصوصا المواكبة للحداثة ، أرى أن مرد هذا يعود إما للخلاف الكبير بين الأعلام حول قصيدة النثر وخصوصا المتعلق بحاجتها للتكثيف والصور والتشابيه فباتت القصائد التي تخلو من الغموض ، وعدم الوضوخ يؤخد عليها سمة عدم الجودة أو اللغة البدائية أو في المتمكنة وهذا فقط مرده لسهولة فهمهما وعدم حاجة القارئ لبذل الجهد بحثا عن الفهم وهذا مرده إلى الرأي القائل بأن القصيدة يجب أن تكون مكثفة وتحتوي أكبر قدر من الصور ، وهذا ماجعلها ليست فقط مكثفة بل مدججة بالمجاهيل التي جعلتها سلسلة طلاسم ، وهنا أحمل الأعلام أو الرأي الباحث عن الغموض مسؤولية هذا النتاج ، وقد يكون السبب هو حقا عدم الفهم الصحيح للشعراء للمعنى الحقيقي والشروط اللازمة للقصيدة ، فحاولوا مواكبتها بطريقة خاطئة أو بعيدة عن روح المتلتقي لمسايرة الرأي الثقافي الذي بات يصف الغموض والكتابة بالطلاسم إبداعا بكلا الحالتين المسؤول ، برأي هو وجود فئة متطفلة بالأدب تتبنى الغموض على أعتباره إبداعا وهنا الطامة الكبرى .
الكثافة الصورية
الدكتور عبد الجبار شكري ( المغرب ) عالم النفس والاجتماع / شاعر وروائي : في معطيات القصيدة الشعرية الحديثة والمعاصرة ، ارتفعت أصوات نقدية في الشعر العربي تعيب على القصيدة الشعرية العربية الحالية بكونها قصيدة خرجت عن البنية الجمالية لفن الشعر العربي ، بحيث أصبحت القصيدة الشعرية مثقلة بأعباء لغوية وبمصطلحات مجردة وبصور شعرية غامضة وكثافة رمزية فاقدة لكل دلالة في بعدها الواقعي والإنساني، تهدم جمالية القصيدة من حيث اللغة والدلالات السيميائية المقصودة تماشيا مع بناء القصيدة ، فيؤدي كل ذلك إلى هدم اللذة السيكولوجية الجمالية للقصيدة وهدم رسالتها الدلالية الاجتماعية في النسيج الإجتماعي ، وكذلك نجد للشعر وظيفة نفسية ووظيفة اجتماعية لا تتحقق الوظيفتان إلا من خلال تحقيق اللذة الجمالية من خلال الشكل والمضمون ، فجمالية القصيدة من ناحية الشكل تتجسد في الإيقاع الموسيقي للغة الشعرية وتتجسد كذلك في الصورة الرمزية الجميلة ، وفي الترابط النسقي للإقاعات الموسيقية والترابط المنسجم للكثافة الرمزية في سيرورة المعنى ، أما جمالية مضمون القصيدة فتتجسد في وحدة المضمون وتناسق تقطعاته وانحيازاته وانعراجاته وسيرورة قصدية المضمون في انسجام مع كل ذلك ، فيتم إدماج القارئ كليا في في بنية القصيدة وعالمها .
خطورة المسؤولية
غزاي درع الطائي / شاعر : يمكن القول من دون تردد إن الشعر مغامرة لغوية كبرى ، ومن غير اللغة لا يستطيع الشاعر أن يفعل شيئا ، فعبرها يخلق الصور ويحرِّر الأفكار ويحلِّق في الأحلام ويسيح في الخيال وينثر العواطف ، ويبني ويزرع ويتأمل ويحب ، الشعر حركة واللغة كذلك ولذلك يتعانقان كصديقين عزيزين ومتوافقين حدَّ التطابق ، ولقد إستطاع الشعر ، بجدارة ، أن يكون جزءا من التاريخ العام للغة العربية ، وليس المقصود بالطبع هنا الأبيات الشعرية التي أتخذ منها النحويون شواهد شعرية ولا الغريب من المفردات التي استخدمها الشعراء ولا الآلاف من الكلمات التي ولَّدها الشعراء أو اشتقّوها وأضافوها إلى القاموس اللغوي ، بل كل ذلك معا وإضافة إليه حِرْص الشعراء العالي على حفظ اللغة العربية بأبهى صورة لها وإظهارها على أرقى مستوى واحترام هيبتها وإشراقها وحسن رونقها . إن على الشاعر أن يتوقف طويلا أمام اللفظة الشعرية قبل استخدامها ووضعها في تركيب أو سياق أو ترتيب أو جملة شعرية ، وهو يجد نفسه أمامها في ساحة امتحان حقيقي ، وفي ذلك الإمتحان يتوجب عليه أن يأخذ بالحسبان الإبتعاد عن أداء دور الببغاء ، والإمتناع عن ترديد القوالب الشعرية الجاهزة التي شاعت عند الشعراء الآخرين ، سواء أكانوا سابقين أم مجايلين ، وتنقية اللغة من شوائب المعاظلة والتقعُّر والتعقيد ، وإبعادها عن الشاذ والمنكر على نحو حثيث ، والتنحّي عن الغريب والحوشي ، ومراعاة موقع اللفظة ضمن الوحدة أو الوحدات التعبيرية ، والتأكد من حسن علاقتها مع ما يجاورها من الألفاظ ، ومراعاة شروط الفصاحة وعدم التساهل بها تحت أي مسوِّغ كان ، ومجافاة التحنيط اللغوي والبحث عما هو غير مستهلك وغير جامد وغير متحجر من الألفاظ ، فالشاعر ليس موظفا في إحدى شركات التحنيط والتحجر اللفظي ، والتحقُّق من سلامة اللغة واعتبارها شرطا لا يمكن التنازل عنه مهما كان ، وتخيُّر الألفاظ المناسبة للمعاني المنتخبة في إطار من السبك المبدع ، وإذا كان يمكن لجميع مستخدمي اللغة أن يتملَّصوا من هذا النوع من المسؤولية فإن الشاعر لا يمكن له ذلك مهما حاول ، فباللغة تميَّز هذا الشاعر عن ذاك ، وبها عُرفت خصائص أشعاره .، وقد كان الناقد العراقي الكبير الدكتور عناد غزوان (رحمه الله) يردِّد دائما في محاضراته الكثيرة التي كان يُلقيها هنا وهناك : إن اللغة بالنسبة للجميع هي وسيلة إلا الشاعر فإنها بالنسبة له غاية ، وهو في رؤيته هذه يلتقي مع الشاعر الإنكليزي (ت.س.إليوت) (1888ـ1965) م الذي قال في مقالته المشهورة (التقاليد والموهبة الفردية) عن اللغة وواجب الشاعر تجاهها : (إن واجب الشاعر تجاه شعبه إنما هو واجب غير مباشر ، أما واجبه المباشر فتجاه لغته ، إنه واجب المحافظة على اللغة ونشرها وتطويرها) ، وهكذا فإن مسؤولية الشاعر تجاه لغته مسؤولية خطيرة ، وخطورة المسؤولية متأتية من أن اللغة بالنسبة إليه وسيلة وغاية في الوقت نفسه ، فهي من جهة وسيلة للتعبير والشرح والتفسير والوصف والتنوير ونقل الإحاسيس والعواطف والأفكار ، ومن جهة أخرى كائن يطلب أعلى درجات الرعاية والإهتمام والعناية والإبداع .
سياق الحداثة
حسن الموسوي / شاعر وروائي : تبنى القصيدة العربية على مقومات تعتمد في مجملها على الوزن والقافية ، وتمتاز اللغة العربية عن مثيلاتها من اللغات العالمية الأخرى بكثرة مفرداتها وكثرة الكلمات المترادفة والمشتقة ، ومن خلال تحليل النص الشعري تبين وجود مفردات وطرق فنية يتعمد فيها الشاعر إلى إقحامها من أجل أن تكون قصيدته مغايرة و مميزة، وهذا يدخل ضمن سياق الحداثة وقد أدت هذه الطرق إلى إصابة القصيدة بالغموض ، والإرباك بالنسبة للمتلقي الذي يبحث عن الإبداع و الجمال والصور الشعرية المميزة بأبسط صورها ، أن اللغة الشعرية تبنى على تحويل القدرات التخيلية إلى أدوات لغوية ، وبالتالي إيجاد واقع لغوي جديد يعكس قدرة الشاعر في توظيف إبداعه و طريقته الخاصة في إيصال المتخيل إلى المتلقي بأسهل المفردات .
رسالة الأدب
ثامر الخفاجي / شاعر : ليست هناك أعباء لغوية ، وإنما هناك جهل باللغة وتقليد أعمى لثقافة الغرب بإسم الحداثة ، جعل من كتابات بعضهم عبئا على اللغة العربية، فالغموض في المعاني والجهل باللغة وبيانها هو من يشكل هذه الأعباء التي قد تدفع القارئ إلى العزوف عن القراءة ، فإذا كنا نؤمن أن الادب رسالة إنسانية ، فاللغة هو الوسيلة التي توصل هذه الرسالة إلى القارئ ، واللغة العربية بحر عظيم من الألفاظ والكلمات تسعف كل قائل بما يريد ان يقول،هؤلاء الذين يمارسون الغموض في كتاباتهم بذريعة أعباء اللغة العربية، يحاولون أن يخفوا وراءه جهلهم وافلاسهم من الدرر الكامنة في بحرها ،هم من أصبحوا يشكلون عبئا على اللغة العربية وليس العكس .
ماهيات البلاغة
منى قتحي حامد / شاعرة / من خلال طرحكم تتضح لنا الروح الثقافية التي تتوج النص النثري أو الشعري باللغة الجيدة الصحيحة الخالية من الأخطاء اللغوية و السياق التعبيري الملازم والمصاحب لِخيال الكاتب أو الشاعر ، والتي تبتعد كل البعد عن عدم الفهم أو النسخ أو التقليد من دون إدراك لمضمون نص القصيدة ، وأيضاً الغياب التام عن إيجابية ماهيات البلاغة و جماليات ما بها من تورية وتجانس وسجع وصور جمالية يتوجها الخيال ،بالأخص بالنصوص السردية و بالقصائد و بالأشعار ، هذا الخيال أيضا ناتج من عقل ووجدان الكاتب الذي يهدف بترابط مضمون النص الأدبي ووصوله إلى القاريء بأسلوب راقي مبسط براق ، وقد بات العبء اللغوي حالة مفروضة على المثقف والقارىء ، وهذا يعود إلى مدى التعليم و الثقافة والقراءة المستمرة والاطلاع والمتابعة لكل منهما ، فمن هذا يتضح الأثر الواضح والوعي الكامل عند التعامل مع اللغة بأتزان وبإثراء ثقافيا وموضوعيا ،وبالتالي يصبح النص الأدبي به سلاسة و مضمون راسخ سليم يصل إلى القاريء في صورة مبهرة متلألئة بجودة اللغة وترابط المضمون و إجادة الخيال التعبيري ، ليس به صعوبة أو إدراج بالتعبير السردي والخيالي بالشعر أو القصيدة ، ولذا يجب وصول النص الأدبي من الكاتب إلى القارئ في صورة صحيحة لغويا و تعبيريا ، خالية من المبالغة أو الإسفاف بروح اللغة ، مع الإهتمام التام بمراعاة ترابط وحدة وفكرة المضمون من البداية حتى النهاية ، و الثقة الجياشة التي تتوج عقل وفكر ووجدان كاتب النص الأدبي .

إيقاع العروض
محسن حسين عناد /ناقد : اللغة في القصيدة الشعرية كالروح في الجسد لا يمكن الإستغناء عن فعلها وتأثيرها ،كونها ثقلا تعبيريا يرسم ويخلق صخب الأنفعال وأيقاع الموسيقى والوزن العروضي ، لذلك الإهتمام بها والأبحار ضمنها شرط من شروط قوة القصيدة وتألق مضمونها ، فهتك اللغة وعدم الإلمام بقواعدها هو من يجعلها ثقيلة في النص ، فالعيب كل العيب في طريقة الشاعر بالتناول وجهله بكيفية التعامل معها والأخذ بيدها للتعبير والشفافية .
فكرة القصيدة
الشاعر المهندس بديع الخلف/ سوريا: أتكلم عن شعر القصيدة الفعلية (لا خربشات المستشعرين) ، لا عبءَ لغوياً في القصيدة، بل جهل القارئ والمتثقف أصبح عبئاً على القصيدة، فمن لا يفقه الكناية أو الاستعارة أو الرمز، يصبح هو بجهلِهِ عائقاً لوصول فكرةِ القصيدة ،فالشعرُ قاموسُ العرب، المعاجم تستشهد بالشعر لشرح بعض مفرداتها ، والفكرة أو الصورة الشعرية لدى الشاعر ناضجة، لكن معدة الجاهل لم تهيأ للهضم بعد ، أهداف اهداف الشعر استثارة القارئ للبحث عن معاني بعض المفردات الغريبة.
الصياغة الشعرية
علي الحسون / شاعر : الأسس المتينة والرصينة في البناء الشعري يعتمد على الصورة واللغة ، فهما عندما يجتمعان يقدمان قصيدة عظيمة وإن افترقا كشفا عن فقرهما وترهلهما ،فالقصيدة يمكن أن نشبهها بلوحة فنية ، واللغة الجميلة كالألوان الزاهية هي من تزينها وتعطيها بريقا ورونقا، هنا تكمن مقدرة الشاعر ومدى إمكانيته وموهبته في الصياغة الشعرية المتكاملة ، لذلك يجب أن لا يثقل كاهل النص بمسارات لغوية تفرغه من محتواه فيصطدم بالنفور والتجاهل.
إدامة الخلايا
عبد الزهره خالد / شاعر : الأدب كالحياة يتطلب التجديد للديمومة والاستمرار في العطاء وسط ساحة الاحتياج للقمة وللكلمة ، فالتجديد يحدث ادامة الخلايا الاساسية للبناء ، رأي المتواضع ، العبء اللغوي حالة قد تبدو مفروضة لكن الحداثة تحتاجها اللغة والأدب مع عدم نسيان القاعدة والجذور في أصول اللغة العربية الفصحى ، وعلينا متابعة كل التطور الذي يحصل في عالم الادب وتقبله لأجل تطوير البنى العامة للأدب واللغة على حد سواء .
الناقد المحايد
علي جابر البنفسج /شاعر وإعلامي : سيمائية النص الأدبي وأدلجة النقد ، النص الأدبي هو الجوهر المعرفي الذي يتضمنه مفهوم الفكرة العامة المراد نقلها أو ايصالها للمتلقي ، عادةً مايخوض الكاتب صراعات نفسية وخيالية للولوج لما يدور في خلده من فكرة يطمح او يستعد لكتابتها ، وهنا يدخل الكاتب بعمق النص ويحيط بأدواته من جميع الجهات لغرض الخروج بنص يرضي ذائقته وهاجسه أولا ، وبالتالي يطمح من خلاله لإرضاء المتلقي أو القاريء هذه من ناحية ، أما من ناحية اخرى هنا يأتي دور الناقد والمحلل الأدبي الذي يفكك شفر ورموز النص ليظهره للقاريء بصيغة تتلائم والمعنى العام والمقرب للنص ، وهذا هو مايتوجب على الناقد فعله ليخدم النص ، لكن للاسف نقولها البعض من النقاد المرتزقة الذين يميلون لجيوبهم اكثر من ميلهم واهتمامهم لحرفنة النقد حيث تراهم يكتبون ويحابون هذا وذاك ليس سعيا للكلمة والابداع ، إنما لغاية إرضاء مصالحهم أو طلباتهم ، وناهيك عن استخدامهم للمصطلحات النارية والنفاذة التي لاتمس ولاتمد النص بصلة لا من بعيد ولا من قريب بل مجرد مصطلحات لاستعراض العضلات وإدراج كم هائل ووابل من المفردات التي يشاطرون فيها بعضهم البعض وكأنهم في ساحة مبارزة وليس محفل أدبي ثقافي ، لذلك نحن نسعى ان يكون الناقد محايد ويبحث عن النص الذي يحاكي المجتمع والوضع الراهن وليس الجري وراء العلاقات الشخصية والمجاملات التي لاتنفع ولاتخدم النص والثقافة ولا تؤتي لها بما يدعمها ، وأخيرا أقول لبعض النقاد ولا اجزم الجميع ، ان يراعوا الثقافة وليس جيوبهم ومصالحهم وان يخففو علينا حربهم الباردة من خلال التراشق والرمي بمصطلحاتهم الخنفشارية التي بتنا نراها ونقرأها على جميع كتاباتهم وكأنها نسخ لصق .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design