أماه

جورنال الحرية
بقلم/ أكرم وردة _ ألمانيا

أمّاه! نعم بني. من أنا يا أمّاه؟
الأم: كيفَ تسألني من أنتَ؟
الابن: من أنا أمّاه؟ يكرِّر سؤاله.
الأم: أنتَ ابني الّذي أكرمنا الله عطاياه علينا بك، أنتَ كرم وبركة من عطاء السماء علينا، يوم حملت بك.
وكان التَّكريم والنّعمة منه تعالى، أنّه أمدَّك بالصحة والعافية، فولدتكَ وكنتَ ثمرة بركة، باركتَ بيتنا نعمةً من الله، ومنحكَ نعمة الصّحة والحياة بين احضاننا، واليوم أنتَ رجل بالغ أمامي، فهل عرفت من أنتَ؟
الابن: أمّاه أعرف كل ما قلتيه وأشكر الله على كل عطاياه، ولكن من أنا، أمّاه ومن هم إخوتي وأخواتي، عمومتي، عماتي أخوالي، خالاتي؟
الأم: يا بني ما الذي يشغلك وماذا أصابك بعد كل هذه السّنين؟ تسألني وتضيف قائلةً: أنت تعلم وتعلّمت وعلَّمتك ما تعلمتُ من جدّاتك وأجدادِكَ، وكيف كنتَ تسير مع والدك وأنت صغير ترافقه في الحقول وفي الكثير من المناسبات، ترعرعت فوق هذه الأرض المباركة، وتعلَّقت بهذه الأرض وهذا التُّراب، كنتَ تعشق التراب الذي ولدنا فيه وأحببتَ بساتيننا وأراضينا الزِّراعيّة الَّتي نعيشُ من خيراتها، لتتعلّم الحياة، وقد كان والدك يعلّمك ويزرع في قلبكَ حب الأرض والنّاس، ويأخذك صديقاً له ليكون لك ولكل اخواتك وأخواتك حرية الكلام وإبداء الرأي دون أي قيد أو حاجز بينكم. ..
نعم أمّاه أعلم ذلك، لكن هناك شيء ما يقلقني لم أفهمه ولن أستوعبه ويحيِّرني.
الأم: ما هو يا بني؟!
الابن: أنتم علَّمتموني إن كل من يدخل بيتنا من طرف أبي وقومه هو عمُّ لي، وكل من يأتينا من قومكم هو خال لي. وكل طفل يجلس معنا على مائدتنا وسفرتنا، نتقاسم الخبز معه هو أخٌ لنا، وكل صبية تدخل بيتنا تتقاسم الأكل مع أخواتي هي أختٌ لنا، أليس هذا ما علَّمتموني إيّاه يا أمّاه؟
الأم: نعم يا بني، ولكن لا أفهم، أين تريد أن تصل وماذا تبغي الوصول إليه من تساؤلاتك؟!
الابن: أمّاه أعتذر منك، لقد تعلَّمنا منكم الأخلاق وكل ما سبق وكانت السفرة الدّائريّة تجمعنا مع كل هؤلاء، وعلّمتني أن كلَّنا متساوون، لماذا أصبح النّكران لكلِّ تلك الأشياء لماذا بات القهر والغدر والحقد خبزهم المبارك؟ لماذا النِّفاق في صلاتهم ويتمجَّدون ويمجِّدون الغريب الّذي يحرق زرعنا، ويهلهلون ويطبلون له ويلبسونه تاج الملك والعظمة لماذا احترقت بلادنا، فأحزمنا الحقائب، ووجّهنا أنظارنا بعيداً عن أرضنا، فأصبحنا غرباء ولاجئين في بلاد الغرب، نهرب من بيوتنا وأراضينا، والأشجار تُقطع وتُحرق بدون رحمة، أحرقوا حتّى أشجار الزَّيتون، ثمرة الخير والبركة أصبحت لهم عدوَّاً، وأحرقوا السّنابل الّتي هي تبر الحياة وبركتها، لم يعد يتبرعم الربيع كما كان في مواسم الخير وخلال أيام الحصاد، لأنّ هناك من أحرق الخيرات في أوج نضوجها قبل حصادها بأيام.
آهٍ يا أمّاه، إلى أين ياخذنا تيارهم وسرابهم التائه بلا عنوان؟
أمَّاه هل من جواب، أم تبقى دمعة العين والأحضان هي الجواب؟!
والأرض ترتوي من الدُّموع وراحات الكفِّين مطبوقة دعوة للخالق كي يخلِّصنا من نيرهم ونيرانهم.
هزت الأم رأسها وقالت، آهٍ يا ابني ماتَ كل شيء، ماتت الأحلام، ومات ضمير الكثيرين، وبكت حزنا على الواقع المرير الذي حلّ عليهم، ثم راحت تدندنُ وترتِّل بألم جنائزي كأنّها في حالة جنائزيّة غير مسبوقة، وأنفاسها مخنوقة ومشتعلة بمرارة على جيرانها وإخوتها وأخواتها وأبنائها، تتراءى أمامها صورَهم وأسماءَهم واحداً واحداً، وكانت دموعها تنساب بحرقةٍ، وتتناثر دموعها فوق الأرض، فتتلقّفها الأرض بحزن شديد!

أكرم وردة /قمر الشرق

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design